وحدة الدراسات الأسيوية

العلاقات الهندية الخليجية بين الفرص والتحديات

كشفت جائحة كورونا -كبقية المهددات العالمية- عن ضرورة تكاتف الدول لمكافحتها والقضاء عليها. فقد أرسلت الهند -على سبيل المثال- آلاف الجرعات من لقاح “أوكسفود أسترازينيكا” المضاد للفيروس لعدد من دول الخليج. وقد فتح هذا الأمر المجال لمعرفة مناطق التوافق بين الجانبين على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية، ثم محاولة إلقاء الضوء على الفرص والتحديات التي تواجه هذه العلاقة. خلفية سياسية تحظى العلاقات الهندية-الخليجية بقبول سياسي من الجانبين، فهناك احترام متبادل لمبدأ عدم التدخل في الشئون الداخلية. على سبيل المثال، تمتنع الهند عن استخدام الأدوات العقابية الغربية المتعلقة بتعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان، كما تحاول دول الخليج غض الطرف عن قضايا كانت عالقة…

فردوس عبدالباقي
باحثة بوحدة الدراسات الأسيوية

كشفت جائحة كورونا -كبقية المهددات العالمية- عن ضرورة تكاتف الدول لمكافحتها والقضاء عليها. فقد أرسلت الهند -على سبيل المثال- آلاف الجرعات من لقاح “أوكسفود أسترازينيكا” المضاد للفيروس لعدد من دول الخليج. وقد فتح هذا الأمر المجال لمعرفة مناطق التوافق بين الجانبين على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية، ثم محاولة إلقاء الضوء على الفرص والتحديات التي تواجه هذه العلاقة.

خلفية سياسية

تحظى العلاقات الهندية-الخليجية بقبول سياسي من الجانبين، فهناك احترام متبادل لمبدأ عدم التدخل في الشئون الداخلية. على سبيل المثال، تمتنع الهند عن استخدام الأدوات العقابية الغربية المتعلقة بتعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان، كما تحاول دول الخليج غض الطرف عن قضايا كانت عالقة في المواقف التاريخية. فعلى سبيل المثال، بعدما ألغت نيودلهي الحكم الذاتي الخاص بإقليم كشمير بفترة وجيزة، توجه ولي العهد السعودي “محمد بن سلمان” بزيارة إلى الهند وتم توقيع خمس مذكرات تفاهم.

وتم توقيع “إعلان دلهي” كإحدى نتائج زيارة الملك “عبدالله بن عبدالعزيز” للهند في 2006 بهدف إقامة إطار استراتيجي لعلاقة البلدين، لكن ظلت الشراكة في حالة ركود إلى أن منح رئيس الوزراء “ناريندرا مودي” علاقة الجانبين اتجاهًا جديدًا، بالإضافة إلى أن الزيارات المتبادلة بشكل منتظم تعد أحد أهم مؤشرات العلاقات الوطيدة بين الجانبين.

وعُقد أول حوار سياسي بين الهند ودول الخليج في سبتمبر 2003 على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، كنتيجة لإدراك الجانبين أهمية هذا الحوار الذي ركز على قضايا إقليمية مثل العراق والشرق الأوسط والإرهاب وحركة عدم الانحياز، ويُعقد هذا الحوار بشكل سنوي وكان آخره في نوفمبر 2020.

مجالات التعاون الاقتصادي

بعد جلاء الاستعمار، خيّم البرود على العلاقات الهندية الخليجية، وذلك لأن نيودلهي استبعدت الدول الداعمة لباكستان عن قائمة أولوياتها، لكن مع دخول الخليج للحقبة النفطية تغير الوضع بسبب احتياجات الهند للطاقة من النفط والغاز الطبيعي، إلى الحد الذي جعل الخليج يحتل أكثر من 40% من وارداتها النفطية.

