مقال تحليلي

رؤية لسياسات شباب مصر بعد 30 يونيو

لم تكن 30 يونيو ثورة شعبية فحسب خرجت فيها الجماهير المصرية للميادين لاسترداد بلادها التي سلبها الإخوان لمدة عام كامل؛ بل كانت ثورة للتغيير الفكري والثقافي والمؤسسي للدولة المصرية بأكملها. فبرغم زخم يناير 2011، ظلت يونيو 2013 هي العُمق الذي لامس قلوب المصريين واستطاع أن ينفُذ إلى عقولهم وأفعالهم. وبما أنني أتحيّز دومًا للشباب المصري –كالعادة- بصفتي واحدًا منهم؛ فسأتطرق في هذا المقال لطرح مختصر رؤيتي لسياسات الشباب المصري التي أرى أنه من الأهمية بمكان النظر فيها كاستراتيجية عامة نحو المستقبل في كافة الجوانب التي تختص العمل الشبابي في مصر؛ وأقصد هنا الجوانب المتعلقة بما يجب على الدولة توفيره وما…

د. خالد بدوي
عضو مجلس النواب عن تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين

لم تكن 30 يونيو ثورة شعبية فحسب خرجت فيها الجماهير المصرية للميادين لاسترداد بلادها التي سلبها الإخوان لمدة عام كامل؛ بل كانت ثورة للتغيير الفكري والثقافي والمؤسسي للدولة المصرية بأكملها. فبرغم زخم يناير 2011، ظلت يونيو 2013 هي العُمق الذي لامس قلوب المصريين واستطاع أن ينفُذ إلى عقولهم وأفعالهم.

وبما أنني أتحيّز دومًا للشباب المصري –كالعادة- بصفتي واحدًا منهم؛ فسأتطرق في هذا المقال لطرح مختصر رؤيتي لسياسات الشباب المصري التي أرى أنه من الأهمية بمكان النظر فيها كاستراتيجية عامة نحو المستقبل في كافة الجوانب التي تختص العمل الشبابي في مصر؛ وأقصد هنا الجوانب المتعلقة بما يجب على الدولة توفيره وما يجب أن يستثمره الشباب في هذه الرؤية.

فلا يخفى على أحد أن نجاح تجربة دولة 30 يونيو في ملف سياسات الشباب هو الأمر الأكثر جذبًا لتجربة التمكين التي نعايشها الآن في مصر بعد عهود طويلة من الاصطدامات المتتالية بين الدولة والشباب إبان ثورة يوليو 52 وحتى حكم الإخوان المسلمين في 2012؛ وخلال هذه الفترة لم تتحقق للدولة المصرية المآرب المطلوبة في هذا الملف على الإطلاق.

وأرى أن الدولة المصرية أو وزارة الشباب والرياضة -على وجه الخصوص- أمامها فرصة ذهبية في الفترة القادمة إذا استطاعت وضع رؤية جديدة لسياسات العمل الشبابي في مصر؛ واستثمار طاقات الشباب المصري في كافة المجالات المختلفة (سياسية – ثقافية – اجتماعية – فنية – رياضية – تربوية – علاقات دولية)؛ مما قد يجعلنا نتنبأ بنتيجة حتمية لنجاح جيل كامل من شباب مصر، وهو الأمر الذي بالطبع يعني نجاح الدولة المصرية.

تتحدد رؤيتي في هذا المقال في “أن يكون الشباب المصري هو الدافع نحو التغيير للأفضل من خلال استثمار كافة الطاقات الإبداعية في كافة المجالات؛ على أن تتحدد باستراتيجية عامة تحقق من خلالها الدولة رؤيتها للتنمية، واستعادة مكانتها بين شعوب العالم”.

كما تنبثق من هذه الرؤية بعض المحاور العامة التي يجب أن يتوافر الطموح والإرادة لتحقيقها خلال 5 سنوات على الأكثر في إطار استراتيجية الدولة المصرية للشباب المصري.

المحور الأول- وضع تعريف مناسب للشباب وتحديد السن الأنسب:

  • هناك اختلاف قائم حول الإطار العمري لمرحلة الشباب؛ وإلى الآن لا يوجد ثابت واحد لسن الشباب في مصر؛ حيث يُسمح لمن هو في سن 18 المشاركة في انتخابات المجالس الشعبية المحلية؛ ويستطيع الإدلاء بصوته في أي عملية انتخابية أو استفتاء دستوري؛ لكنه لا يستطيع الترشح لعضوية مجلس النواب التي تتطلب وصول السن إلى 25 عامًا عند فتح باب الترشح؛ وتنتهي صفة الشباب في الترشح على قوائم الانتخابات البرلمانية عند سن 35 عامًا عند فتح باب الترشح.
  • الكتلة الصلبة التي تتخطى 20 مليون مواطن في عمر الشباب المصري حتى سن 29 عامًا؛ حيث إنّ عــدد الشبــاب في الفئة العمرية (18 – 29 سنة) يبلغ 20,6 مليــون نسمة بنسبــة 21% من إجمالي السكان (51,5% ذكور، 48.5% إناث)، وذلك طبقًا لتقديرات السكان عــام 2020؛ وعـــدد الطلاب المقيدين بالتعليم العالي حوالي 3 ملايين طالب (51.1% ذكـور، 48.9% إناث)، منهم 147.616 ألف طالـب مقـيد بالمعـاهـد الفـنية فــوق المتــوســط حكـوميــة/ خاصـــة (47.4% ذكور، 52.61% إناث). (المصدر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء) (أغسطس 2020).

المحور الثاني- تحديد الخصائص التكوينية للشباب المصري:

  • الأمر الذي سيجعلنا نقفز نحو أعداد سياسات الشباب المصري هو تحديد واضح لشرائح الشباب المصري؛ وذلك من خلال قاعدة بيانات تحتوي على التخصصات في مراحل التعليم واتجاهات بعد التخرج والخبرات المجتمعية والسياسية والهوايات وما إلى ذلك؛ ونستطيع الحصول على ذلك من خلال العديد من الطرائق في الجامعات ومراكز الشباب في القرى والمدن والأندية.. إلخ.
  • تكويد الشباب المصري في أربعة أكواد واضحة للتعامل معهم بشكل متوازٍ ومتوازن؛ على أن تكون الأكواد كالتالي: 
  • المتميزون في التعليم (الحاصلون على تقديرات ممتاز في كافة مراحل التعليم).
  • المتميزون في الحرف والمهن الصناعية. 
  • المتميزون في الجوانب الرياضية والفنية والموهوبين.
  • المتميزون من ذوي الهمم.

على أن يتم حصر هذه البيانات وعمل برامج تدريب وخطط ابتعاث بالخارج وإنشاء مراكز تعليم حرفي وتقني ومراكز تنمية موهوبين ومراكز تطوير قدرات ذوي الهمم.

المحور الثالث- استغلال 4300 مركز تطوير قدرات شبابية في مصر:

  • وأقترح أن تستبدل “مراكز الشباب” على أن تكون “مراكز تطوير قدرات شبابية” أو “مراكز اجتماعية” اتساقًا مع وجود 4300 مركز شباب تقريبًا في قرى ومدن مصر؛ لتسهيل المهمة على الدولة المصرية في جعل الشباب المصري أكثر أمانًا وأكثر انتماءً للدولة.
  • يجب أن تمتد مهمة مراكز الشباب لتصبح تلك “المراكز الاجتماعية” منصة لتكوين جيش كامل من الشباب المصري المتسلح بالعلم والمعرفة والثقافة؛ ذات بنية جسدية سليمة وعقلية مستقرة.
  • على أن يتكون “المركز الاجتماعي” من مجموعة متخصصة من وحدات إعداد القدرات الشبابية، وتكون هذه الوحدات مسئولة عن الشباب من عمر الطلائع وحتى سن 35 عامًا؛ وتستطيع من خلال آلية واضحة توجيه الشباب لممارسة الأنشطة المختلفة واكتشاف قدراتهم وإنشاء مشروعات في القرية ذاتها أو المدينة.

إن صياغة استراتيجية واضحة لسياسات الشباب المصري في هذا التوقيت سيكون هو الزاد لقرابة 10 سنوات قادمة على الأقل؛ لتتحقق معادلة التمكين الكاملة بخلق جيل من الكفاءات المتخصصة في العلوم والفنون والثقافة والسياسة والرياضة وغيرها من المجالات.

كما أنه من الأهمية بمكان أن تنطلق وزارة الشباب والرياضة إلى الشباب المصري في كل ربوع الجمهورية؛ وتخلق لهم فرصًا حقيقية للتعليم والتعلم والمحاولة والاعتماد على النفس في إطار الحفاظ على الدولة ومقدراتها؛ وتعميم تجربة “المراكز الاجتماعية لبناء القدرات” هو الأمل لحوالي 30 مليون شاب مصر قبيل عمر الــ30؛ والذي يستطيع من خلاله البحث عن أمله في مستقبل يمتلئ بالطموح والرغبة في أن يكون قائد التغيير الحقيقي.

د. خالد بدوي
عضو مجلس النواب عن تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين