وحدة الدراسات الاقتصادية

كيف تأثّر قطاع السياحة في مصر بجائحة كورونا؟

بعد مرور أكثر من عام على اجتياح العالم لجائحة كورونا، وفي ظل توفر اللقاحات وبدء تعافي بعض القطاعات في الاقتصادات المختلفة؛ إلا أن قطاع السياحة ما زال من أكثر القطاعات تضررًا، بالإضافة إلى عدم وضوح التوقعات المستقبلية بشأن عودة السياحة. وعلى الرغم من تحسن التوقعات إلا أن التحديات لا تزال قائمة مع استمرار التوقف شبه الكامل لأنشطة السياحة حول العالم، وما يترتب عليها من تداعيات اقتصادية والتأثير على وضع ميزان المدفوعات. ووفقًا لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، فمن غير المتوقع حدوث انتعاش حقيقي في تدفقات السياحة الدولية قريبًا، وقد يستمر الأمر لعدة سنوات. وتتقارب تلك التوقعات مع تقديرات منظمة السياحة…

أسماء رفعت

بعد مرور أكثر من عام على اجتياح العالم لجائحة كورونا، وفي ظل توفر اللقاحات وبدء تعافي بعض القطاعات في الاقتصادات المختلفة؛ إلا أن قطاع السياحة ما زال من أكثر القطاعات تضررًا، بالإضافة إلى عدم وضوح التوقعات المستقبلية بشأن عودة السياحة. وعلى الرغم من تحسن التوقعات إلا أن التحديات لا تزال قائمة مع استمرار التوقف شبه الكامل لأنشطة السياحة حول العالم، وما يترتب عليها من تداعيات اقتصادية والتأثير على وضع ميزان المدفوعات.

ووفقًا لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، فمن غير المتوقع حدوث انتعاش حقيقي في تدفقات السياحة الدولية قريبًا، وقد يستمر الأمر لعدة سنوات. وتتقارب تلك التوقعات مع تقديرات منظمة السياحة العالمية التابعة للأمم المتحدة (UNWTO) التي أشارت إلى انخفاض أعداد السياح الدوليين الوافدين بنسبة 70٪ على أساس سنوي خلال الثمانية أشهر الأولى من عام 2020، مع خسارة عائدات السياحة الدولية ثمانية أضعاف ما تم تسجيله في عام 2009 وسط الأزمة المالية العالمية، مع عدم توقع التعافي إلى مستويات ما قبل الأزمة قبل عام 2023.

وفي ظل التوقف التام لنشاط السياحة وتضرر العاملين به، اتخذت الدولة العديد من الإجراءات الفورية لاستعادة تنشيط القطاع وتحسين أوضاع العاملين به، إلا أن الطبيعة الخاصة التي يتميز بها قطاع السياحة نتيجة تأثره الشديد بالأحداث الداخلية والخارجية، وارتباطه بالعديد من القطاعات الاقتصادية؛ أدى إلى التأثير على قطاع السياحة بشكل مباشر، وعلى الوضع الاقتصادي العام من خلال التأثير على قطاع السياحة. ومن ثم يتناول المقال دراسة وضع قطاع السياحة في مصر، ومدى انعكاس أزمة جائحة كورونا على قطاع السياحة، وانعكاس ذلك على الوضع الاقتصادي العام.

وضع قطاع السياحة المصري

يتسم القطاع السياحي المصري بعدد من السمات التي تجعل له طبيعته الخاصة؛ إذ يتسم بأنه قطاع كثيف العمالة، فتبلغ نسبة العاملين به نحو 9.5% من إجمالي العمالة المصرية، فضلًا عن أنه شديد التشابك مع القطاعات الأخرى بروابط أمامية وخلفية مثل قطاعات الصناعات الغذائية والمنسوجات والصناعات اليدوية والطيران والنقل وغيرها، ويساهم بنحو 12% من الناتج المحلي الإجمالي بصورة مباشرة وغير مباشرة، ومن ثم فإن تعرض قطاع السياحة للصدمات له تأثير مباشر على القطاع نفسه وتأثير غير مباشر على القطاعات الأخرى.

