تنمية ومجتمع

بناء الإنسان: حقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية في مصر

منذ ما يقرب من 70 عامًا، أعلنت إليانور روزفلت، رئيسة لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، حيث قدمت أرملة الرئيس الأسبق للولايات المتحدة الأمريكية (الرئيس فرانكلين روزفلت) هذه الوثيقة للعالم في عام 1948، وقد تم تكميل تلك الوثيقة بالعهد العالمي لحقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في عام 1966. كانت هذه المبادئ دائمًا هي الإطار العام للدولة المصرية التي يتم على أساسها وضع خطط التنمية بالبلاد. يستعرض هذا التقرير لمحة عن جهود الدولة المصرية وإنجازاتها في مجال حقوق الإنسان، خاصة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. ما هي حقوق الإنسان؟ يُعتبر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي تبنته الجمعية العامة للأمم…

أحمد بيومي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

منذ ما يقرب من 70 عامًا، أعلنت إليانور روزفلت، رئيسة لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، حيث قدمت أرملة الرئيس الأسبق للولايات المتحدة الأمريكية (الرئيس فرانكلين روزفلت) هذه الوثيقة للعالم في عام 1948، وقد تم تكميل تلك الوثيقة بالعهد العالمي لحقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في عام 1966. كانت هذه المبادئ دائمًا هي الإطار العام للدولة المصرية التي يتم على أساسها وضع خطط التنمية بالبلاد. يستعرض هذا التقرير لمحة عن جهود الدولة المصرية وإنجازاتها في مجال حقوق الإنسان، خاصة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

ما هي حقوق الإنسان؟

يُعتبر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي تبنته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1948، أحد أهم مصادر الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لكن ما أثبته التاريخ دومًا أن تنفيذ الحقوق الاقتصادية هو الأساس لضمان باقي الحقوق، وبالتالي فإن مستوى معيشيًا مناسبًا للمواطن هو الانعكاس الحقيقي لقدرة الدولة على تنفيذ حقوقه الأخرى. ولذا قامت العديد من دول العالم بوضع خطط استراتيجية للتحول الاقتصادي بها، ركزت على إعادة هيكلة الاقتصاد الكلي والجزئي بهدف تحقيق استقرار ونمو مستدام للاقتصاد الكلي. أدرك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ذلك الأمر في بعض مواده، حيث حددت المادة رقم 22 حق الإنسان في الضمان الاجتماعي بما يتفق مع هيكل كل دولة ومواردها، وحددت المادة رقم 23 الحق في العمل والحماية من البطالة، والحق في الحصول على دخل لائق بالكرامة البشرية، وحددت المادة رقم 25 الحق في مستوى معيشة يضمن الصحة والرفاهية للإنسان على صعيد المأكل والملبس والمسكن، وحددت المادة رقم 26 الحق في التعليم. من جانب آخر، أشار العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (ICESCR) لعام 1966 في عديد من مواد لعدد من الحقوق، مثل الحق في العمل والحصول على ظروف عمل عادلة ومرضية في المادتين رقم 6 و7، والحق في الضمان الاجتماعي في المادة رقم 9.

الحق في الضمان الاجتماعي

تُعتبر برامج الرعاية الاجتماعية التي تقدمها وزارة التضامن الاجتماعي والتي تشمل المساعدات، والمعاشات الاجتماعية (3.71 مليون مستفيد من أرباب المعاش الحكومي حصلوا على 85 مليار جنيه، بالإضافة إلى 5.8 مليارات جنيه معاشات ومساعدات، 12.3 مليار جنيه معاشات تكافل وكرامة)، وإعانات وزارة الأوقاف. ويعد برنامج تكافل وكرامة أحد التطبيقات لمادة الحق في الضمان الاجتماعي التي أقرها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مادته رقم 22، وأقرها العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية في المادة رقم 9. فعلى سبيل المثال، برنامج التحويلات النقدية المشروطة الذي أطلقته وزارة التضامن الاجتماعي تحت مظلة تطوير شبكة الأمان الاجتماعي باسم “تكافل وكرامة” هو برنامج يقدم مساعدات للأسر الفقيرة والأكثر احتياجًا، عن طريق استهداف الأُسر التي تتسم بمؤشرات اقتصادية واجتماعية منخفضة تحول دون إشباع احتياجاتها الأساسية، بالإضافة إلى التعليم والصحة، هذا فضلًا عن مدّ مظلة الحماية لتستهدف الفئات التي ليست لديها القدرة على العمل والإنتاج مثل كبار السن (62 سنه فأكثر)، أو من لديهم عجز كلي أو إعاقة. وبلغ عدد المستفيدين من برنامج “تكافل وكرامة” 1.2 مليون مواطن في عام 2016 بإجمالي تحويلات نقدية لذلك العام 4.1 مليارات جنيه، وقد نما عدد المستفيدين من ذلك البرنامج إلى 2.47 مليون مواطن بإجمالي تحويلات نقدية بقيمة 12.3 مليار جنيه في عام 2019 (وبذلك تكون نفقات البرنامج قد نمت بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 66%). ساهم ذلك البرنامج في تحقيق العديد من الأهداف الأخرى، منها زيادة نسبة التحاق الأطفال بالتعليم، حيث اشترط البرنامج حضور أبناء الأسر المستفيدة لحصصهم المدرسية بنسب لا تقل عن 80%، بالإضافة إلى تحقيق أهداف صحية والتي تتمثل في تحسين الصحة العامة من خلال دعوة الأمهات بتلك الأُسر لحضور جلسات توعية صحية، ومتابعة الحمل، وإعطاء الأطفال كافة التطعيمات الدورية على مدار الـ 6 سنوات العمرية الأولى. وبذلك يكون البرنامج قد ساهم في تحقيق أهداف المواد 22 و25 و26 والتي تخص الضمان الاجتماعي، والحق في الصحة والعيش حياة كريمة، والحق في التعليم. 

