الحد الأدنى للأجور.. بين الواقع والمأمول

يعد قرار الحكومة رفع الحد الأدنى لأجور العاملين بأجهزتها، من 2000 جنيه شهريا الى 2400 جنيه مع بداية العام المالي القادم 2021/2022 بمثابة خطوة مهمة في سبيل إصلاح الاختلالات المتعددة في هيكل الأجور. خاصة أن الهدف الأساسي من وضع حد أدنى للأجور، كما أشرنا في مقالنا السابق، هو تعزيز العمل اللائق ورفع الإنتاجية وتقليل الفقر بين العمال. وهنا تطرح عدة تساؤلات مهمة هي هل يتم وضع حد أدنى للأجور على المستوى القومي ككل بغض النظر عن القطاع الاقتصادي أم أن كل قطاع يمكن أن يوضع له حد أدنى مختلف؟ وثانيا هل من الضروري التفرقة بين الأقاليم المختلفة؟ وعند الإجابة عن…

عبد الفتاح الجبالي

يعد قرار الحكومة رفع الحد الأدنى لأجور العاملين بأجهزتها، من 2000 جنيه شهريا الى 2400 جنيه مع بداية العام المالي القادم 2021/2022 بمثابة خطوة مهمة في سبيل إصلاح الاختلالات المتعددة في هيكل الأجور. خاصة أن الهدف الأساسي من وضع حد أدنى للأجور، كما أشرنا في مقالنا السابق، هو تعزيز العمل اللائق ورفع الإنتاجية وتقليل الفقر بين العمال. وهنا تطرح عدة تساؤلات مهمة هي هل يتم وضع حد أدنى للأجور على المستوى القومي ككل بغض النظر عن القطاع الاقتصادي أم أن كل قطاع يمكن أن يوضع له حد أدنى مختلف؟ وثانيا هل من الضروري التفرقة بين الأقاليم المختلفة؟ وعند الإجابة عن هذه التساؤلات وغيرها نرى أن هناك العديد من العوامل التي تجعل كل قطاع يختلف عن غيره من القطاعات الأخرى، من حيث مستوى المهارات المطلوبة وطبيعة العمل ذاته، فالعمل في القطاع الحكومي يختلف كثيرا عن العمل فى الصناعات التحويلية أو الإنتاجية وغيرهما من القطاعات الاقتصادية الأخرى. وبالتالي يصبح من الأسلم وضع حد أدنى للأجور لكل قطاع على حدة، بحيث يختلف فيما بين القطاع الحكومي والقطاعات الأخرى. كما انه من الاوفق والأسلم ألا يتم وضع حد أدنى للأجور على مستوى المجتمع ككل ولكن يتم تحديد حدود دنيا تختلف فيما بين المناطق الريفية أو الوجه القبلي للحد من الفقر وكذلك للمهن المطلوبة. ويشير التقرير العالمي للأجور الى أن 90% من الدول الأعضاء تطبق الحد الأدنى، نصفها لديه حد أدنى موحد للجميع، والنصف الآخر يحدده وفقا للقطاع والمهن أو المنطقة الجغرافية. وعادة ما تعيد النظر فيه بانتظام. أما في مصر فيوجد حد أدنى مطبق في الحكومة ويسرى على جميع العاملين بها، سواء الخاضعون لقانون الخدمة المدنية أو الذين تنظم شئونهم قوانين خاصة مثل المعلمين وأعضاء المهن الطبية والهيئات الاقتصادية وغيرهم، وآخر لدى القطاع الخاص والذي لايزال عند 700 جنيه وهو ما يتطلب زيادة هذا الحد إما ليتساوى مع الحكومة، وإما على الاقل يكون قريبا منه. ومن المفارقات أن الحد الأدنى للأجر الحكومي، يحسب على الإجمالي، بينما الحد الاقصى للدخول يحسب على الأجر الصافي، وهو ما يجعله أقل عدالة مما يجب. وذلك مع تسليمنا الكامل بضرورة أن يكون الحد الأدنى على الأجور وليس الدخول، بينما يجب أن يكون الحد الاقصى على الدخول وليس الأجور، الأمر الذي يحقق العدالة الاجتماعية. وفى هذا السياق جاء القرار الوزاري رقم 2421 لسنة 2019 بتحديد الحد الأدنى عند 2000 جنيه وكذلك وضع حد ادنى لكل درجة وظيفية في أول يوليو 2019ومن الملاحظ أنه جاء مخالفا للمنهج السابق