وحدة الدراسات الاقتصادية

الاقتصاد الثاني: آليات تعظيم الاستفادة من البيانات

تساهم البيانات في خلق منظومة اقتصادية جديدة كون قيمتها ترتفع يومًا عن يوم. وتم في السنوات الأخيرة اكتشاف أن البيانات يمكن أن تولّد مصادر جديدة للدخل من خلال تحليل تصرفات الفرد من واقع زياراته للمواقع الإلكترونية، وما يثير إعجابه وتوجهات الشراء عبر الإنترنت، بما يشكل منظومة رقمية واسعة، وبناء عليه يمكن بيع كل هذه البيانات للشركات الأخرى لتوظيفها في الترويج لمنتجاتها الخاصة. كما يصبح بالإمكان استخراج مؤشرات بيانات اقتصادية أكثر وضوحًا وتفصيلًا في الوقت الراهن حتى إن البعض يشير إليه باعتباره “اقتصادا ثانيًا”. البيانات هي وقود الاقتصاد الجديد، تشير الأكونوميست The Economist في عام 2017 إلى أن المورد الأكثر قيمة في…

سالي عاشور
باحثة متخصصة في قضايا التنمية الإقتصادية

تساهم البيانات في خلق منظومة اقتصادية جديدة كون قيمتها ترتفع يومًا عن يوم. وتم في السنوات الأخيرة اكتشاف أن البيانات يمكن أن تولّد مصادر جديدة للدخل من خلال تحليل تصرفات الفرد من واقع زياراته للمواقع الإلكترونية، وما يثير إعجابه وتوجهات الشراء عبر الإنترنت، بما يشكل منظومة رقمية واسعة، وبناء عليه يمكن بيع كل هذه البيانات للشركات الأخرى لتوظيفها في الترويج لمنتجاتها الخاصة. كما يصبح بالإمكان استخراج مؤشرات بيانات اقتصادية أكثر وضوحًا وتفصيلًا في الوقت الراهن حتى إن البعض يشير إليه باعتباره “اقتصادا ثانيًا“.

البيانات هي وقود الاقتصاد الجديد، تشير الأكونوميست The Economist في عام 2017 إلى أن المورد الأكثر قيمة في العالم لم يعد النفط ولكن البيانات “سواء كنت ذاهبًا للركض أو مشاهدة التلفزيون أو حتى مجرد الجلوس في حركة المرور، فإن كل نشاط تقريبًا يخلق أثرًا رقميًا”.

ينتج العصر الرقمي كمية هائلة من البيانات كل ثانية. على سبيل المثال محرك البحث جوجل يعالج في المتوسط ​​أكثر من 71 ألف بحث واستعلام كل ثانية، وهو ما يترجم إلى أكثر من 6.2 مليارات عملية بحث يوميًا و2.3 تريليون عملية بحث سنويًا في جميع أنحاء العالم.

تساهم البيانات في الآونة الأخيرة في تطوير الأعمال، حيث تجدر الإشارة إلى تمكن شركة “تيسلا موتورز” من جمع كم هائل من البيانات، الأمر الذي سمح لها بتحسين خوارزميات السيارات ذاتية القيادة، ومن ثم تحديث برمجياتها.

حجم اقتصاد البيانات

من الصعب تقدير حجم اقتصاد البيانات، ولكن من الواضح أنه ينمو بسرعة كبيرة في الفترة الأخيرة، حيث تشير التقديرات لأن حجم البيانات المنتجة والمستخدمة خلال الثلاث سنوات المقبلة سيتخطى ما أنتجناه في الثلاثين عامًا الماضية.

ويقدر تقرير للأمم المتحدة لعام 2019 حجم اقتصاد البيانات باعتباره لا يزال صغيرًا نسبيًا كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، وذلك بناء على إجمالي إيرادات كل مؤسسات شراء وبيع البيانات، حيث يقدر في الاتحاد الأوروبي بـ0.49% فقط من الناتج المحلي الإجمالي، فيما بلغ في الولايات المتحدة 1%. كما تجدر الإشارة إلى عدم وجود منهجية موحدة لقياس حجم اقتصاد البيانات في مختلف الدول.

وتهيمن عدد من الشركات الكبرى على اقتصاد البيانات العالمي، في مقدمتها أمازون وأبل وجوجل وفيسبوك ومايكروسوفت، وبالتالي تعد تلك الشركات هي الأكثر استفادة بسبب امتلاكها الموارد اللازمة لجمع البيانات، وبهذا تزيد من قدراتها في الجمع والربح منها. 

أكبر الدول منتجي البيانات

تشير توقعات شركة ماكينزي McKinsey إلى أن تولِّد تطبيقات الذكاء الاصطناعي المدعومة بالبيانات حوالي 13 تريليون دولار في النشاط الاقتصادي العالمي الجديد بحلول عام 2030 مثل الدور الذي لعبه إنتاج النفط في خلق قوى اقتصادية فاعلة في القرن الماضي.

ومن هذا المنطلق يمكن أن تبرز الصين والولايات المتحدة كقوتين عظميين في مجال الذكاء الاصطناعي، ولكن لا يمكن أن تقتصر مصادر البيانات على التركز في أماكن قليلة كما هو الحال لدينا مع الاقتصاد الذي يحركه النفط، بل يمكن استخلاصها من مصادر وأماكن متنوعة بما يساهم في بروز لاعبين دوليين جدد وغير متوقعين. ومن المحتمل أن يكون النظام العالمي الجديد الذي يتشكل أكثر تعقيدًا من بنية بسيطة ثنائية القطب.

