العقوبات الأمريكية على إيران.. إلى أين؟

مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

فى الشهر الماضى، جاء احتفاء إيران بقبول محكمة العدل الدولية نظر دعواها ضد العقوبات الأمريكية، باعتباره نافذة جديدة قد تمكنها من الإطلالة على مشهد العقوبات الأمريكية من مقعد مختلف، على الأقل عما كان عليه الحال طوال فترة حكم الرئيس دونالد ترامب. لذلك وصف هذه الخطوة وزير الخارجية الإيرانى «جواد ظريف» بأن قرار المحكمة يعد انتصاراً قضائىاً وسياسياً لبلاده، ولم ينتظر لما بعدها، بل بدأ على الفور فى مطالبة الولايات المتحدة بالالتزام بواجبها على المستوى الدولى. وعليه فبمجرد إعلان المحكمة أنها تمتلك السلطة لنظر الدعوى القضائية المقدمة من إيران، لإنهاء العقوبات الاقتصادية التى فرضتها الولايات المتحدة عليها، بدأت واشنطن تعرب عن…

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

فى الشهر الماضى، جاء احتفاء إيران بقبول محكمة العدل الدولية نظر دعواها ضد العقوبات الأمريكية، باعتباره نافذة جديدة قد تمكنها من الإطلالة على مشهد العقوبات الأمريكية من مقعد مختلف، على الأقل عما كان عليه الحال طوال فترة حكم الرئيس دونالد ترامب. لذلك وصف هذه الخطوة وزير الخارجية الإيرانى «جواد ظريف» بأن قرار المحكمة يعد انتصاراً قضائىاً وسياسياً لبلاده، ولم ينتظر لما بعدها، بل بدأ على الفور فى مطالبة الولايات المتحدة بالالتزام بواجبها على المستوى الدولى. وعليه فبمجرد إعلان المحكمة أنها تمتلك السلطة لنظر الدعوى القضائية المقدمة من إيران، لإنهاء العقوبات الاقتصادية التى فرضتها الولايات المتحدة عليها، بدأت واشنطن تعرب عن «خيبة الأمل» لقرار المحكمة الدولية النظر فى دعوى إيران.

الإدارة الجديدة برئاسة جو بايدن، التى وجدت نفسها تحمل ميراث هذا الملف، تواجه حالة من التربص داخلياً وخارجياً، فالجميع يترقب خطواتها على هذا الصعيد، من أجل وضع قياسات مقاربة لما ستقوم به فى ملفات أخرى أقل سخونة. هذه الإدارة، وفق ما تسرّب حتى الآن، تبحث عن أفكار جديدة تخرج عن مدار توجه الإدارة السابقة، التى ذهبت إلى مدى أضفى صعوبة على الأمر تجعله فى حاجة إلى استدارة أمريكية وإيرانية من نوع ما. لذلك هناك من فريق جو بايدن من يقترح عليه ضرورة اتخاذ خطوات قصيرة من الجانبين تمهيداً لإحياء الاتفاق النووى مرة أخرى، باعتبار ذلك لا يلزم الولايات المتحدة بتحول «ضخم» لا تحتمله اللحظة الراهنة، وفى ذات الوقت لا يضع على كاهل واشنطن التزامات يمكن تأجيلها لحين البدء فى تكبيل طهران بالتزامات الاتفاق مرة أخرى.

هذا الطرح يرى مروجوه أنه يلتف قليلاً على إشكالية سحب إيران مرة أخرى لطاولة المفاوضات، حيث ترفض الأخيرة الجلوس تحت سيف العقوبات المفروضة سلفاً، وتعتبر ذلك وضعاً استباقياً يخنق إيران فى زاوية أضيق من أن توفر لها مساحات من الخيارات أو البدائل، التى يمكنها المضى فيها بشرط أن تتخفف من قبضة العقوبات الاقتصادية التى لم تتراخ عن عنقها ولو قليلاً. ولذلك وصف هذا التحرك الأمريكى، الذى لم يتشكل على نحو متكامل بعد، باعتباره يستخدم تكتيك «الأقل مقابل الأقل»، لتفادى المطبات المتوقعة التى تبدأ بإدراك مدى صعوبة إعادة الاتفاق النووى بسبب سابقة تجريب دهاء المفاوضين الإيرانيين، الذين يدخلون هذه المرة بعد أن ترسخت العلاقات العدائية معهم خلال فترة إدارة ترامب. ولا تنتهى عند ضغط الوقت المتاح قبيل الوصول لمحطة الانتخابات الإيرانية فى يونيو القادم، التى قد تسفر عن إدارة جديدة متشددة، تعدها المؤسسات العميقة للنظام الإيرانى أن تكون أقل تسامحاً مع الأمريكيين. ففى الوقت الذى يبحث فيه الأمريكيون عن صيغة لـ«امتيازات اقتصادية» أقل من رفع العقوبات، يتجهز الجانب الإيرانى لمطالبة واشنطن بدفع مليارات الدولارات تعويضاً عما تكبده من خسائر اقتصادية منذ الانسحاب الأمريكى من الاتفاق عام 2018!

لذلك تبدو المسافة والشقة واسعة بين الطرفين حتى الآن، فقبل أيام أيضاً انتهز المرشد الأعلى «على خامنئى» ذكرى العام الفارسى الجديد، ليوجه حزمة رسائل إلى الولايات المتحدة عبر كلمته التى بثت على نطاق واسع، وفيها حذر واشنطن من مواصلة آلية «الضغوط القصوى» على إيران، باعتبارها ستكون روشتة للفشل ترفض إيران أن تتجرعها، لأن، بحسب تقديره، المتغيرات التى طرأت على مشهد اليوم مقارنة بعام 2015، جاءت لصالح إيران وليس الولايات المتحدة كما تظن. حيث حرص المرشد الأعلى أن يحمل رسائله العديد من المقارنات ما بين 2015 و2021، معتبراً أن إيران تعجلت قبلاً فى تنفيذ الاتفاق النووى والالتزام بتعهداتها، لكنها اليوم كما ترى لا ينبغى عليها إضاعة الفرصة، لكنها تلزم نفسها بعدم التعجل، حتى وإن ظل سيف العقوبات الخانق مشهراً فوق عنقها. وأنهى المرشد حديثه بمعادلة واضحة تكشف الموقف الإيرانى إجمالاً من حيث كونه «الموقف النهائى» كما وصفه، بأن العودة إلى الاتفاق النووى لن تتم إلا بعد رفع كامل العقوبات والتحقق من ذلك، مؤكداً امتلاك إيران لنفس طويل يمكنها من الصبر ويحميها من العجلة لإلغاء العقوبات.

بالطبع قد يفسر تشدد المرشد وتصلبه المتوقع باعتباره كالعادة لا يتجاوز رفع سقف التفاوض قبل الذهاب للمائدة المنتظرة، لكنه هكذا يبدو فى حال تأكده من أن هناك مقاعد قد جرى إعدادها بالفعل، وهذا يظل بعيداً أو أصعب على إدارة بايدن بالنظر إلى الضغوط الداخلية التى يتعرض لها. فالجمهوريون ما زالوا يمثلون عقبة كبيرة فى ظل احتشادهم خلف ما أنجزوه فى عهد إدارتهم، هذا تمت صياغته فى الرسالة التى وقّع عليها (119 عضواً جمهورياً) فى الكونجرس، وتم رفعها للرئيس بايدن شخصياً تضع له بعض المحددات المهمة، أهمها أن الذهاب لا يكون للتباحث حول «الملف النووى» وحده، دون التطرق للمستجدات التى طرأت منذ العام 2015 وهى قضايا لا تقل خطورة، مثل مشروعات التوسع والتطوير لـ«ترسانة الصواريخ الباليستية»، وملف دعم طهران لـ«الإرهاب الدولى». وهى اتهامات تمكنت الإدارة السابقة من ترسيخها فى قطاع ليس بالقليل من المجتمع الأمريكى، فضلاً عن الإعلام وشرائح متنوعة من السياسيين بكلا الحزبين. لذلك سيظل هؤلاء يعتبرون أى تخفيف للعقوبات على إيران دون عودتها الكاملة للاتفاق، خطوة «ستهدر النفوذ» الذى اكتسبته الولايات المتحدة منذ العام 2018. وهذا يفسر أيضاً مضى عدد من الأجهزة والمؤسسات العميقة الأمريكية قدماً فى اتجاه اصطياد ضحايا إيرانيين جدد لسيف العقوبات، مثلما الحال فى القضية الأخيرة حيث أعلنت وزارة العدل الأمريكية أنها وجهت اتهامات إلى (10 إيرانيين) بالالتفاف على العقوبات الأمريكية المفروضة على بلادهم، من خلال إخفاء أكثر من (300 مليون دولار) فى معاملات تجارية على مدى 20 عاماً مضت، وهو تغريد يخالف كثيراً لحن الإدارة الجديدة وانشغالاتها، ما يجعل سؤال المآل مشرعاً إلى حين.

نقلا عن جريدة الوطن، ٢٢ مارس ٢٠٢١.

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

مقالات أخرى للكاتب