إتباعه عند تحديد الحد الأدنى عند 1200 جنيه، حيث كانت نسبة زيادة الحد الأدنى وفقا للقرارات السابقة تزيد لدى الدرجات الأدنى في السلم الوظيفي عنها لدى الدرجات الأعلى وذلك في محاولة لتضييق الفجوة بين الدرجات الوظيفية. أما القرار المشار إليه فقد جاء بالعكس من ذلك تماما، حيث كانت نسبة الزيادة للدرجات الأعلى في السلم الوظيفي أكثر بكثير من الدرجات الأدنى. وبالتالي ظلم كثيرا الوظائف الأدنى في السلم الوظيفي ولم يستفد منه معظم العاملين على هذه الدرجات، لأن رواتبهم الإجمالية قد تجاوزت هذا الرقم. فضلا عن أنه لم يراع سنوات الخبرة للدرجة الواحدة، الأمر الذي أدى إلى حصول موظف أحدث من آخر، في نفس الدرجة الوظيفية، على راتب أعلى من زميله الأقدم. لكل ما سبق ولتلافي الأخطاء السابقة يصبح من الضروري مراجعة طريقة حساب الحد الادنى إذ يحسب على إجمالي ما يحصل عليه الموظف من أجر وظيفي أو أساس فى أول يوليو، بعد ضم العلاوات الدورية والتشجيعية والترقية وأي علاوات أخرى إن وجدت، بالإضافة الى الأجر المكمل أو المتغير ويشمل كل المكافآت والبدلات والمزايا النقدية التي لها صفة العمومية أو تصرف بصفة جماعية أو دورية سواء كانت دورية أو شهرية أو سنوية سواء لمرة واحدة، أو لعدة مرات. وأيا كان مصدر تمويلها أو الباب الموازنى الذي تم الخصم عليه، بالإضافة الى الحصص والمزايا التأمينية التى يتحملها صاحب العمل. وهو ما أوجد صعوبات كبيرة في التطبيق وعدم استفادة شرائح لا بأس بها من القرار. نتيجة لاختلاف طبيعة العمل بين الوظائف المختلفة. فضلا عن وضع المزايا التأمينية ضمن هذا الحد رغم أن الموظف لا يحصل عليها بل هي نوع من الادخار الإجباري، خاصة أن هذه النسبة تختلف من جهة لأخرى حيث فوض القانون وزير التأمينات في تحديد النسبة التي يحسب على أساسها قيمة الاشتراكات التأمينية، وكان لا يجب وضعه ضمن وعاء الحد الأدنى. هذا فضلا عن ضرورة إلغاء كل القوانين التي تقوم بالخصم من أجور ورواتب العاملين بالدولة نظرا لعدم عدالتها، خاصة القانون رقم 170 لسنة 2020 بشأن المساهمة التكافلية، أو على الاقل ألا يتم تمديد العمل به بعد انتهاء مدته. وإذا تعذر ذلك فيجب أن يتم رفع حد الإعفاء منه الى 2400 جنيه وفقا للحد الادنى الجديد. يضاف الى ما سبق اختلاف المعاملة الضريبية للأجور بين المخاطبين بالخدمة المدنية وغير المخاطبين إذ انه وبمقتضى القانون فقد تم ضم كل من العلاوات الاجتماعية والعلاوات الخاصة والبدلات المعفاة بقوانين خاصة.. الخ الى الأجر الوظيفي. وبالتالي إلغاء الإعفاء الذي كانت تتمتع به وأصبحت ضمن الوعاء الضريبي، ولذلك أصبح هؤلاء يدفعون ضرائب أكثر من زملائهم غير الخاضعين

 يضاف الى ذلك الإعفاءات الصادرة بقوانين خاصة، والتي يخضع لها البعض وليس الكل، مثل بدل التمثيل لبعض الوظائف القضائية ورؤساء الجامعات ونوابهم بما فيها جامعة الأزهر. كما يخضع لهذا الإعفاء شاغلو الوظائف العليا من العاملين المدنيين بالدولة وفقا لقانون 47 لسنة 1978 وذلك بحد أقصى 100% من الأجر الأساسي. وهو ما يشير إلى الاختلال الكبير في المعاملة الضريبية بين متحصلي نفس الأجر وبالتالي يجب أن يحدد الحد الأدنى قبل الضرائب حتى تتحقق الأهداف المنوطة منه.

نقلا عن جريدة الأهرام، ٣١ مارس ٢٠٢١.

عبد الفتاح الجبالي

مقالات أخرى للكاتب