تنمية ومجتمع

الطائرات الخفيفة.. فرصة مصرية في عالم الصناعات الجوية

تسعى الدولة المصرية في هذه الأيام إلى إثراء حركة الاقتصاد الوطني من خلال إدخال عدد من الصناعات التكنولوجية المتقدمة، كصناعة المنتجات الإلكترونية والحواسيب اللوحية وأجهزة الاتصالات والسيارات الكهربائية، ويعود ذلك السعي إلى وجود رغبة جادة لدى الدولة للوصول لمكانة عالمية متقدمة في مجالات تلك الأنواع العالية التقنية من الصناعات خلال العقود القادمة. في هذا السياق، فإن مجال تصنيع المركبات الجوية يمكن أن يكون مجالًا إضافيًا تستطيع مصر فيه التقدم، خاصة بسبب وجود الإمكانيات والفرص لتفعيل تلك الصناعة في مجال المركبات أو الطائرات الجوية الخفيفة، التي تتسم بقلة تعقيداتها الهندسية وسهولة تصميمها وتصنيعها، وذلك مقارنة مع صناعة الطائرات النفاثة الكبيرة التي…

مصطفى عبداللاه
باحث ببرنامج السياسات العامة

تسعى الدولة المصرية في هذه الأيام إلى إثراء حركة الاقتصاد الوطني من خلال إدخال عدد من الصناعات التكنولوجية المتقدمة، كصناعة المنتجات الإلكترونية والحواسيب اللوحية وأجهزة الاتصالات والسيارات الكهربائية، ويعود ذلك السعي إلى وجود رغبة جادة لدى الدولة للوصول لمكانة عالمية متقدمة في مجالات تلك الأنواع العالية التقنية من الصناعات خلال العقود القادمة. في هذا السياق، فإن مجال تصنيع المركبات الجوية يمكن أن يكون مجالًا إضافيًا تستطيع مصر فيه التقدم، خاصة بسبب وجود الإمكانيات والفرص لتفعيل تلك الصناعة في مجال المركبات أو الطائرات الجوية الخفيفة، التي تتسم بقلة تعقيداتها الهندسية وسهولة تصميمها وتصنيعها، وذلك مقارنة مع صناعة الطائرات النفاثة الكبيرة التي تحتكرها بضع دول غربية متقدمة.

صناعة الطائرات الخفيفة في العالم وإفريقيا

توجد وفق الإحصاءات الرسمية لمنظمة الطيران المدني ICAO, 199 شركة على مستوى العالم تقوم بتصنيع الطائرات الخفيفة على اختلاف أنواعها، سواء كانت من الطائرات ذات المحركات المكبسية piston engine أو المحركات التوربينية  turboprop engine أو حتى المحركات الكهربائية electric engine، بالإضافة إلى الطائرات الرياضية الشراعية gliders والطائرات المسيرة بدون طيار drones. وتتركز أغلب تلك الشركات في قارة أوروبا بواقع 96 شركة، فيما تحتل أمريكا الشمالية المرتبة الثانية بواقع 67 شركة، أما باقي قارات العالم مثل آسيا وأمريكا اللاتينية وإفريقيا وأقيانوسيا فتحتوي على عدد أقل من الشركات، حيث لا تمتلك مجتمعة سوى 36 شركة. 

وتستحوذ دول بعينها على أعلى نسبة من تواجد الشركات المصنعة للطائرات الخفيفة على أرضها، مثل الولايات المتحدة الأمريكية التي تمتلك أكثر من 30% من جملة الشركات، تليها ألمانيا بنسبة 11.55% ثم دولة التشيك بنسبة 8% (انظر الشكل التالي رقم 1).

المصدر: إحصاءات منظمة الطيران المدني ICAO.

وتنتج الشركات العالمية العاملة بمجال تصنيع الطائرات الخفيفة حوالي 367 نوعًا مختلفًا من الطائرات المخصصة لاستخدام الركاب، ويلاحظ أن 90% من تلك الطائرات لا يزيد عدد المقاعد المتوفرة بها عن 4, وذلك لاحتياجها في عمليات لوجيستية نوعية كالتنقل السريع بين أقاليم الدولة الواحدة، أو عبر المسافات القصيرة، بالإضافة إلى عمليات مراقبة حركة المرور ونقل البريد والبضائع الخفيفة، فضلًا عن استخدامها في الجولات السياحية حول المواقع التراثية والطبيعية. كما تنتج تلك الشركات 97 نوعًا آخر من الطائرات المسيرة غير المأهولة drones والتي تستخدم بالأساس في عمليات البحث والإنقاذ والمسح الجوي.