المصدر: النشرة الاجتماعية 2019 – الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء

الحق في العمل

يعتبر الحق في العمل أحد الحقوق الأصيلة للإنسان، والذي أشار إليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مادته رقم 23 والعهد الدولي لحقوق الإنسان في المادة رقم 6. وبالنظر إلى ذلك الحق وكيف تعاملت الدولة المصرية معه، فقد عكفت الدولة على القيام بعدد كبير من المشروعات القومية التي ساهمت في تشغيل القطاع الخاص بشكل كبير، ومن ثم ساهمت في زيادة عدد العاملين بتلك الشركات، حيث مثل الإنفاق الحكومي العام على المشروعات الاستثمارية متوسط 14% من الإنفاق بالموازنة العامة خلال السنوات الخمس السابقة، وارتفع بشكل خاص في عام الكورونا ليصل إلى معدل يتراوح بين 17-18% خلال عام 2020-2021 وذلك لتغطية الانخفاض في الإنفاق الاستثماري من جانب القطاع الخاص، كل تلك الجهود ساهمت في خفض معدلات البطالة في مصر بشكل كبير من مستوى 13.1% في عام 2014 هبوطًا إلى 7.30% للربع الأول من عام 2021.

الحق في حياة كريمة

إيمانًا بذلك الحق الذي ذكره الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ضمنيًا عندما حدد حق الإنسان في مستوى معيشة يضمن الصحة والرفاهية في المادة رقم 25، تم إنشاء مؤسسة حياة كريمة في يناير 2019، بهدف تنمية وتطوير عدد 375 قرية تصنف على أنها فقيرة وأكثر فقرًا في عدد 14 محافظة، يتم تنفيذ تلك المبادرة على مرحلتين الأولى تشمل 143 قرية والتي تم الانتهاء من تنفيذها بحوالي 96% في الجزء الخاص بتحسين الوضع الاجتماعي والتي من المخطط انتهاؤها خلال العام الجاري، وتكلفت تلك المرحلة مبلغ 13.5 مليار جنيه، واستفاد منها عدد 4.5 ملايين مواطن. أما المرحلة الثانية والتي تم إطلاقها في 28 ديسمبر 2020 لتستهدف 20 محافظة، وتضم عدد 51 مركزًا بإجمالي قرى 1376 قرية مع احتمال زيادتها لتشمل 1500 قرية، وجارٍ العمل بها في الوقت الحالي. ومن المخطط أن يستفيد من تلك المرحلة عدد 18 مليون مواطن ويبلغ حجم الاستثمارات المقدرة خلال تلك المرحلة بنحو 150 مليار جنيه. ويُعد الهدف الاستراتيجي لتلك المؤسسة (مؤسسة حياة كريمة) هو تنمية 4658 قرية بإجمالي 175 مركزًا على مستوى محافظات مصر، وهو ما يمثل 57.8% من إجمالي سكان مصر تقريبًا، ومن المرجح أن تصل تكاليف برامج التنمية إلى مبلغ 515 مليار جنيه وهي تكلفة قابلة للزيادة.

خلاصة القول، إن الدولة المصرية تضع الإنسان المصري محور اهتمامها في كل السياسات العامة التي يتم تطبيقها بالبلاد، وتم إلقاء الضوء على بعض من تلك البرامج للإشارة إلى حجم المجهود والعمل الذي تقوم به الدولة في هذا الصدد، والأثر الاقتصادي الذي ترتب على مثل تلك المشروعات والبرامج على حياة الإنسان. وكما تمت الإشارة فإن كل تلك المجهودات والمشروعات الجاري تنفيذها ترتبط بشكل مباشر بتحقيق مبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وتساهم في تعزيز مكانة مصر في ذلك المجال، وتحفظ كرامة المصريين بضمان حياة كريمة لهم.

أحمد بيومي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة