الأزمات وخطورة الكتمان الإعلامى

عضو الهيئة الاستشارية

شاء القدر أن تجتمع على مصرنا الحبيبة ثلاث أحداث مدوية فى وقت واحد تقريبا؛ شحوط سفينة عملاقة فى قناة السويس عطلت الملاحة الدولية، واصطدام قطارين فى صعيد مصر ووفاة وإصابة العديد من المصريين، وسقوط عقار  بالقاهرة ووفاة وإصابة العديد من سكانه، ندعو لمن توفى منهم بالرحمة ولمن أصيب بالشفاء العاجل. الأحداث الثلاثة تجذب اهتمام الرأى العام، وجميعها تثير أسئلة كبرى تبدأ باحتمال مؤامرة أو تخريب مقصود أو فساد مهنى أو إدارى، أو نقص خبرة أو عدم رشادة فى اتخاذ القرار. الحسم لأى من هذه الاحتمالات وغيرها مرتبط أساسا بتحقيقات رصينة فنية وقانونية من خبراء أكفاء يمكنهم تحديد السبب بدقة، وبالتالى…

د. حسن أبو طالب
عضو الهيئة الاستشارية

شاء القدر أن تجتمع على مصرنا الحبيبة ثلاث أحداث مدوية فى وقت واحد تقريبا؛ شحوط سفينة عملاقة فى قناة السويس عطلت الملاحة الدولية، واصطدام قطارين فى صعيد مصر ووفاة وإصابة العديد من المصريين، وسقوط عقار  بالقاهرة ووفاة وإصابة العديد من سكانه، ندعو لمن توفى منهم بالرحمة ولمن أصيب بالشفاء العاجل. الأحداث الثلاثة تجذب اهتمام الرأى العام، وجميعها تثير أسئلة كبرى تبدأ باحتمال مؤامرة أو تخريب مقصود أو فساد مهنى أو إدارى، أو نقص خبرة أو عدم رشادة فى اتخاذ القرار. الحسم لأى من هذه الاحتمالات وغيرها مرتبط أساسا بتحقيقات رصينة فنية وقانونية من خبراء أكفاء يمكنهم تحديد السبب بدقة، وبالتالى يمكن تقديم الإجابة السليمة. 

التحقيقات فى مثل هذه الأحداث، وكل منها يمثل أزمة من طراز خاص، تتطلب الكثير من الوقت، لكن الرأى العام لا يمكنه الانتظار، هو يريد أن يعرف التطورات أولا بأول، ومن هنا تأتى أهمية التغطية الإعلامية والشفافية من قبل المسئولين المعنيين. المُعتاد أو لنقل المتعارف عليه أن يكون لكل جهة متحدث رسمى يوفر للإعلام وللرأى العام المعلومات أولا بأول، من خلال إصدار بيانات أو لقاء ممثلى وسائل الإعلام المختلفة فى توقيتات محددة. وظيفة المتحدث الرسمى أن ينقل الحقائق أولا بأول سواء فى الأوقات العادية أو فى الأزمات، وقطعا ترتفع أهمية دوره فى لحظات الأزمات الكبرى كالتى تمت الإشارة إليها. غياب الحقائق والتزويد المتتالى بشأن ما الذى جرى وكيف تتم مواجهته يعنى إفساح المجال أمام الشائعات وأمام السخرية وأمام الإحباط المُتعمد للمواطنين، من قبل قِصار النظر أو أهل الشر أو حتى من قبل متخصصين يعملون لحساب منافسين فى الداخل أو فى الخارج.

فى أزمة أصطدام القطارين تحركت الأجهزة المعنية، وذهب وزراء ومسئولون كبار إلى موقع الحدث، كما ذهب إعلاميون، توالت الصور والتصريحات وعلم الجميع بالخطوات تجاه المتوفين والمصابين. شئ قريب من هذا حدث مع انهيار أحد العقارات. كلا الحدثين محلى بامتياز يخص المصريين ويتطلب تحديد المسئوليات. توجيهات عليا بالتدقيق والمحاسبة تدفع فى اتجاه التعامل بجدية نظرا لجسامة الدلالات والتداعيات إنسانيا وماديا ومعنويا.

الأمر كان مختلفا بالنسبة لشحوط السفينة العملاقة فى قناة السويس. المعلومات نادرة والصور شحيحة والتغطيات الحية فقيرة إن لم تكن موجودة. فبالرغم من أن موقع الحدث مصرى، لكن نتائجه وتأثيراته عالمية. الأمر مرتبط كما هو ثابت بقيمة القناة بالنسبة لحركة الملاحة التجارية عالميا، إذ يمر عبرها ما يقرب من 12 فى المائة من إجمالى حركة البضائع والسلع والنفط بين الشرق والغرب، وهى نسبة مؤثرة ووقوفها أو تعطلها لسبب ما يمثل ضربة كبرى لحركة التجارة الدولية ككل، ويُعرض الجميع لخسائر وتعويضات يومية تقترب من عشرة مليارت دولار.

أزمة السفينة ليست أزمة محلية يكفيها بيان واحد أو بيانين، هى أزمة عالمية تمس أعصاب الاقتصاد والتجارة الدولية. تصريحات قادة دول كبرى ورؤساء حكومات عن الأزمة وتداعياتها تعكس فداحة الأثر، وتعكس أيضا قيمة قناة السويس كمرفق عالمى يفيد العالم كله. عروض البعض بإرسال مساعدات فنية ومعدات ليست عروضا بريئة، ومغزاها الإيجابى محدود قياسا لمغزاها السلبى. تقارير الإعلام الدولى المتتالية عن الخسائر وإرتفاع أسعار النفط  وصور الأقمار الصناعية عن تكدس السفن فى القناة وقبيل مدخليها الجنوبى والشمالى ترسل رسائل سلبية بحق القناة كمرفق عالمى، أو هكذا أراد البعض وركز عليه. الإعلام الروسى على سبيل المثال يرى فى الأزمة فرصة عظيمة لبيان ضرورة وأهمية إنشاء ممر شمالى بديل فى أقصى الكرة الأرضية يربط بين الشرق والغرب، يصفه بالأكثر سيولة ومرونة والأقل تكلفة، ولكنه لا يجد الدعم الكافى عالميا، ومن رأى فى الازمة فرصة لاعادة ترويج الفكرة. بعض أخر ألمح إلى ضرورة البدء لإنشاء ممر بديل جزء منه أرضى برى وجزء ملاحى عبر إسرائيل. 

غياب التغطية الحية حول الجهود الكبرى التى تقوم بها هيئة القناة لإنهاء شحوط السفية وإستعادة حركة الملاحة الطبيعية، أسهم بدوره فى النظر إلى الأزمة بعين واحدة. الصورة البائسة التى أظهرت جرافة صغيرة الحجم بجوار مقدمة السفينة العملاقة المندسة فى أحد جانبى القناة باعتبارها وسيلة الإنقاذ المتاحة، أثارت كما من السخرية والتعليقات من مسئولين دوليين. البعض أثار عمدا تساؤلات حول امكانات هذا المرفق الاقتصادى العالمى، معتبرا ان تلك الصورة البائسة تعكس فقرا فى الامكانات يجب تعويضه دوليا. وقطعا فإن غياب التغطيات الحية للجهود الكبرى التى تبذلها هيئة القناة لإنهاء الأزمة من خلال أمكاناتها الكبرى، أسهم بدوره فى تنطع كثيرين فى توظيف الحادث لمصالح أخرى يتم التحضير لها بكل دأب، رغم كونه حادثا طبيعيا ويمكن حدوثه فى أى وقت بسبب أخطاء بشرية أو تأثيرات بيئية أو تتعلق بالطقس، ولكن تنافسية القناة كممر أمن كانت تحول دون الشروع فى تنفيذ تلك البدائل. الأمر الآن من وجهة نظر هؤلاء بات معكوسا ويوفر فرصة للترويج لتلك البدائل.  

إدارة تلك الأزمة ذات الأبعاد العالمية بالكتمان وندرة البيانات غاب عنها التوفيق. على مسئولى الهيئة أن يعيدوا النظر فى سياستهم الإعلامية بشأن مثل تلك الحوادث. من المهم أن نسأل أين مقاطع الفيديو الحية حول عمليات التكريك التى قامت بها الكراكات والقاطرات العملاقة التى تملكها، أين المسئول الإعلامى والمتحدث الرسمى الذى يوفر المعلومات لحظة تلو أخرى، أين استدعاء ممثلى وسائل الإعلام المحلية والعربية والدولية لموقع الحدث ليروا بأنفسهم ما لذى يحدث بالفعل، أين توثيق التحركات على الارض. إن لم يفعل صاحب الشأن واجبه فى الإعلام والشفافية، سيفعل أخرون وإنما لأهداف غير الحقيقة، وغير إثبات القدرات الحقيقية لدى أجهزة الهيئة وخبرائها المشهورين بالكفاءة والخبرات الرفيعة فى تسيير القناة وفى معالجة مثل تلك الأزمات. يعز علينا أن نرى وسائل إعلام دولية تقوم بعمل نماذج مصورة لما يجرى، وتحيطها بالارقام والحقائق، ولا نجد مجرد الصور الحية التى توثق الخبرات الحية واجبة الاحترام والتقدير. لقد انتهى زمن التعتيم والاكتفاء ببيان أو اثنين.  

ـــــ

نقلا عن جريدة الأهرام – الاثنين 29 مارس 2021

د. حسن أبو طالب
عضو الهيئة الاستشارية

مقالات أخرى للكاتب