وعلى الرغم من البساطة التكنولوجية وسهولة التصنيع، إلا أن قارة إفريقيا لا تستحوذ من هذا المجال سوى على حصة صغيرة جدًا، وذلك لمحدودية الشركات العاملة في هذا المجال, حيث لا يوجد بالقارة بأكملها سوى 3 ثلاث شركات تتمركز في دولة جنوب إفريقيا, وتنتج تلك الشركات الثلاث ما مجموعه 7 أنواع من طائرات الركاب الخفيفة، وهو ما يقل عن 2% من إجمالي أنواع الطائرات الخفيفة التي يتم إنتاجها عالميًا. 

إمكانات مصر في مجال صناعة الطائرات

مصر هي الدولة الأولى في العالمين العربي والإفريقي التي عملت في ملف تصنيع وصيانة الطائرات الخفيفة، ولقد كانت البداية في عام 1950 حينما تم تشييد مصنع هليوبوليس للطائرات والذي أنتج أول طائرة مصرية خفيفة مخصصة للتدريب تحت اسم جمهورية. وقد شهد ملف تصنيع الطائرات دفعة كبيرة في ستينيات القرن الماضي، حينما قامت الدولة بإنشاء مصنعي الطائرات والمحركات بحلوان, وذلك للعمل على مشروعي طائرة التدريب المتقدم القاهرة 200 والطائرة الاعتراضية حلوان 300, ولقد استقدمت مصر لهذين المشروعين عددًا من العلماء المرموقين في عالم الصناعات الجوية، مثل مهندس الطائرات الألماني ويلي ميسرشميدت Willy Messerschmitt، ومهندس المحركات النمساوي فرديناند براندينر Ferdinand Brandner، لكن ملف تصنيع الطائرات شهد تعثرًا كبيرًا مع اندلاع التوترات العسكرية في المنطقة العربية عام 1967.

خلال السبعينيات والثمانينيات عاد نشاط الشركات المصرية المُصنعة للطائرات من خلال إنتاج قطع الغيار للطائرات الحديثة، وأيضًا أجزاء الطائرات المتقادمة بأسلوب الهندسة العكسية reverse engineering. ولقد كان لاهتمام الدولة المصرية بتطوير القدرات التكنولوجية للكيانات العاملة بتصنيع الطائرات أثر كبير في تأهيلها خلال الثمانينيات والتسعينيات لتجميع ثلاثة أنواع من طائرات التدريب، وهي الطائرة البرازيلية EMB 312 Tucano، والفرنسية Alpha Jet، والصينية K8-E. كما استطاعت الشركات المصرية أن تثبت قدرتها على تصنيع الطائرات الخفيفة وبالمكونات المحلية، حينما أنتج مصنع الطائرات بحلوان في بداية تسعينيات القرن الماضي الطائرة الخفيفة “حلوان – 3”, وهي طائرة ذات مقعدين ومخصصة لأعمال التصوير والمراقبة الجوية، بالإضافة للتنقل والمواصلات في المسافات القصيرة.

وبالإضافة لما تمتلكه مصر من بنية تحتية جيدة لتصنيع وصيانة الطائرات الخفيفة، تمتلك البلاد أيضًا خبرة علمية عريقة في مجال العلوم الجوية، وذلك من خلال قسم الطيران والفضاء بجامعة القاهرة والذي يختص بدراسة وتطوير العلوم المرتبطة بصناعة الطائرات، مثل: الديناميكا الهوائية، وتصميم هياكل الطائرات، وتصميم وحدات التحكم الإلكتروني Avioncs، بالإضافة إلى تصميم واختبار المحركات ووحدات الدفع. كما يقوم عدد آخر من الكيانات العلمية الوطنية بتدريس العلوم المتعلقة بالصناعات الجوية، ومن تلك الكيانات معهد هندسة وتكنولوجيا الطيران بإمبابة، وقسم الهندسة الميكانيكية بجامعة الزقازيق.

احتياج السوق المحلي والإقليمي من الطائرات الخفيفة 

أولًا- السوق المحلي:

تقوم الدولة المصرية في وقتنا الحالي بتشييد عدد من المشروعات التنموية العملاقة في كافة أنحاء الجمهورية, ومن أبرز تلك المشروعات إنشاء 30 تجمعًا حضاريًا جديدًا بمساحة تفوق 677,000 فدان, بالإضافة إلى تطوير الشبكة القومية للطرق والتي سيصل إجمالي أطوالها خلال الأعوام القليلة القادمة إلى 171,000 كم, كما تقوم الدولة بدفع القطاعين العام والخاص لتنفيذ العديد من مشروعات الاستصلاح الزراعي بالمناطق الصحراوية النائية, وهو ما كان له أثر في زيادة المساحات الصحراوية المنزرعة، بما في ذلك في مناطق بعيدة عن العمران التقليدي في أعماق الصحراء.

