وحدة الدراسات الأوروبية

تحدي كورونا: الفرنسيون ومراجعة أزمة الصناعة

تلقى الفرنسيون عددًا من الصدمات أثناء أزمة “كوفيد” منها عجز بلادهم وشركاتها عن التوصل إلى مصل على عكس الولايات المتحدة وروسيا والصين وألمانيا والمملكة المتحدة، وتخبطها في إدارة التطعيم، وقبل هذا عجزت فرنسا عن صناعة الكمامات اللازمة، مما كشف -وفقًا للبعض- حال الخريطة الصناعية في فرنسا. ويرى عدد من المثقفين الفرنسيين أن حال الخريطة الصناعية من ناحية، وحال المنظومة الصحية من ناحية أخرى، والتخبط في كل مراحل إدارة الجائحة من ناحية ثالثة؛ كل هذا يعد من مظاهر وأدلة تراجع فرنسا وأفولها. وبعضهم يقول إن التراجع في الصناعة من أسباب هذا الأفول. وهناك من يرى أن فشلًا في مجال أو اثنين…

د. توفيق أكليمندوس
رئيس وحدة الدراسات الأوروبية

تلقى الفرنسيون عددًا من الصدمات أثناء أزمة “كوفيد” منها عجز بلادهم وشركاتها عن التوصل إلى مصل على عكس الولايات المتحدة وروسيا والصين وألمانيا والمملكة المتحدة، وتخبطها في إدارة التطعيم، وقبل هذا عجزت فرنسا عن صناعة الكمامات اللازمة، مما كشف -وفقًا للبعض- حال الخريطة الصناعية في فرنسا.

ويرى عدد من المثقفين الفرنسيين أن حال الخريطة الصناعية من ناحية، وحال المنظومة الصحية من ناحية أخرى، والتخبط في كل مراحل إدارة الجائحة من ناحية ثالثة؛ كل هذا يعد من مظاهر وأدلة تراجع فرنسا وأفولها. وبعضهم يقول إن التراجع في الصناعة من أسباب هذا الأفول. وهناك من يرى أن فشلًا في مجال أو اثنين لا يعني أن المنظومة الصناعية والعلمية كلها فاشلة. وأيًّا كان الأمر فإن إخفاقات السنة الماضية دفعت الصحافة إلى إعادة طرح سؤال تراجع فرنسا الحاد، وهو سؤال يظهر بين حين وآخر طرحه المفكر نيقولا بافريز سنة ٢٠٠٣ (في عدد الصيف لمجلة “كومنتير”) مثلًا، وتفاخر الرئيس هولاند في عدد من كتبه بأنه أوقف “التدهور المستمر” للصناعة الفرنسية، وأنه مهد الأرض لانطلاقة جديدة. وفي الواقع طلب هولاند فور توليه السلطة سنة ٢٠١٢ تقريرًا عن قدرات اقتصاد فرنسا التنافسية، واقتراحات للنهوض بها. وأشار التقرير إلى تراجع حصة الصناعة من الناتج القومي من ٢٠٪ سنة ١٩٩٧ إلى ١٢٪ سنة ٢٠١٢، واختفت ٢ مليون وظيفة في الصناعة في ثلاثين سنة (أي بين ١٩٨١ و٢٠١١) ونسب التقرير أزمة الصناعة الفرنسية بصفة أساسية إلى الأعباء الضريبية عليها، وإلى ارتفاع تكلفة العمل من ناحية، وإلى قلة عدد الشركات الوسيطة الحجم. وتقدم التقرير بتوصيات أخذت الحكومة بمعظمها وأغلب ما تجاهلته يخص الشركات الوسيطة الحجم (تميز فرنسا منذ سنة ٢٠٠٨ بين الشركات الوسيطة الحجم التي توظف ما بين ٢٥٠ و٤٩٩٩ عامل – وبين الشركات الصناعية المتوسطة الحجم التي توظف بين ٢٠ و٤٩٩ عاملًا، والشركات المتوسطة الحجم غير الصناعية التي توظف بين ١٠ و٢٤٩ عاملًا).

وهناك طبعًا من قلل من شأن هذا التراجع، ولكن يبدو لي أن أنصار الفريق الأخير يقلل من أهمية الصناعة في الاقتصادات المتقدمة، أي إنه يرى أن تراجع الصناعة ليس دليلًا على تراجع الاقتصاد. وطبعًا يختلف الفريقان حول مفهوم وأهمية السيادة الوطنية، فالمدافع عنها يميل إلى الدفاع عن الصناعة، وحول تحديد مفهوم الصناعات الاستراتيجية. وبالمناسبة قال نائب برلماني ينتمي إلى اليمين التقليدي في حديث له إنه سأل مرة إيمانويل ماكرون أيام توليه وزارة الصناعة إن كان “حدد ما هي الصناعات الاستراتيجية”، وأن ماكرون رد عليه “لا، ولكنها فكرة طيبة، لا بأس منها، علينا أن نقوم بهذا”.

لقد خصصت مجلة “فالير أكتويل” في عدد يوم ١١ مارس ٢٠٢١ ملفًا كاملًا عنوانه “قداس الموتى للصناعة الفرنسية”، ولكننا سنبدأ بتلخيص ما قاله بافريز فيما يتعلق بالصناعة سنة ٢٠٠٣، لنبين أن الأزمة قديمة ومتشعبة، ويمكننا أن نضيف أنها حصاد عجز عن إصلاح جهاز الدولة وسلسلة طويلة من القرارات الخاطئة وشيوع عقلية وتصورات ما سادت في أوساط النخبة منذ بداية الثمانينيات وتفضيل الشعب الفرنسي للاستثمار في العقارات. ونريد أن نضيف تنبيهًا، فالأربعون سنة الماضية لم تشهد تدهورًا مستمرًا، فالرئيسان هولاند وماكرون انتبها للمشكلة، وتصديا لها، واتبعا سياسات حاولت أن توقفها، وتكلل بعضها بنجاح أدى إلى تحسن ملحوظ في تنافسية فرنسا، ولكن الوضع ما زال سيئًا، لا سيما بعد الجائحة التي تسببت مثلًا في إصابة صناعة الطيارات والسيارات بخسائر فادحة.

دراسة بافريز (Baverez) سنة ٢٠٠٣

تلخص أول جملة في الفقرة المخصصة للصناعة في دراسة بافريز الوضع سنة ٢٠٠٣: “فرنسا على وشك أن تصبح صحراء صناعية (بمعنى خالية من المصانع)”، يتراجع خلق الشركات بمعدل ٢٪ سنويًا منذ نهاية الثمانينيات، بينما يرتفع عدد الشركات التي تعلن إفلاسها بمعدل ٥٪ سنويًا. في فرنسا أعلنت ٤٢ ألف شركة إفلاسها سنة ٢٠٠٢ مقابل ٤٠ ألفًا في الولايات المتحدة. سنة ٢٠٠٢ فشلت ١٧٣ شركة كبيرة (قيمة المبيعات السنوية لكل منها أكثر من ١٥ مليون يورو) فشلًا كبيرًا في الوفاء بالتزاماتها، وتم إلغاء ٣٧٤٠٠ وظيفة في هذه الشركات. فرنسا والمملكة المتحدة لهما نفس عدد السكان ولكن عدد الشركات غير الزراعية في المملكة يفوق عددها في فرنسا بحوالي مليون شركة، مما ينعكس طبعًا على معدلات التشغيل والبطالة. سنة ١٩٧٥ كان هناك في فرنسا ٥ ملايين و٦٠٠ ألف وحدة صناعية، وتراجع الرقم ليكون ٣ ملايين و٩٠٠ ألف سمة ٢٠٠٢. ويعود هذا الانخفاض إلى إفلاس الشركات وإلى نقل المصانع إلى دول أوروبا الشرقية وآسيا. وأضاف بافريز أن أهم ٣٠ شركة فرنسية مدرجة في البورصة تحملت ٢٩ مليار يورو خسائر سنة ٢٠٠٢، وأن ٤٨٪ من الشركات التي تقوم بتشغيل ما بين ٥٠٠ و٩٩٩ عاملًا ترى أكثر من ٢٠٪ من رأس مالها مملوكًا للأجانب، مما يعني أن الكثير من مراكز اتخاذ القرار لم تعد موجودة في فرنسا، وسيترتب على هذا الوضع إن آجلًا أم عاجلًا تراجع ضخم في القيمة المضافة وفي الاستثمارات وفي عدد الوظائف.

