التفكير النقدي أم التفكير البناء

عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

أصبح الحديث عن التفكير النقدي أمرا شائعا في بلادنا هذه الأيام، وذهب البعض لتقديم التفكير النقدي وكأن فيه الحل لمشكلاتنا في التعليم والتنشئة والثقافة والنهضة، وقامت جامعاتنا الكبرى بجعل مقرر التفكير النقدي إلزاميا لجميع الطلاب. للتفكير النقدي أصوله العميقة في الحضارة الغربية، حتى أنه لا يمكن فصل النهضة الرائعة لأوروبا والغرب دون ربط ذلك بالتفكير النقدي. لكن ماذا عن النهضة في آسيا، هل لمفهوم التفكير النقدي أنصار في المجتمعات الآسيوية؟ وهل يتمتع هذا المفهوم في آسيا بمستوى من الشعبية يشبه مستوى الشعبية الذي يتمتع به بين مثقفينا؟ لقد أسهم الآسيويون في كل جوانب الحضارة الإنسانية الحديثة، فهل أسهموا في تطوير…

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

أصبح الحديث عن التفكير النقدي أمرا شائعا في بلادنا هذه الأيام، وذهب البعض لتقديم التفكير النقدي وكأن فيه الحل لمشكلاتنا في التعليم والتنشئة والثقافة والنهضة، وقامت جامعاتنا الكبرى بجعل مقرر التفكير النقدي إلزاميا لجميع الطلاب. للتفكير النقدي أصوله العميقة في الحضارة الغربية، حتى أنه لا يمكن فصل النهضة الرائعة لأوروبا والغرب دون ربط ذلك بالتفكير النقدي. لكن ماذا عن النهضة في آسيا، هل لمفهوم التفكير النقدي أنصار في المجتمعات الآسيوية؟ وهل يتمتع هذا المفهوم في آسيا بمستوى من الشعبية يشبه مستوى الشعبية الذي يتمتع به بين مثقفينا؟ لقد أسهم الآسيويون في كل جوانب الحضارة الإنسانية الحديثة، فهل أسهموا في تطوير التفكير النقدي، ليحولوه من ثقافة غربية إلى ميراث ثقافي عالمي؟ هل يلعب التفكير النقدي دورا مهما في النهضة الأسيوية، أم أن النهضة الأسيوية تقوم على مفاهيم أخرى؟ 

أينما ذهبت في الجامعات الغربية فستجد الآلاف من الطلاب الأسيويين منتشرين في التخصصات والأقسام المختلفة. الطلاب الآسيويون متفوقون ومتميزون، لكن مدرسيهم الغربيون يتفقون على أن فيهم ضعفا واضحا فيما يتعلق بالتفكير النقدي. ضعف الطلاب الآسيويين في التفكير النقدي لم يمنعهم من التفوق في مجالات تخصصهم الأكاديمية؛ وضعف التفكير النقدي في بلاد آسيا الناهضة، يشير إلى أنه من غير الصواب التعامل مع التفكير النقدي كما لو كان شرطا للنهضة. 

لقد أظهر الطالب والمهندس الآسيوي قدرات تحليلية عالية، وهو متفوق في الرياضيات والبرمجة والذكاء الاصطناعي، وهو ماهر جدا في إعادة تركيب المعلومات التي قام بتحليلها إلى مكوناتها، ليصنع منها ابتكارا جديدا مركبا ومعقدا، لم يكن موجودا قبل ذلك، يماثل، بل وقد يفوق، ما يمكن لقرينه الغربي أن ينجزه. فما هو معنى ضعف قدرة الطلاب الآسيويين على تعلم التفكير النقدي؟ وما هي الخسارة التي لحقت بهم بسبب هذا الضعف؟ وما قيمة تعلم التفكير النقدي أصلا بالنسبة لهم، خاصة وأن ضعفهم النقدي المزعوم لا يقلل من قدرتهم على الإنجاز والإبداع والابتكار؟

يقدم الغربيون التفكير النقدي باعتباره مرادفا للمنطق وطريقة التفكير، وكيف يتم الانتقال من المقدمات إلى النتائج؛ ومن الملاحظات الصغيرة إلى النظريات الكبرى، والعكس؛ وكيف يمكن تجنب الاعوجاج والفساد في كل هذا. غير أن الطلاب الآسيويين يبرعون في كل هذا، وهو ما تشهد عليه الابتكارات التي يخرجون علينا بها كل يوم. في التفكير النقدي كما طوره الغربيون ما هو أكثر من المنطق وطرائق التفكير، فهو يضم أيضا قيما ومبادئ فكرية وثقافية وأخلاقية مستمدة من الحضارة الغربية. التفكير النقدي، كما يروج له الغربيون، تختلط فيه طرائق التفكير مع القيم الأخلاقية؛ وأنه بينما يتعامل الطلاب الآسيويين بنجاح مع طرائق التفكير، فإن القيم والمبادئ الأخلاقية والثقافية الغربية هي ما يستعصى عليهم، فيتورط أساتذتهم الغربيون في الحكم عليهم بالفشل في اجتياز دروس التفكير النقدي. 

ربما يصبح الأمر أكثر وضوحا لو ميزنا وفصلنا في التفكير النقدي بين المنطق وطريقة التفكير من ناحية، والمبادئ والقيم الأخلاقية من ناحية أخرى. فما يقدمه الغربيون باعتباره المنطق وطريقة التفكير الغربية هو في الحقيقة تراثا مشتركا لكل البشرية، فالعقل البشري لدى الغربيين والعرب والهنود والصينيين والأفارقة يعمل بنفس الطريقة، أما الخلاف بين كل هؤلاء فيظهر فقط في  المحتوى الفكري والأخلاقي الذي يتم تعبئة الأوعية المنطقية المشتركة به.

للتفكير النقدي، إذا، محتوى ثقافي وأخلاقي يمكن فصله عن جانبه المنطقي. فالتفكير النقدي الغربي له تاريخ طويل، يبدأ من فلاسفة اليونان، ويمر بفلاسفة عصر النهضة والتنوير، وصولا إلى العصر الحديث. خلال هذه المسيرة الطويلة تم إطلاق تسميات عدة على ما يسمى الآن بالتفكير النقدي، فتارة تمت تسميته بالمنطق، وتارة بالتفكير السليم، أما التفكير العلمي فهي التسمية الأكثر شيوعا والأطول عمرا. فقط في الخمسين سنة الأخيرة شرع الغربيون في استخدام مصطلح التفكير النقدي، ولم يكن ذلك بسبب اكتشافهم لقواعد جديدة في التفكير، ولكن بسبب ظهور قيم ومبادئ أخلاقية مستحدثة في المجتمعات الأوروبية، والقيام بمزج هذه القيم بطرائق التفكير الأقدم عهدا، لتنتج لنا بنية فكرية وأخلاقية أطلقوا عليها التفكير النقدي. 

ــــــ

نقلا عن جريدة الأهرام، ٢٥ مارس ٢٠٢١.

في مرحلة مبكرة، حتى منتصف القرن العشرين، كانت مصطلحات التفكير النقدي، والتفكير الواضح، والتفكير التأملي، والتفكير العلمي، تستخدم للإشارة إلى نفس الشيء. لكن تدريجيا، وخاصة منذ السبعينيات، اختفت كل هذه المصطلحات، ليتبقى لنا التفكير النقدي، والذي تم تقديمه لنا باعتباره الشكل الوحيد من التفكير السليم، وليس باعتباره طريقة من بين طرق عدة للتفكير السليم. التفكير النقدي هو نفسه التفكير العلمي، بعد تعديله ليلائم القيم والمبادئ الأخلاقية لمرحلة ثورة الشباب في الستينيات، ولعقيدة ما بعد الحداثة الصاعدة منذ السبعينيات، ولمدارس وتيارات أكاديمية تمزج التفكير والبحث العلمي بالكفاح والنشاط السياسي، فالتفكير النقدي هو الإطار المنطقي الذي تعمل في إطاره مدارس وتيارات راديكالية عدة، أشهرها النظرية النقدية، والنسوية، والنظرية العرقية الراديكالية.  

بالعودة إلى الخبرة الآسيوية، فإن مصطلح النقد ينطوي على معاني الاختلاف والصراع والانشقاق والهدم والتقويض والتحدي. وبينما تعلي الثقافة الغربية من شأن هذه القيم، فإن الثقافة الآسيوية تعلي من شأن قيم البناء والتواصل والوحدة والانسجام. لقد نجح الغربيون في بناء نموذج حضاري ناجح يقوم على قيم النقد؛ فيما نجح الآسيويون في بناء نموذج حضاري ناجح يقوم على قيم الوحدة والانسجام. للنموذج الغربي سطوته وسمعته الباهرة، لكن لدى الآسيويين أيضا ما هو جدير بالدراسة والتعلم، وليس هناك ما يدعونا لوضع البيض كله في سلة النموذج الغربي، خاصة بعد أن أخفقنا في توطينه في بلادنا بعد قرنين من المحاولات، وربما نكتشف في النهاية أننا نحتاج أن نعلم طلابنا التفكير البناء، بدلا من تعليمهم التفكير النقدي.

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

مقالات أخرى للكاتب