وحدة الدراسات الاقتصادية

كورونا والأنشطة المالية غير المصرفية خلال عام 2020

شهد عام 2020 انعكاس تأثير فيروس كورونا المستجد على النشاط الاقتصادي؛ فتراجعت معدلات الناتج والتشغيل، وتوقفت حركة التجارة الخارجية. ومع تأثير أزمة جائحة كورونا على مؤشرات الاقتصاد الكلي، كان لها تأثير واضح وملموس على المستوى الجزئي؛ إذ أدت إلى انخفاض الملاءة المالية للشركات، وزادت حاجتها للاستدانة لتمويل العمليات الإنتاجية، وارتفعت نسب الديون لحقوق الملكية Debt to Equity، وانخفضت معدلات السيولة وارتفعت مخاطر انخفاض الربحية، وتراجعت الفوائض المالية، وانخفضت الكفاءة التشغيلية في ظل تخفيض ساعات العمل، وارتفعت درجة المخاطرة بالأسواق، الأمر الذي انعكس على مؤشرات سوق رأس المال، والتأمين، والتمويل العقاري، والتأجير التمويلي والتخصيم، والتمويل متناهي الصغر، وسجل الضمانات المنقولة، خاصة…

أسماء رفعت

شهد عام 2020 انعكاس تأثير فيروس كورونا المستجد على النشاط الاقتصادي؛ فتراجعت معدلات الناتج والتشغيل، وتوقفت حركة التجارة الخارجية. ومع تأثير أزمة جائحة كورونا على مؤشرات الاقتصاد الكلي، كان لها تأثير واضح وملموس على المستوى الجزئي؛ إذ أدت إلى انخفاض الملاءة المالية للشركات، وزادت حاجتها للاستدانة لتمويل العمليات الإنتاجية، وارتفعت نسب الديون لحقوق الملكية Debt to Equity، وانخفضت معدلات السيولة وارتفعت مخاطر انخفاض الربحية، وتراجعت الفوائض المالية، وانخفضت الكفاءة التشغيلية في ظل تخفيض ساعات العمل، وارتفعت درجة المخاطرة بالأسواق، الأمر الذي انعكس على مؤشرات سوق رأس المال، والتأمين، والتمويل العقاري، والتأجير التمويلي والتخصيم، والتمويل متناهي الصغر، وسجل الضمانات المنقولة، خاصة في ظل تأثير الجائحة على النواحي النفسية والمادية للأفراد المتعاملين بالأسواق المالية.

وقد أصدرت الهيئة العامة للرقابة المالية تقريرها السنوي لعام 2020، وأشارت فيه إلى تحقيق القطاعات المالية غير المصرفية أداء جيدًا خلال العام، مما ساهم في أن يكون القطاع المالي غير المصرفي أحد أفضل القطاعات الاقتصادية أداء خلال عام الجائحة. وانطلاقًا من ذلك يستعرض المقال تأثير جائحة كورونا على الأنشطة المالية غير المصرفية المختلفة خلال عام 2020 مقارنة بعام 2019.

تأثير جائحة كورونا على الأنشطة المالية غير المصرفية

انعكس تأثير جائحة كورونا على مؤشرات الأنشطة المالية غير المصرفية بصورة متباينة؛ حيث تأثرت مؤشرات سوق رأس المال سلبيًا وبصفة خاصة إصدارات الأسهم، في حين انتعش نشاط التأمين وصناديق التأمين الخاصة، والتمويل العقاري، والتأجير التمويلي والتخصيم، والتمويل متناهي الصغر، وسجل الضمانات المنقولة.

مؤشرات سوق رأس المال

يعد سوق رأس المال من آليات دعم وتحفيز الاستثمار المباشر، إذ يمثل إحدى قنوات التمويل بالنسبة للشركات من خلال دوره في تحويل مدخرات الأفراد المتراكمة إلى استثمارات مباشرة في شركات ومشروعات عن طريق إصدار وتبادل الأوراق المالية طويلة الأجل. وقد شهدت سوق رأس المال تطورًا ملحوظًا خلال عام 2020، فكانت الأكثر تأثرًا بالجائحة مقارنة بالأنشطة المالية غير المصرفية الأخرى.

وتشير مؤشرات سوق رأس المال إلى انخفاض قيمة إصدارات الأوراق المالية عام 2020 بمقدار 14.5% مقارنة بعام 2019، بما في ذلك إصدارات أسهم تأسيس وزيادة رأس المال، وإصدارات السندات، وأسهم تعديل قيمة اسمية وتخفيض رأس المال. ويلاحظ أنه مع انخفاض قيمة إصدارات الأسهم بما يزيد على 17% ارتفعت قيمة إصدارات السندات بنحو 9%. ويرجع ذلك إلى تراجع تأسيس شركات جديدة، وتباطؤ توسعات الشركات القائمة بالفعل في ظل غموض الأحوال الاقتصادية المستقبلية فانخفضت إصدارات الأسهم، بينما أدى تراجع النشاط الاقتصادي إلى زيادة حاجة الشركات إلى الاستدانة من خلال طرح سندات في سوق رأس المال في ظل ارتفاع أسعار الفائدة على القروض. ومع نمو وتنشيط سوق السندات يصبح أمام الشركات عدة بدائل للتمويل بخلاف القطاع البنكي، وقد بلغت قيمة إصدارات سندات التوريق عام 2020 ما يزيد على 24 مليار جنيه، وهي أعلى قيمة توريق في تاريخ سوق المال المصري.