وبمقارنه تلك النسب بالنسب العالمية نجد ارتفاعها بدرجة ملحوظة، بما يعني ارتفاع درجة تأثر الاقتصاد المصري بانعكاسات أزمة جائحة كورونا على قطاع السياحة بدرجة أكبر من الاقتصادات الأخرى. فعلى مستوى دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، يساهم القطاع بشكل مباشر بـ4.4٪ من الناتج المحلي الإجمالي، ويستوعب 6.9٪ من العمالة في المتوسط.

انعكاس تأثّر قطاع السياحة بجائحة كورونا على الاقتصاد المصري

منذ اندلاع جائحة كورونا وصلت الإلغاءات السياحية بالفعل إلى 80٪ في منتصف مارس 2020 مقارنة بالفترة المماثلة من عام 2019، الأمر الذي انعكس على حجم الإيرادات السياحية ومستويات التشغيل والدخل المحلي. ويوضح الشكل التالي حجم الإيرادات السياحية قبل جائحة كورونا وبعدها وفقًا لبيانات البنك المركزي المصري.

وتمثل الإيرادات السياحية والمدفوعات الواردة من قناة السويس والتحويلات المالية من المصريين العاملين في الخارج نسبة كبيرة من الناتج المحلي الإجمالي، وبالتالي فإن أي اضطرابات في مصادر الدخل بالنقد الأجنبي تكون لها آثار بعيدة المدى على الوضع الاقتصادي. ويوضح الجدول التالي انعكاس تأثر قطاع السياحة بجائحة كورونا على ميزان المدفوعات من خلال تأثير الإيرادات السياحية على ميزان الخدمات، ومن ثم على الحساب الجاري وميزان المدفوعات منذ عام 2014/2015 حتى الربع الأول من عام 2020/2021. 

وتشير بيانات ميزان المدفوعات إلى تراجع فائض ميزان الخدمات خلال عام 2019/2020 والربع الأول من عام 2020/2021 نتيجة تراجع الإيرادات السياحية؛ ففي عام 2019/2020 تراجعت الإيرادات السياحية بمقدار 2711.6 مليون دولار مقارنة بالعام السابق له، في مقابل تراجع ميزان الخدمات بمقدار 4064 مليون دولار خلال الفترة نفسها، وزيادة عجز ميزان الدفوعات بمقدار 8484.7 مليون دولار. وبالمثل ساهم تراجع الإيرادات السياحية خلال الربع الأول من عام 2020/2021 في تراجع ميزان الخدمات والميزان الكلي. وبمراجعة توقعات صندوق النقد الدولي بشأن الإيرادات السياحية قبل جائحة كورونا وبعدها يتبين الاختلاف الكبير كما يوضحه الشكل التالي:

جهود الدولة المصرية لدعم قطاع السياحة

تعرض قطاع السياحة لعدد من الأزمات الخارجية والداخلية، مثل تداعيات ثورة يناير 2011، وثورة يونيو 2013، وأزمة حظر بعض الدول سفر مواطنيها لمصر في 2015/2016، بما أدى إلى عجز أصحاب المنشآت السياحية عن الوفاء بالعديد من التزاماتهم المالية، بالإضافة إلى تعثر 90% من الفنادق وتسريح عدد كبير من العمالة. لذلك تبنت الدولة العديد من المبادرات على مستوى السياسة النقدية والمالية للتخفيف من أثر جائحة كورونا على قطاع السياحة وتخفيف العبء عن العاملين به، فأعلن الرئيس عبدالفتاح السيسي عن تخصيص 100 مليار جنيه مصري (6.4 مليارات دولار أمريكي تعادل 2٪ من الناتج المحلي الإجمالي) لتمويل خطة شاملة لمكافحة فيروس كورونا، على أن يخصص نصف الميزانية لقطاع السياحة والباقي لدعم الأسر الفقيرة والبورصة من خلال برنامج شراء الأسهم.