وفيما يخص الدول الأكثر استفادة من اقتصاد البيانات، تستحوذ الولايات المتحدة والصين على أكثر من 90% من رأس المال السوقي لأكبر 70 منصة رقمية عالمية، فيما لا تضم إفريقيا وأمريكا الجنوبية معًا سوى 1% فقط. وفي السياق ذاته وضعت “هارفارد” أربعة معايير لترتيب الدول في اقتصاد البيانات هي: 

  • الحجم: يعكس حجم البيانات المولدة والمستهلكة بالدولة، وكلما ارتفع عكس مؤشرًا على اندماجه في اقتصاد البيانات بصورة أكبر. ولهذا يتضح تفوق الدول المتحدثة باللغة الإنجليزية بصورة كبيرة.
  • الاستخدام: تعكس عدد المستخدمين النشطين على الإنترنت، وهنا تبرز الصين والهند في مكانة متقدمة.
  • سهولة الوصول للبيانات: تقيس عدة عناصر ومنها جودة وسائل الاتصال وتقدمها وحرية الإنترنت وقوانين المعلومات ونسبة المواقع المحظورة، وتتفوق الدول الإسكندنافية في هذا المجال.
  • متوسط الاستهلاك والإنتاج: وفي ذلك يتفوق المواطن الأمريكي بإنتاجه أكثر من ضعف المعدل العالمي لإنتاج البيانات.

 وبناء على هذا المؤشر تصدرت الولايات المتحدة اقتصاد البيانات عالميًا، وتلتها المملكة المتحدة مستفيدة من عنصر اللغة الإنجليزية العالمية، بينما تأتي الصين ثالثًا وليس ثانيًا كما هو متصور.

شكل رقم (1) أكبر الدول المصدرة للبيانات

 Source: Which Countries Are Leading the Data Economy? https://hbr.org/2019/01/which-countries-are-leading-the-data-economy 

آلية تسعير البيانات

على الرغم من وفرة تدفق البيانات إلا أنها ليست سلعة للبيع، حيث إن تدفقات البيانات متفاوتة من آن إلى آخر ومن شركة إلى أخرى، بما يساهم في عدم تماثل السلع بما يمثل بعض المعوقات بالنسبة للمشترين الذين يرومون العثور على مجموعة محددة من البيانات. وبالتالي، سيصبح من الصعب عليهم وضع سعر محدد لكل تدفق للبيانات، فضلًا عن إجراء مقارنة لها مع غيرها.

مؤخرًا، شرع الباحثون في تطوير منهجيات للتسعير. والتي يطلق عليها ” Infonomics” والمقصود بها آلية تسعير البيانات، لتحديد قيمة البيانات وسعرها. 

في السياق ذاته، تجدر الإشارة إلى قيام شركة IBM بشراء شركة الطقس “ويزر كومبني” بحوالي 2 مليار دولار لتتمكن من وضع يدها على كم هائل من بيانات الطقس، فضلًا عن البنية التحتية الملائمة لجمعها خلال سنة 2015.

مستقبل التعامل مع اقتصاد البيانات

يجب توجيه اهتمام خاص باقتصاد البيانات، بداية من سن قوانين وأسس لضبط التعامل مع البيانات، وأن يكون القائمون على ضبط أسس التعامل مع البيانات على الدرجة ذاتها من الابتكار تمامًا، مثل الشركات التي يقومون بمراقبتها. بحيث يكون لديهم القدرة على كشف تلاعب الشركات بالأسواق أو التآمر عليها، يجب على هؤلاء الأشخاص أن يقوموا بمحاكاة هذا الأمر على أجهزة الكمبيوتر الخاصة بهم.

كما أشار البعض إلى استخدام الحكومات تحليلَ البيانات لتحسين السياسات العامة، ففي سويسرا على سبيل المثال، يقوم مشروع يعرف “بميداتا” بتجميع البيانات الصحية من المرضى، الذين بإمكانهم اتخاذ القرار لاحقًا حول ما إذا كانوا يريدون أن تُدرج بياناتهم في مشاريع بحثية. كما يمكن استخدام البيانات كوسيلة لدعم الشركات الصغيرة من خلال تخلي الحكومة عن جزء من البيانات المجمعة لتخلق بذلك فرصًا للشركات الصغرى للانخراط أكثر، كما يمكنها دعم ما يُدعى “بتعاونيات البيانات”.

مصر في ظل اقتصاد البيانات

تُعد حماية البيانات الشخصية تحديًا رئيسيًا يواجه الدولة في ظل تنامي اقتصاد البيانات، لذا يجب العمل على إصدار قانون لحماية خصوصية وأمن البيانات الشخصية، وتحديد ضوابط استخدام البيانات من قبل الشركات المحلية والدولية.

كما أصبحت دراسة علم البيانات في الجامعة أمرًا مهمًا في مصر، ومع وجود المزيد من البيانات في كل جانب من جوانب حياتنا بشكل أكبر من السابق، وفرصة استخراج معلومات مفيدة من تلك البيانات أصبحت أكبر من أي وقت مضى. 

وتجدر الإشارة إلى وضع الحكومة المصرية على رأس أولوياتها ترسيخ مكانة مصر كمركز لنقل البيانات، وزيادة عدد مراكز البيانات والاستثمارات. وتتركز مراكز البيانات في مصر في 13 مركزًا، ويمتلك هذه المراكز ويقوم بتشغيلها الشركة المصرية للاتصالات، وإي جي آي دي، وإي سي سي سولوشنز، ولينك، وإيجيبت نتوورك، وراية، ولايف، وجي بي إكس، وسيتي نت، واتصالات.

سالي عاشور
باحثة متخصصة في قضايا التنمية الإقتصادية