أما بالنسبة لرأس المال السوقي فقد انخفض بنسبة 8.2% خلال عام 2020، وعلى صعيد مستوى السيولة، فقد بلغ معدل نمو قيمة التداول نحو 68%، بما يعكس قدرة السوق على استيعاب عمليات البيع والشراء وسرعة تحول الأوراق المالية إلى نقود. ويوضح الشكل التالي أبرز مؤشرات سوق رأس المال خلال عامي 2019 و2020.

وعلى مستوى مؤشرات البورصة الرئيسية، فقد حققت أداء متباينًا؛ حيث انخفض المؤشر الرئيسي (EGX30) بنسبة 22.3% عن قيمته عام 2019، بينما قادت أسهم الشركات المتوسطة والصغيرة عمليات التداول بالبورصة، مما انعكس على ارتفاع مؤشر EGX70 لأسهم الشركات الصغيرة والمتوسطة الذي ارتفع بنحو 69%، وكذلك ارتفع مؤشر EGX100 بنسبة أقل نسبيًا تبلغ نحو 42%؛ إذ يضم الشركات المدرجة في مؤشر EGX30 وEGX70.

مؤشرات نشاط التأمين وصناديق التأمين الخاصة

يعد نشاط التأمين أحد الأنشطة الهامة لإدارة الأخطار التي يحتمل أن تتعرض لها الأصول الاقتصادية، ولذا فمع زيادة درجة المخاطرة وانكماش الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2020، انتعش نشاط التأمين، حيث ارتفع إجمالي الأقساط لتصل إلى 40.1 مليار جنيه في 2020 مقارنة بـ35.1 مليار جنيه في 2019، بزيادة قدرها 14.2%. ويوضح الشكل التالي تطور مؤشرات نشاط التأمين خلال عامي 2019 و2020.

ويُظهر الشكل السابق تحسن مؤشرات نشاط التأمين خلال عام 2020، وقد أدى إلى ذلك استمرار تحسن فائض النشاط التأميني للشركات منذ عام 2015، إلى جذب المزيد من الاستثمارات الجديدة لسوق التأمين.

وعلى مستوى استثمارات صناديق التأمين الخاصة فقد ارتفعت بنسبة 10% خلال عام 2020 مقارنة بالعام السابق، وتمثل صناديق التأمين الخاصة أنظمة تأمينية يتم تكوينها لتكون منفصلة عن الجهة المنشئة لها، بهدف منح مزايا خاصة لمجموعة من العاملين بالجهة المنشئة للصندوق، وتتمثل تلك المزايا في معاشات إضافية أو مزايا تأمينية أو اجتماعية أو رعاية صحية. 

مؤشرات نشاط التمويل العقاري

يمثل نشاط التمويل العقاري أحد الأنشطة الهامة المعنية بتوفير تمويل متوسط وطويل الأجل لشراء العقارات أو ترميمها وصيانتها، وقد بلغ حجم التمويل الممنوح من شركات التمويل العقاري خلال عام 2020 نحو 3.4 مليارات جنيه مقارنة بـ2.6 مليار جنيه في عام 2019. وعلى الرغم من ارتفاع قيمة التمويل العقاري الممنوح مقارنة بالعام السابق، إلا أن نسب الارتفاع تباينت خلال العام؛ إذ ارتفع حجم التمويل العقاري بمقدار 75% خلال الربع الأول من عام 2020، ومع تأثير جائحة كورونا على النشاط الاقتصادي تراجع معدل الارتفاع ليسجل معدل التغير السنوي ارتفاعًا بنحو 31% فقط.

مؤشرات نشاطَيِ التأجير التمويلي والتخصيم

يعد نشاط التأجير التمويلي من وسائل تمويل الأصول الاستثمارية، خاصة بالنسبة للشركات الصغيرة والمتوسطة، إذ يستخدم لتمويل شراء الآلات والمعدات لتمويل النشاط الإنتاجي على عدة سنوات، بما يعمل على تقليل التكلفة الاستثمارية لبدء النشاط. وقد بلغت قيمة عقود التأجير التمويلي ما يقرب من 59 مليار جنيه عام 2020 مقارنة بما يزيد على 56 مليار جنيه في 2019، بزيادة سنوية قدرها 5.4%، مقابل زيادة بنحو 19.7% خلال الربع الأول فقط من عام 2020، الامر الذي يشير إلى تأثير جائحة كورونا على الاستثمار المباشر، والذي انعكس في شكل تباطؤ نشاط التأجير التمويلي، وان كان سجل ارتفاعًا سنويًّا مقارنة بالعام السابق.