وقد أطلق البنك المركزي عدة مبادرات لدعم القطاع، من أبرزها مبادرة إحلال وتجديد فنادق الإقامة والفنادق العائمة وأساطيل النقل السياحي التي تم إطلاقها في يناير 2020، وتم بموجبها إتاحة مبلغ 50 مليار جنيه من خلال البنوك بسعر عائد 8 % يُحسب على أساس متناقص (تم تخفيضه من 12% إلى 10% ثم 8%) لتمويل إحلال وتجديد فنادق الإقامة والفنادق العائمة وأساطيل النقل السياحي.

وفي فبراير 2021، تم إصدار تعهد بمبلغ 2 مليار جنيه على شرائح لصالح شركة ضمان مخاطر الائتمان كمظلة لضمان أرصدة الضمانات الصادرة من الشركة لصالح البنوك لتغطية جزء من المخاطر المصاحبة لتمويل الشركات السياحية ضمن مبادرة إحلال وتجديد فنادق الإقامة والفنادق العائمة وأساطيل النقل السياحي.

كما تم إطلاق مبادرة تمويل سداد رواتب وأجور العاملين بالقطاع السياحي بضمانة وزارة المالية الصادرة بتاريخ 16 يونيو 2020، وتعديلها في نوفمبر 2020 والتي تم من خلالها تخصيص شريحة بمبلغ 3 مليارات جنيه بهدف منح تسهيلات ائتمانية للشركات العاملة في القطاع السياحي لسداد مستحقات العاملين بالقطاع من رواتب وأجور لمدة ستة أشهر اعتبارًا من تاريخ منح التسهيلات الائتمانية للعملاء، وبحيث يتم تخصيص 40% على الأقل من التسهيلات لسداد رواتب وأجور العاملين المؤمن عليهم فعليًا، وبحد أقصى خمسة وعشرين ألف جنيه للعامل شهريًا.

كما تم إصدار تعديلات بشأن مبادرة دعم قطاع السياحة الصادرة في 13 مارس 2013، إذ تم مد فترة سريان مبادرة دعم قطاع السياحة لمدة عام إضافي لتنتهي بنهاية شهر ديسمبر 2021، يتم خلالها قبول أي طلبات تأجيل لاستحقاقات البنوك لمدة حدها الأقصى 3 سنوات. كما تم تعديل مبادرة قروض التجزئة للعاملين بقطاع السياحة الصادرة في 7 ديسمبر 2015 في ظل تأثير أزمة كورونا على قطاع السياحة، فتم مد فترة سريان المبادرة لمدة عام لتنتهي بنهاية شهر ديسمبر 2021 يتم خلالها السماح للبنوك بإمكانية ترحيل استحقاقات عملاء القروض لأغراض استهلاكية، والقروض العقارية للإسكان الشخصي لمدة 6 أشهر إضافية من تاريخ استحقاقها وذلك للعملاء المنتظمين فقط وفقًا لمركز 30 سبتمبر 2020 للعاملين بقطاع السياحة، مع عدم احتساب فوائد التأخير عن تلك الفترة. مع إمكانية تأجيل استحقاقات العملاء من العاملين بقطاع السياحة السابق استفادتهم من مبادرة قروض التجزئة للعاملين بقطاع السياحة منذ صدورها في 7 ديسمبر 2015. 