وجود هذه المشروعات القومية العملاقة يفرض عددًا من التحديات التي ترتبط بالأساس بالمساحة الشاسعة التي توصف بها، وأيضًا بتباعدها الجغرافي النسبي عن مناطق وادي النيل والدلتا التي اعتاد الإنسان المصري أن يسكنها منذ فجر التاريخ، أول تلك التحديات هو طول الطرق الواصلة بين أطراف الحيز العمراني للدولة والذي تتضخم مساحته حاليًا، حيث ينتظر أن يصل هذا الحيز العمراني بحلول 2024م إلى 14% من جملة مساحة مصر، وذلك بعدما كانت مساحته سابقًا لا تزيد على 7%. أما ثاني التحديات فيتمثل في صعوبة سيطرة أجهزة المرور على كافة الطرق الداخلية والسريعة، وذلك لزيادة أطوال شبكة الطرق بأكثر من 16,000 كم جديدة، فضلًا عن توسعة وتطوير الشبكة القديمة، أما ثالث التحديات فيتمثل في التوسع في مساحات الأراضي الصحراوية المستصلحة والتي تحتاج لخدمات نوعية محددة، مثل الرش الزراعي، وأيضًا خدمات الإطفاء في حال نشوب الحرائق الضخمة.

وتساعد خدمات الطائرات الخفيفة على حل تلك التحديات, حيث تسهل على المواطنين خاصة سكان المحافظات الحدودية منهم الوصول لمناطق الوادي والدلتا بدون الاضطرار لركوب الحافلات أو السيارات لمسافات قد تفوق في بعض الأحيان ألف كيلومتر. كما يساعد ذلك النوع من الطائرات على توفير خدمات الإغاثة والإسعاف الطائر للمواطنين المتواجدين بالمناطق النائية، سواء المناطق السكنية منها مثل المدن الجديدة والقرى، أو المناطق الاقتصادية مثل المحاجر والمناجم ومناطق الاستصلاح الزراعي, ويمكن أن تستخدم تلك الطائرات سواء المأهولة منها أو المسيرة في إحكام الرقابة على شبكة الطرق, حيث تسهل على رجال المرور أن يتابعوا بشكل دائم مدى انسيابية الحركة المرورية، ومراقبة مواقع التكدسات والحوادث.

كما تساهم زيادة خدمات الطائرات الخفيفة في تسهيل عمليات المسح الجوي ومراقبة نمو المزروعات في المساحات الزراعية المفتوحة وأيضًا في توفير خدمات الرش الزراعي للمساحات الكبيرة، ويمكن أيضًا أن تستخدم تلك الطائرات في المجال السياحي، وذلك للقيام بالجولات السياحية الجوية حول المناطق التراثية التي تتميز بها مصر شمالًا وجنوبًا.

ثانيًا- السوق الإفريقي:

تعاني أغلب الدول الإفريقية من تدني حالة البنية التحتية للمطارات والموانئ الجوية, حيث لا تمتلك دول القارة مجتمعة وفق إحصاءات وكالة المخابرات الأمريكية CIA سوى 689 مدرجًا مُعبدًا للطائرات، وهي المدارج المؤهلة لاستقبال الطائرات التجارية النفاثة, في حين أن باقي مدارج الطائرات التي تمتلكها دول القارة، والبالغ عددها 2267 مدرجًا، هي مدارج ترابية أو غير مُعبدة, لذلك تضطر تلك الدول إلى الاعتماد على الطائرات الخفيفة غير النفاثة لتنقل المواطنين واحتياجاتهم داخل حدود الدولة, وذلك لقدرة تلك الأنواع من الطائرات على الهبوط والإقلاع بأمان من المدارج غير المُعبدة والقصيرة.

ويفتح هذا الوضع المجال أمام الصناعات الجوية المصرية في السوق الإفريقي، فمصر تستطيع من خلال شراكاتها مع دول التكتلات الاقتصادية الإفريقية الثلاث (كوميسا، وصادك، وأياك) أن تساعد وتستثمر في خلق شبكات من خدمات النقل الجوي المحلي داخل كل دولة إفريقية، وهو ما يساهم في تسهيل عمليات نقل الأفراد والبضائع، بالإضافة إلى توفير خدمات الطوارئ التي تعاني دول القارة من نقصانها، مثل الإسعاف الجوي، وإخماد حرائق الغابات، وأخيرًا مراقبة المحميات الطبيعية، وتدعيم مجال عمل السياحة البيئية والرياضات الجوية.

ختامًا، يمكننا القول إن صناعة الطيران والفضاء هي واحدة من الصناعات التقنية المتقدمة التي تهتم الاقتصادات الكبيرة والناشئة بتطويرها على حد سواء، وذلك لما لها من دور في تحفيز التكنولوجيا والابتكار العلمي، ولقد كانت هناك العديد من التجارب الناجحة لدول نامية استطاعت أن تثبت مكانتها في عالم الصناعات الجوية من خلال تصنيع الطائرات الخفيفة. لذلك فإنه حري بالدولة المصرية أن تعيد دراسة هذا الملف، حتى تحقق إنجازًا عالميًا جديدًا يضاهي إنجازاتها التنموية الجارية.

مصطفى عبداللاه
باحث ببرنامج السياسات العامة