أما بالنسبة لنشاط التخصيم، فهو إحدى أدوات تمويل رأس المال العامل، إذ إنه معنيّ بتوفير التدفق النقدي اللازم للمشروعات؛ نظرًا لأن أغلب المشروعات العاملة في الأسواق لها مستحقات مالية آجلة لدى عملائها نتيجة مبيعاتها، فيتيح التخصيم قيام هذه المشروعات ببيع هذه الحقوق التجارية خاصة قصيرة الأجل لتوفير التمويل اللازم لها. وقد بلغ حجم الأوراق المخصمة خلال عام 2020 ما يزيد على 11 مليار جنيه مقارنة بـ10.6 مليارات جنيه خلال عام 2019، بزيادة قدرها 6.6%.

مؤشرات التمويل متناهي الصغر

يمثل التمويل متناهي الصغر وسيلة رئيسية لتشجيع مساهمة الفئات محدودة الدخل في النشاط الاقتصادي من خلال توفير تمويل لأغراض اقتصادية إنتاجية أو خدمية أو تجارية في المجالات وبالقيمة التي يحددها مجلس إدارة الهيئة العامة للرقابة المالية، بما يسهم في الحد من البطالة والمساهمة في تحسين دخول الأسر الأكثر فقرًا، ويحقق أثرًا إيجابيًا على زيادة حجم الاستثمار والتشغيل في الاقتصاد القومي. وخلال عام 2020، شهد التمويل متناهي الصغر تطورًا ملحوظًا؛ حيث بلغ حجم التمويل ما يزيد على 19.3 مليار جنيه مقارنة بـ 16.5 مليار جنيه في 2019، بزيادة قدرها 17%. وإن كان من المتوقع له النمو بدرجة أكبر لولا تأثير جائحة كورونا على النشاط الاقتصادي، إذ حقق نموًّا بنسبة 40% خلال الربع الأول من عام 2020.

وقد ساهم نشاط التمويل متناهي الصغر في توسيع نطاق المستفيدين بالخدمات المالية والمساهمة في رفع معدلات الشمول المالي، حيث بلغ عدد المستفيدين 3.2 ملايين مواطن، استحوذت الإناث على نحو 62% من إجمالي عدد المستفيدين، واستحوذت محافظات الصعيد على نحو 54% من حجم التمويل، بما يعزز من سياسة الشمول المالي وتمكين المرأة.

سجل الضمانات المنقولة

يمثل سجل الضمانات المنقولة وسيلة هامة لتفعيل نشاط التمويل العقاري والتأجير التمويلي من خلال استخدام الأصول المنقولة التي يتم شهرها بالسجل كضمانة للحصول على التمويل، الأمر الذي يساعد على زيادة فرص حصول المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر على التمويل اللازم لقيامها بمزاولة نشاطها مع تقليل المخاطر المتعلقة به، ويعمل على خفض تكاليف الائتمان، فضلًا عن أنه يزيد الثقة لدى مانحي الائتمان باستيفاء حقوقهم، ويسهم في تنشيط حركة الاستثمار ودفع عجلة التنمية، وقد بلغ عدد الضمانات المشهرة 69264 إشهارًا من خلال 81 جهة، بقيمة 738 مليار جنيه عام 2020، مقارنة بـ636 مليار جنيه في نهاية عام 2019، لتسجل معدل زيادة سنوية نحو 16%.

وختامًا، يتضح مما سبق مدى تطور الأنشطة المالية غير المصرفية في مصر خلال عام 2020، إذ ارتفعت مؤشرات كافة الأنشطة باستثناء مؤشرات سوق رأس المال. وعلى الرغم من ارتفاع مؤشرات نشاط التأمين، والتمويل العقاري، والتأجير التمويلي، والتمويل متناهي الصغر؛ إلا أنه كان لجائحة كورونا تأثير كبير على تباطؤ معدلات النمو. ومع تطور الأسواق المالية غير المصرفية الذي شهده عام 2020، يبرز دور الهيئة العامة للرقابة المالية في القدرة على السيطرة والحد من الآثار السلبية لجائحة كورونا على الأنشطة المالية غير المصرفية، وذلك باتخاذ العديد من المبادرات للتيسير على المتعاملين والحفاظ على سلامة واستقرار الأسواق المالية غير المصرفية، وتحقيق الشمول المالي وتدعيم الفئات المهمشة، وتوفير النفاذ للتمويل، بما يدفع معدلات النمو الاقتصادي ليكون نموًا مستدامًا في ظل رؤية مصر 2030.

أسماء رفعت