العلاقات الصينو-أمريكية بعد لقاء الاسكا

عضو الهيئة الاستشارية

كشف اول لقاء مباشر، في عهد الرئيس الأمريكي جو بايدن، عن عمق التوتر بين القوتين العظمتين الأكثر أهمية ونفوذا في العالم. اللقاء الذي جمع، في ولاية الاسكا الامريكية، وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، ومستشار الأمن القومي، جيك سوليفان، مع كبير الدبلوماسيين الصينيين يانغ جيشي ووزير الخارجية وانغ يي، كان فرصة من أجل تقييم مسار العلاقات بين البلدين، لكن المحادثات، التي استمرت يومين، انتهت دون التوصل الى أي اتفاق، فقط تشويه كل من الجانبين لسياسات الطرف الآخر أمام عدسات الكاميرات واعين العالم، في وقت كان يتوقع الكثيرون ان يكسر هذا اللقاء بعض الجليد. لا شك أن العلاقات بين الصين والولايات المتحدة…

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

كشف اول لقاء مباشر، في عهد الرئيس الأمريكي جو بايدن، عن عمق التوتر بين القوتين العظمتين الأكثر أهمية ونفوذا في العالم. اللقاء الذي جمع، في ولاية الاسكا الامريكية، وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، ومستشار الأمن القومي، جيك سوليفان، مع كبير الدبلوماسيين الصينيين يانغ جيشي ووزير الخارجية وانغ يي، كان فرصة من أجل تقييم مسار العلاقات بين البلدين، لكن المحادثات، التي استمرت يومين، انتهت دون التوصل الى أي اتفاق، فقط تشويه كل من الجانبين لسياسات الطرف الآخر أمام عدسات الكاميرات واعين العالم، في وقت كان يتوقع الكثيرون ان يكسر هذا اللقاء بعض الجليد.

لا شك أن العلاقات بين الصين والولايات المتحدة هي سيئة منذ عدة سنوات، لكن أيضا الاستعراض الدبلوماسي المبالغ فيه، والذي بدا واضحا في اللقاء، عادة ما يكون موجها للاستهلاك المحلي. التناحر العلني الذي عرفه الاجتماع يعطي انطباعا عن عدم وجود أرضية مشتركة تذكر بين البلدين من أجل إعادة ضبط العلاقات. وهذا يعكس ما كتبه جيك سوليفان، قبل تعيينه في منصبه الحالي، في مقال مشترك مع كبير مستشاري بايدن للشؤون الآسيوية، كورت كامبيل، نشرته مجلة (فورين أفيرز)، جاء فيه إن “حقبة التواصل مع الصين وصلت إلى نهايتها”. لكن، هل وصلت فعليا العلاقات الى نهايتها؟

في وثيقة إستراتيجية السياسات الخارجية المؤقتة لإدارة بايدن، جاء أن “صينا أكبر نفوذا وأكثر إثباتا لوجودها هي المنافسة الوحيدة التي لديها القدرة على حشد قدراتها الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية والتقنية لتحدي النظام العالمي المستقر والمنفتح بشكل دائم”. ويتمحور التنافس الحالي بين الصين والولايات المتحدة حول التقنيات الحيوية التي تسير العالم، كالذكاء الاصطناعي، وتقنية 5 جي. وقد أصبحت الصين الدعامة الرئيسية للاقتصاد العالمي، علاوة على أن اقتصادها مندمج إلى حد كبير مع الاقتصاد الأمريكي. وهي تعد أقوى منافس تواجهه الولايات المتحدة منذ القرن التاسع عشر. واذا كان حجم الاقتصاد الصيني بالدولار يقاس بحوالي ثلثي اقتصاد الولايات المتحدة، الا ان العديد من الاقتصاديين يتوقعون أن تتجاوزها الصين في ثلاثينيات القرن الحالي، اعتمادا على الافتراضات الموضوعة لمعدلات النمو الصينية والأمريكية. 