ويلاحظ أن صحيفة “لو فيجارو” نشرت على موقعها مقالًا يوم ١٥ يونيو ٢٠٢٠ قال إن فرنسا خسرت بين ٢٠٠٢ و٢٠١٨ ٤٠٪ من شركاتها الصناعية وتم تدمير مليون وظيفة. ونسبت هذه الخسارة إلى تقسيم العمل دوليًا وفقًا لنظرية ريكاردو حول المزايا النسبية.

بافريز في دراسته السابقة أضاف أن فرنسا أصبحت مصدرة للرأسمال، وهذا يدل على مجهود شركاتها للتكيف مع العولمة، ولكنه يدل أيضًا على أن فرنسا لم تعد منطقة جاذبة للاستثمار، وأن إنفاقها على البحث العلمي في تراجع.

وقبل أن ننتقل إلى التقرير الذي طلبه هولاند سنة ٢٠١٢، نشير إلى بعض العوامل التي أدت إلى الأزمة، منها طبعًا ارتفاع تكلفة العمل نظرًا لتقليل ساعات العمل في الأسبوع، وتخفيض سن المعاش، وما يترتب عليهما من زيادة في الأعباء الضريبية والتأمينية (لأن تمويل المعاشات يأتي مما يتم اقتطاعه من العاملين ومن رب العمل)، ضرائب على الإنتاج تؤثر على التنافسية، ومن الصعب تخفيضها أو إلغاؤها لأنها المورد الأول للسلطات المحلية في المحافظات، العجز المزمن لميزانية الدولة يحد من قدرتها على تمويل إصلاحات هيكلية طموحة، تقلبات سعر الطاقة، شيوع رأي في أوساط النخبة يرى أن الاقتصاد الحديث اقتصاد خدمات لا اقتصاد صناعي، ميل هذه النخب إلى تبني سياسة صناعية ترمي إلى إنشاء شركات عملاقة بمنطق أنها تستطيع أن تنافس عالميًا، وعيب هذه المقاربة أن أي عثرة يصاب بها الكائن العملاق تضر ضررًا بليغًا بالشركات الصغيرة التي تعتمد عليه وتتفاعل معه، وبالمناطق والمحافظات التي يتمركز فيها هذا العملاق، وتهدد عملية انتقال المعارف العلمية والقدرات التكنولوجية الخاصة بهذا القطاع من جيل إلى آخر، وننبه أخيرًا إلى أن سعر اليورو يناسب احتياجات ألمانيا ودول الشمال، بينما تحتاج فرنسا ودول الجنوب إلى يورو أضعف، وإلى أن “الإصلاحات” الفرنسية التي رمت إلى إدخال اللا مركزية أدت في الواقع إلى تعقيد البيروقراطية والتعامل معها، ونشير أخيرًا إلى انهيار التعليم في فرنسا، تراجع عدد الشباب الملم بالرياضيات نموذج جيد، من سنوات كانت نسبة التلاميذ الممتازين في الرياضيات ١٠٪ وأصبحت النسبة اليوم ١٪.

تقرير لوي جالوا الذي طلبه هولاند سنة ٢٠١٢

أشار التقرير إلى صعوبة العودة إلى الصدارة فيما يتعلق بالتنافسية، وقال إن هذا الهدف يجب أن يكون محل إجماع قومي، ويتطلب مجهودًا شاقًّا يستمر سنوات، ثم تعرض لمظاهر تأخر الصناعة الفرنسية وقد ذكر بعضها فيما سبق. تراجع نصيب القطاع الصناعي (منفصل عن قطاع المقاولات) من القيمة المضافة الإجمالية (من ١٨٪ سنة ٢٠٠٠ إلى ١٢ ونصف في المائة سنة ٢٠١١)، العمالة الصناعية كانت ٢٦٪ من العمالة بأجر سنة ١٩٨٠ وأصبحت ١٢٪ سنة ٢٠١١، الميزان التجاري انتقل من فائض ٣ مليار يورو سنة ٢٠٠٢ إلى عجز مقداره ٧٢ مليار يورو سنة ٢٠١١.

وقال التقرير إن فرنسا تجد صعوبات بالغة في منافسة ألمانيا في الصناعات العالية الجودة وفي منافسة دول العالم الثالث ودول أوروبا الشرقية فيما يتعلق بالصناعات المنخفضة الجودة، وأنها حاولت المحافظة على “القدرة التنافسية السعرية”، فقد خفضت هامش الربح ونسبة التمويل الذاتي مما أدى إلى انخفاض في الإنتاجية، وأن هذا الجهد جاء على حساب القدرة التنافسية غير السعرية.

وركز التقرير على أربعة أنواع من الأسباب لهذا التراجع. أولًا: أسباب تعود إلى التعليم والتدريب والبحث العلمي، فهم لا يتكيفون واحتياجات الصناعة، ثانيًا: ضعف التمويل الموجه للصناعة (قلنا إن الفرنسيين يفضلون الاستثمار في العقارات)، ثالثًا: هشاشة النسيج الصناعي وضعف هيكلته وترابطه وتضامنه. الشركات العملاقة تعتمد على نقل الصناعات إلى الخارج ولا تعمل كثيرًا مع الشركات المتوسطة الحجم، فبالتالي تعجز هذه الشركات عن التحول إلى شركات وسيطة الحجم قادرة على الاختراع والتصدير، وأخيرًا وليس آخرًا الجو المسموم الذي يسود في الحوار بين أرباب العمل والنقابات.

وأضاف التقرير أن فرنسا تتمتع بعدد من المزايا الكبرى لا تحسن توظيفها، الشركات العملاقة لها وزن ومهارات وكفاءات نادرة، معدل إنشاء الشركات المتوسطة القادرة على الإبداع والاختراع أعلى من معدلات الدول الجارة، البحث العلمي وقدرات الأفراد التكنولوجية ما زالوا مرتفعي المستوى، إنتاجية ساعة العمل مرتفعة جدًا (المشكلة أن ساعات العمل قليلة وأن معدلات البطالة مرتفعة)، سعر الطاقة الكهربائية رخيص (بفضل الطاقة النووية)، البنية التحتية والمرافق العامة الفرنسية ممتازة، مستوى الحياة في فرنسا جيد جدًا.

ونشير سريعًا إلى وجود جدل بين الاقتصاديين، هل ضعف التمويل هو سبب تراجع كفاءة البحث العلمي أم العكس هو الصحيح؟ وهو نقاش يظهر ويهدأ ثم ظهر مجددًا هذه السنة (٢٠٢١) بعد تصريحات لرئيس مجلس إدارة شركة سانوفي حاول تبرئة شركته من الفشل في التوصل إلى مصل.

وأيًا كان الأمر أوصى تقرير جالوا بالرهان على الصناعات العالية الجودة، وتقدم بعدة توصيات أخذ الرئيس هولاند بعدد كبير منها، ولكن نتائج تلك السياسة التي اعترض عليها الكثيرون من حزبه ومن مسئولين محليين خشوا أن تخفيض الضرائب يقلل من مواردهم لم تظهر قبل انتخابات ٢٠١٧ بفترة كافية ليتمكن هولاند من إعادة ترشيح نفسه. ولكننا نعلم اليوم أن إجراءات هولاند ساهمت في خلق ٣٠٠ ألف فرصة عمل (على مدى سنوات ولايته وولاية ماكرون)، وأنها بسطت الإجراءات في ملفات حيوية كثيرة.

رئاسة هولاند

سممت أزمات المنظومة الصناعية ولاية الرئيس هولاند. تكرارها وكثرتها أظهرته في صورة الرئيس الضعيف العاجز عن حل مشكلة البطالة، وعن طمأنة الشركات الكبرى، وعن إسكات أعضاء حزبه العقائديين والخضر. إلى جانب معارك إصلاح المنظومة الصناعية وتعديل/تغيير القوانين الحاكمة لها لخلق بيئة جاذبة للاستثمار، وهي معارك مع النقابات ومع أبناء حزبه وأحيانًا مع الرأي العام، وهي إصلاحات لم تظهر ثمارها قبل بداية ٢٠١٧. إلى جانب هذا اندلعت بين حين وآخر أزمات في قطاع صناعي أو آخر، لكل أزمة طبيعتها ولكل قطاع خصوصيته، وأخيرًا وليس آخرًا بذل الرئيس مجهودًا كبيرًا –شأنه شأن أسلافه باستثناء شيراك- في الترويج للمنتجات الفرنسية ولدعم التصدير.

فبعد أشهر من توليه الرئاسة انفجرت أزمة مصانع بيجو، حيث أعلنت الشركة عزمها الاستغناء عن ٨ آلاف عامل، لأنها تخسر ٢٠٠ مليون يورو شهريا، وكان معروفًا أن القرار اتخذ في أواخر أيام ولاية ساركوزي، وتم تأجيل الإعلان عنه لعدم الإضرار بفرص ساركوزي في الفوز بولاية ثانية. استمرت مجهودات إنقاذ الشركة لسنوات حيث قبلت الدولة إغلاق مصانع مدينة كانت تشغل ٨٠٠٠ عامل (عثروا على وظائف أخرى)، وأن تشترك في الرأسمال، ونجحت في جلب مستثمر صيني، ونجح الفريق الذي تولى زمام الشركة في إصلاح حالها، وأصبحت تحقق أرباحًا وانسحبت الدولة سنة ٢٠١٧ وباعت حصتها لبنك استثماري. ولكن النجاح لا يحصل على عناوين الصحف الكبرى على عكس عمليات الاستغناء عن العمال.

ثم جاءت أزمة شركة أرسيلور/ميتال للحديد والصلب وتشكيل المعادن التي قررت قبيل نهاية ٢٠١٢ إغلاق موقع بمنطقة موزيل، وهددت بالانسحاب من السوق الفرنسية، فالشركة تمتلك مواقع أخرى في فرنسا، إن لم توافق الحكومة على الإغلاق، وهدد هولاند بتأميم الشركة، وبعد مفاوضات صعبة نجحت الدولة في تحجيم الخسائر. ولكن الأزمة عادت واندلعت مرة أخرى بعدها بست سنوات أيام رئاسة ماكرون. هذه الأزمة تختلف عن السابقة في كون الشركة والموقع لا يخسران ولكن ديون الشركة الدولية كثيرة وأثرت على تصنيفها، مما منعها من تنفيذ الوعود التي التزمت بها عند شراء الموقع، من ضخ استثمارات وعدم إغلاق الموقع. أو بمعنى أدق الموقع مكون من مصنعين يقوم كل منهما بمهام، وأحدهما يخسر والآخر لا، وأرادت الشركة التخلص من الخاسر ولكن الشركات المستعدة لشراء الخاسر تريد شراء الرابح أيضًا. وبعد مفاوضات اتفقت الدولة والشركة على إغلاق الموقع الخاسر دون الاستغناء عن أي عامل، وعلى قيام الشركة بضخ ١٨٠ مليون يورو استثمارات، وفي الواقع استثمرت الشركة مبالغ أضخم بعد انتعاش سوق الحديد والصلب.

وتأثر قطاع نقل البضائع بتوابع أزمة ٢٠٠٩ والإدارة الأوروبية لها، وأعلنت شركة موري دوكرو مثلًا إفلاسها، واستغنت عن آلاف العاملين. وكان قطاع الطاقة النووية يواجه أيضًا صعوبات جمة، شركة أريفا مثلًا كانت تخسر سنة ٢٠١٤ أكثر من ٥ مليار يورو. وسنعرض في الورقة التالية –عن الوضع الحالي- ما هو موقف صناعة الطاقة النووية الآن. وأدار هولاند ملف آلستوم، وهي شركة تخصصت في السكة الحديد والطاقة وشبكات الكهرباء، وباعت فروعها المتخصصة في الطاقة وشبكات الكهرباء لشركة جنرال إلكتريك.

ورغم مجهودات الرئيس الفرنسي تم إغلاق حوالي ٣٠٠ مصنع أثناء ولايته وتراجع عدد العمال، ولم يبدأ التحسن إلا في الخمسة أو الستة أشهر الأخيرة من ولايته، وهذا لا يمنع من أن صناعة السيارات والصناعات الحربية ازدهرت نسبيًا تحت رئاسته وزادت الصادرات.

وسنعرض في ورقة تالية الوضع أثناء رئاسة ماكرون الذي واصل مشوار الإصلاحات وتأثير جائحة كوفيد على قطاعات الصناعة، مع تركيز كبير على جانب الصناعات العسكرية، وهي مقبلة الآن على عاصفة سببها مشكلات التعاون مع ألمانيا فيما يتعلق بمشروعات المستقبل.

د. توفيق أكليمندوس
رئيس وحدة الدراسات الأوروبية