ومع النمو الذي حققته الهند في اقتصادها البالغ حوالي 2.6 تريليون دولار، اكتسبت أهمية متزايدة لدول مجلس التعاون الخليجي، وباتت ترتبط اقتصاديًا معهم أكثر مما مضى، إذ تعد الإمارات والسعودية ثالث ورابع أكبر شريك تجاري للهند، وتحتل الإمارات مرتبة ضمن أفضل عشرة مصادر لتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر للهند. بجانب هذا، بلغ حجم التجارة بين الهند والخليج 121.34 مليار دولار عام 2018-2019، من 7.07 مليارات دولار عام 2003-2004. وباتت الهند بهذه المعدلات من أكبر الشركاء التجاريين لدول الخليج بما يفوق شراكتها مع رابطة الآسيان، ومع الاتحاد الأوروبي أيضًا. وقد انعقد المؤتمر الصناعي الأول بين الهند ودول الخليج في فبراير 2004 في مومباي، الذي تناول قضايا التجارة والاستثمار والتعاون الصناعي والتكنولوجي، وصدر عنه “إعلان مومباي”. 

بالنسبة للطاقة، تعد الهند من أكبر مستهلكي موارد الطاقة، ويدفع هذا لتوسيع التعاون بين الجانبين الهندي والخليجي. فقد شهد عام 2020 إعلان السعودية عبر سفيرها في الهند عن استثمارات للمملكة بحوالي 100 مليار دولار في مجالات الطاقة والتكرير والبتروكيماويات والبنية التحتية والزراعة والتعدين، كما تم عقد صفقة بين شركة أرامكو السعودية وريلاينس إندستريز الهندية بقيمة 15 مليار دولار يتم فيه حصول أرامكو على 20% في مصفاة جامناجار الهندية. وقد استحوذت شركة ONGC Videsh الهندية على 10% من امتياز النفط البحري في أبو ظبي مقابل 600 مليون دولار أمريكي. 

أما العمالة الأجنبية، فهي تعد إحدى ركائز العلاقات الاقتصادية الهندية الخليجية، حيث تعد الجالية الهندية من أكبر الجاليات الأجنبية المتواجدة في الخليج، إذ وفقًا لتقديرات وزارة الشئون الخارجية الهندية عام 2018، هناك أكثر من 8.5 ملايين هندي بدول الخليج مقارنةً بـ5.7 ملايين هندي عام 2012. يساهم هذا في تقوية الاقتصاد الهندي، إذ تشير الإحصائيات إلى أنهم مثّلوا أكثر من 54% من إجمالي الناتج المحلي للهند، حيث أدى لزيادة التحويلات المالية الموجهة للهند التي وصلت عام 2018 إلى 48.5 مليار دولار، والتي تساهم في تقديم حل لارتفاع البطالة في الهند. وعلى الجانب الخليجي، تعتبر الهند مصدرًا للعمالة الرخيصة، خاصةً في قطاعات البناء والتشييد والخدمات.

وتنقسم العمالة الهندية في دول الخليج إلى ثلاث فئات؛ الأولى هي العمالة غير الماهرة التي تعمل في شركات البناء والمزارع والعمالة المنزلية. الثانية هي العمالة شبه الماهرة التي تشمل المتخصصين والمهنيين. الفئة الثالثة تتمثل في رجال الأعمال أصحاب الاستثمارات. وقد عمل الجانبان الخليجي والهندي على اتخاذ إجراءات تستهدف حماية العمالة الهندية، منها إبرام اتفاقات ومذكرات تفاهم بشأن العمالة، كما أصدرت دول الخليج تشريعات تسعى لتنظيم وجود العمالة الأجنبية وحمايتهم وضمان وجودهم بصورة شرعية، كما طبقت نظام العفو لإعطاء فرصة لمخالفي التأشيرة بالعودة للهند أو تجديدها. وعلى مستوى الهند، فقد أنشأت مكتب “حماية المهاجرين” الذي يتبع وزارة الخارجية، ويعمل على منح تأشيرة السفر، ويوجه الباحثين عن فرص عمل إلى وكلاء مسجلين، كما أنشأت “صندوق الرفاه الاجتماعي للمجتمع الهندي” في الدول التي يوجد بها أعداد كبيرة من العمالة الهندية.

التعاون الأمني

رغم أن أساس العلاقات الهندية الخليجية يقوم على الجانب الاقتصادي، تمثل أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 نقطة انطلاق التعاون الأمني بين الجانبين، فقد تم منح الهند صفة “شريك حوار” لدول الخليج في أكتوبر 2003 لتكون ثالث دولة بعد الولايات المتحدة واليابان التي تحصل على هذا الوصف. كما أن العمل القائم في الشرق الأوسط ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ لإجراء تغييرات في توازنات القوة، يعد أحد دوافع تعزيز التعاون الأمني. فقد أبدت الهند رغبة قوية في هذا التعاون، خاصة أن نيودلهي تمتلك قوامًا دفاعيًا متناسبًا مع مفاهيم دول الخليج حول مفهوم الشريك الاستراتيجي، بالإضافة إلى أن سياسة الارتباط مع الغرب “سياسة التوجه غربًا” التي اتبعها “مودي” قد ساهمت في التقريب بين الجانبين الهندي والخليجي. 

وتعد مكافحة الإرهاب أحد مجالات التعاون الأمني بين الجانبين، إذ تشير البيانات الرسمية إلى التعهد بتعزيز التعاون في هذا الشأن ليشمل مكافحة تواجد تنظيم داعش وتسليم العناصر الإجرامية وتبادل المعلومات الاستخباراتية، فقد اعتقلت الإمارات أفرادًا مرتبطين بالجريمة المنظمة الهندية، وعملت على ترحيل مواطنين هنديين منتمين لخلايا إرهابية. هناك أيضًا التعاون في مكافحة القرصنة البحرية لحماية التجارة المتبادلة. وهناك التدريبات العسكرية المشتركة، سواء على المستوى الثنائي مثل تلك التي تُقام مع سلطنة عُمان والإمارات والسعودية، أو متعدد الأطراف مثل تدريب ميلان الذي أُقيم في الهند. 

كانت أول مذكرة تفاهم عسكرية وقّعتها السعودية والهند في 2014 بموجبها تم تشكيل لجنة مشتركة للتعاون الدفاعي، بجانب الاتفاق على تدريب ضباط من القوات المسلحة في معاهد التدريب الدفاعي الهندية، وبدأت الدفعة الأولى لهذا التدريب في ديسمبر 2017 لمدة ثلاث سنوات في أكاديمية الدفاع الوطني. وفي فبراير 2019، تم الاتفاق بين البلدين على التعاون في الإنتاج الدفاعي لقطع الغيار للأنظمة البحرية والبرية. وعلى مستوى التعاون الدفاعي البحري، اتفقا على العمل مع الدول المطلة على المحيط الهندي لضمان الأمن في المحيط الهندي وبحر العرب. وفي أكتوبر من العام ذاته، أعلن البلدان عن أول تدريب بحري يتم إجراؤه في مارس 2020 لكن أُلغي بسبب جائحة كورونا.

في 2018، كانت هناك رغبة إماراتية لشراء نظام صواريخ “عكاش” أرض-جو الهندي، وأسرع مضاد للسفن في العالم BrahMos، وصاروخ “أسترا” جو-جو الذي يبلغ مداه 70 كم. وخلال زيارة الجنرال مانوج موكوند نارافاني قائد الجيش الهندي للإمارات في 2020، تم التوقيع على اتفاقيات للتعاون الدفاعي، كما تم أثناء معرض IDEX العسكري المُقام في الإمارات توقيع صفقة لتوريد ذخائر للهند.

وتعد العلاقات الدفاعية بين الهند وسلطنة عُمان راسخة، كونها أقدم شريك دفاعي للهند في الشرق الأوسط، حيث حصلت نيودلهي على إمكانية الوصول لميناء الدُقم العُماني، الذي يمكن استخدامه للأغراض العسكرية والدعم اللوجستي، ويسهل على الهند التوسع في منطقة المحيط الهندي. كما يشترك البلدان في تدريبات عسكرية منذ عام 2017. 

الفرص والتحديات

مما سبق ذكره، تتنوع الفرص أمام العلاقات بين الهند ودول الخليج، إذ يتضح أن العامل الاقتصادي كان أحد أكبر دوافع التعاون الهندي الخليجي، والذي يمكن أن يساهم في سياسات التنويع الاقتصادي التي تتبعها دول الخليج في السنوات الأخيرة لتنمية القطاعات غير النفطية. كما أن الاقتصاد كان سببًا في غض الطرف عن جوانب سياسية وعدم التدخل في الشئون الداخلية، بل كان أيضًا دافعًا لتقوية التعاون الأمني، حيث السعي لتأمين الممرات البحرية للحفاظ على استقرار النقل البحري لموارد الطاقة الخليجية الموجهة للهند، بالإضافة إلى أن استقرار منطقة الخليج بات من المصالح المتنامية لدى الهند المتمثلة بجانب الطاقة في العمالة الوافدة والتجارة ومكافحة القرصنة البحرية. 

أما من ناحية احتمالية ظهور الهند كضامن للأمن في الخليج بدلًا من الولايات المتحدة، فيمكن أن يساعد على هذا القرب الجغرافي لدول المنطقة، بالإضافة إلى أن الهند لن تحتاج تبعًا لذلك عدم إرسال قوات للتمركز بسبب سهولة وسرعة نشرها في حالة الضرورة، ويمكن للهند أن تلبي الاحتياجات العسكرية لدول الخليج في ظل وجود خطط لتطوير القدرات العسكرية الهندية. ويمكن لدول الخليج الاستفادة من تنامي العلاقات الهندية الإيرانية بأن تلعب نيودلهي دورًا بإقناع طهران بالتخلي عن برنامجها النووي.

ويعد قطاع البنية التحتية أيضًا مجالًا مفتوحًا للاستثمار، ويمكن لدول الخليج الدخول بقوة فيه بفضل رأس المال القوي الذي سيصبح مع التكنولوجيا الهندية تحالفًا فعّالًا. وعلى مستوى العلاقات الدفاعية، فهناك أفق كبير لتطوير التعاون في المستقبل استنادًا لسوابق قائمة على تبادل الذخائر والمعلومات الاستخباراتية.

رغم ذلك، هناك مجموعة تحديات تواجه العلاقات القوية بين الجانبين، فإن القوة الهندية لم تجعلها على مستوى القوة الأمريكية كضامن للأمن الخليجي. كما أن للبعد الجغرافي المتمثل في العلاقات الهندية الإيرانية تأثيرًا سلبيًا نظرًا لاعتبارات دول الخليج أن إيران تعد تهديدًا لأمن الخليج، كما تعد الهند ثاني أكبر سوق للنفط الإيراني حتى وقت قريب. بالإضافة إلى المواقف الخليجية المؤيدة لموقف باكستان في قضية إقليم كشمير على سبيل المثال. لكن يعمل الجانبان على تحقيق التوازن بينهما في التعامل مع القضايا المختلفة، والاتجاه نحو الاستقرار والأمان، إذ بات هناك بعض التراجع في المواقف الخاصة بهذه القضايا حفاظًا على تنامي العلاقات بين الجانبين.

وتتمثل بعض التحديات الخاصة بالشق الاقتصادي في ارتفاع الضريبة المفروضة على الصادرات الهندية لدول الخليج، بالإضافة إلى ضرورة حصول السلع الخليجية الواردة للهند على تراخيص استيراد، واضطرار دول الخليج لدفع ضرائب مثل ضريبة القيمة المضافة وضريبة المبيعات، بجانب أن الهند تفرض قيودًا على استثمار الشركات الأجنبية بقطاعات مثل الاتصالات والخدمات القانونية.

قد تكون العلاقات الخليجية مع الصين أحد هذه التحديات، ففي الوقت الذي تزداد فيه منافسة الهند والصين، تظهر مبادرة “الحزام والطريق” التي سعت دول الخليج لتكون فيها محورًا أساسيًا، وهي المبادرة التي تعارضها الهند، لكن تحاول دول الخليج بناء روابط مع الجانبين، لكن ستصبح هذه المسألة محل اختبار في حالة احتدام المنافسة الإقليمية بين الهند والصين.

فردوس عبدالباقي
باحثة بوحدة الدراسات الأسيوية