الصعود الصيني يمكن ان يخلق تخوفات لدى أمريكا، ويمكن ان تقود هذه التخوفات الى كارثة على الجميع. لتجنب ذلك على أمريكا والصين ان يديرا علاقتهما ببرغماتية وحكمة شديدة. ربما تسعى الصين الى ان تحل محل أمريكا كقوة عظمى، لكنها تعلم جيدا ان الحديث عن افول نجم امريكا هو مجرد قراءات سطحية بعيدة عن الواقع. فالقوة الجيوسياسية لا تقاس بالدخل القومي وحده، وبالنسبة للقوة الناعمة، تأتي الصين في مرتبة متأخرة عن الولايات المتحدة، والإنفاق العسكري لواشنطن يبلغ أربعة أضعاف الإنفاق العسكري لبكين. في المقابل، تعلم أمريكا انها لا يمكن ان تقود حربا باردة جديدة ضد بكين، ليس فقط لان شروط الحرب الباردة التي وظفتها أمريكا ضد الاتحاد السوفياتي لا يمكن تطبيقها ضد الصين، لكون هذه الاخيرة اقوى اقتصاديا وعسكريا، ولكن أيضا لأن طبيعة النظام العالمي باتت مختلفة عما كان عليه الامر في النصف الثاني من القرن العشرين. 

بالإضافة لما سبق، رغم حدة التوتر وتبادل الاتهامات بينهما، يبقى لدى الجانبين مصالح متقاطعة في مجموعة من الملفات منها إيران وكوريا الشمالية وأفغانستان وتغير المناخ. لسان حال أمريكا يقول إنه ينبغي مواجهة الصين إن كان ذلك ضروريا والتعاون معها إن كان التعاون ممكنا. وهو نفس المبدأ الذي تسلكه بكين، فهي تعبر عن رغبتها في تأسيس علاقات بناءة مع الجانب الأمريكي، مع الحفاظ على مصالحها الخاصة وعلى سيادتها التي تعتبرها مسألة مبدأ وعلى امريكا ألا تستهين بتصميم الصين على الدفاع عنها.

الترابط الاقتصادي والبيئي يقلل من احتمالية نشوب حرب باردة جديدة، ناهيك عن الحرب بمفهومها التقليدي، او إيقاف التواصل بينهما، حيث أن لدى البلدين أسباب كثيرة للتعاون في عدد من المجالات. في الوقت نفسه، فإن الأخطاء التقديرية ممكنة، ويمكن ان تقود نحو كارثة، كما كان الحال قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى. صعود القومية الصينية، إلى جانب الاعتقاد الخاطئ في التراجع الأمريكي، يمكن ان يقود الصين إلى المزيد من الجموح. والغطرسة الأمريكية تشكل دائما خطرا، مثلها مثل الخوف المبالغ فيه، مما قد يؤدي إلى رد فعل مبالغ فيه. 

إذا ما اقترن هذا الرد الفعل مع مواقف سياسية أخرى يمكن ان ينتج عن ذلك ما لا يحمد عقباه. فقبل أيام، صرح الرئيس الأمريكي بأن فلاديمير بوتين كان “قاتلا” وأنه “سوف يدفع الثمن”. لم يرد بوتين على هذه التصريحات، وربما اعتبرها نوعا من “المزحة الثقيلة”. لكن مهاجمة أمريكا لقوتين محتملتين للهيمنة على العالم، روسيا والصين، يمكن ان يدفع موسكو وبكين للتحالف ضدها، وإعادة إحياء التعاون الذي بلغ ذروته في ظل حكم ستالين وماو. صحيح الصين وروسيا تميلان جيوسياسيا نحو التنافس بدلا من التحالف، لكن لا أحد يمكن ان يتوقع تغير الأوراق في لعبة العلاقات الدولية.

نقلا عن جريدة الأهرام، ٢٥ مارس ٢٠٢١.

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

مقالات أخرى للكاتب