وقدم البنك المركزي مبادرة بسعر فائدة 5% لسداد مرتبات العاملين بشرط عدم تسريح العمالة، ووافق على المساهمة بنسبة 50 % في تمويل تكلفة حملة تسويقية دولية يتم إعدادها للترويج للمقصد السياحي المصري. وقامت وزارة السياحة والآثار بالتنسيق مع وزارة البيئة بإرجاء تطبيق قرار وزيرة البيئة رقم 204 لسنة 2019 الخاص بتحصيل رسوم زيارة المحميات “الجزر الشمالية، ووادي الجمال، وجبل علبة، والجزر البعيدة.

كما أعلن مجلس الوزراء عن تدشين مبادرة “شتي في مصر” لتشجيع السياحة الداخلية، كما تم تخفيض سعر الوقود الخاص بقطاع الطيران بمقدار 15 سنتًا للجالون الواحد اعتبارًا من 15 من يناير الماضي وحتى نهاية عام 2021 بالتعاون مع وزارة البترول. كما قامت وزارة القوى العاملة بصرف خمس دفعات من إعانات الطوارئ للعاملين بقطاع السياحة بمبلغ 878 مليونًا و121 ألفًا و760 جنيهًا. وتم تأجيل سداد جميع المستحقات على المنشآت السياحية والفندقية، وإعفاء جميع البازارات والكافيتريات الموجودة في المواقع الأثرية من دفع الإيجار لحين استئناف السياحة بشكل آمن. وتم تمديد فترة سداد الضرائب العقارية للشركات في قطاع الصناعة والسياحة.

الآفاق المستقبلية لدعم قطاع السياحة

أوضحت أزمة جائحة كورونا مدى حساسية قطاع السياحة للاضطرابات، وانعكاس ذلك على الوضع الاقتصادي العام، الأمر الذي تطلب تكاتف كافة الوزارات لتقديم الدعم والمساندة لقطاع السياحة والعاملين به. وقد أفرزت تلك الأزمة ضرورة النظر على المدى الطويل، وسد الثغرات التي تم الكشف عنها، ووضع استراتيجيات خاصة لضمان استدامة نمو القطاع، والتوجه نحو بناء اقتصاد سياحي أكثر مرونة بعد انتهاء جائحة كورونا. فعلى الرغم من تمتع مصر بالعديد من أنواع السياحة؛ إلا أنها تشتهر بالسياحة الترفيهية والشواطئ والسياحة الثقافية، إذ تحتل نصيب 95% من إجمالي السياحة الواردة لمصر. في حين تحتل سياحة المعارض والمؤتمرات المركز الأول في مستوى الإنفاق. ومن جهة أخرى، تستحوذ الدول الأوروبية على النصيب الأكبر من السائحين القادمين لمصر بنسبة تتجاوز 50%، إلا أن السائح العربي هو الأكثر إنفاقًا. وبمراجعة تلك النسب يمكن توجيه حملات الترويج للدول الأكثر إنفاقًا وأنواع السياحة الأعلى عائدًا.

 كما يمكن إعداد برامج دائمة للمساندة الاجتماعية للعاملين في قطاع السياحة يتم تمويلها خلال فترات رواج السياحة، بما يضمن تقديم الدعم لكافة عناصر النظام الإيكولوجي السياحي لإبقاء الشركات العاملة في المجال وتقليص خسائرها في أوقات الأزمات.ومن جهة أخرى، يمكن العمل على ربط القطاعات شديدة التأثر بالأزمات بالقطاعات الأخرى الأكثر استقرارًا، مثل ربط قطاع السياحة بقطاع التطوير المعماري والحضاري، لضمان استمرارية التشغيل والإنتاج والتعويض جزئيًا عن توقف حركة السياحة. وأخيرًا، يمكن الاستفادة من فرص التطور التكنولوجي وانتشار الخدمات الإلكترونية في الترويج للسياحة الافتراضية من خلال إنشاء منصات إلكترونية تسمح بزيارة الأماكن السياحية بمقابل مالي عن طريق الإنترنت، مع ضمان إتاحة البنية التحتية والتكنولوجية التي تسمح بذلك.

أسماء رفعت