تحديات الملف الأمني في ليبيا

عضو الهيئة الاستشارية

بعد سنوات من الاحتراب الداخلي والفوضى، تحولت معها ليبيا من الدولة النفطية الغنية بمواردها الطبيعية الى دولة فاشلة تتكالب عليها القوى الإقليمية والدولية من اجل نهب خيراتها وتحقيق اطماعها. وبعدما اثبت منطق التصعيد العسكري فشله في حسم المعركة او فرض واقع جديد على الارض، تحول كبير يطرأ اليوم على المشهد الليبي، بعد ان اخذت التطورات منحى ديبلوماسيا وسياسيا، توج بتنصيب حكومة وطنية جديدة، ستقوم بقيادة المرحلة الانتقالية الى حين اجراء الانتخابات، خلال نهاية العام الجاري.  كثير من التفاؤل يصاحب تنصيب الحكومة الجديدة، وان كان حجم التحديات التي تنتظرها تبقى كبيرة وشائكة، وتجعل مسألة إجراء الاستفتاء على الدستور ومن ثم الانتخابات…

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

بعد سنوات من الاحتراب الداخلي والفوضى، تحولت معها ليبيا من الدولة النفطية الغنية بمواردها الطبيعية الى دولة فاشلة تتكالب عليها القوى الإقليمية والدولية من اجل نهب خيراتها وتحقيق اطماعها. وبعدما اثبت منطق التصعيد العسكري فشله في حسم المعركة او فرض واقع جديد على الارض، تحول كبير يطرأ اليوم على المشهد الليبي، بعد ان اخذت التطورات منحى ديبلوماسيا وسياسيا، توج بتنصيب حكومة وطنية جديدة، ستقوم بقيادة المرحلة الانتقالية الى حين اجراء الانتخابات، خلال نهاية العام الجاري. 

كثير من التفاؤل يصاحب تنصيب الحكومة الجديدة، وان كان حجم التحديات التي تنتظرها تبقى كبيرة وشائكة، وتجعل مسألة إجراء الاستفتاء على الدستور ومن ثم الانتخابات في موعدها امرا غير مؤكد. ومن ضمن هذه التحديات هناك الملف الأمني باعتباره الأكثر تعقيدا، خاصة فيما يتعلق بسحب السلاح وإخراج المرتزقة، الذين ارتفعت أعدادهم بشكل كبير، وبدت واضحة الاجندات والمصالح التي جاءوا من أجلها.

من ناحية، لن تتوانى القوى ذات المصلحة في استخدام المرتزقة كورقة ضغط على الحكومة الجديدة، خاصة أولئك الذين ينتشرون في الأماكن الاستراتيجية بالبلاد وحول حقول النفط وموانئ التصدير. من ناحية أخرى، استمرار وجودهم سيخلق الكثير من العراقيل في طريق تحقيق السلام في البلاد، وسيزيد من صعوبة تحقيق مخرجات الحوار الوطني في جنيف. والأكيد ان الحكومة الجديدة لن تستطيع اخراجهم بدون إرادة دولية ومساندة قوية من مجلس الأمن والولايات المتحدة، من خلال دعمهما عملية الاستقرار والحل السياسي والضغط على الدول الأجنبية بسحب قواتها. 

بحسب الأمم المتحدة، هناك ما يقارب 20 ألف جندي ومرتزقة في ليبيا نهاية عام 2020، لم يتم سحب أي مجموعة منهم لحدود اليوم. وهم في الغالب موزعون حول سرت، التي تقع بين طرابلس وبنغازي ما يعطيها أهمية حيوية بين شرق ليبيا وغربها. وفي الجفرة جنوبا، على بعد 500 كم جنوب طرابلس. وفي الوطية غربا حيث توجد أكبر قاعدة عسكرية على الحدود التونسية. وأشهر هذه المجموعات، مجموعة فاغنر الروسية، والمرتزقة السوريين الذين جلبتهم تركيا لدعم حكومة الوفاق في طرابلس، ومرتزقة من تشاد وتونس، ومرتزقة من دارفور، الذين باتوا يفضلون الاستمرار في ليبيا والسيطرة على طرق تهريب البشر والوقود، بدلا من العودة إلى موطنهم.

بالإضافة الى مسألة المرتزقة، التي لا يتوقع التوصل فيها إلى حل جذري، يواجه السلطة الليبية الجديدة تحدي اخر يتعلق بسحب السلاح وتوحيد المؤسسة العسكرية. من ناحية، اتفقت لجنة “5+5” على تجميد العمل بالاتفاقات العسكرية، لا سيما في مجال التدريب، من أجل إفساح المجال لتوحيد المؤسسات العسكرية من دون تدخلات خارجية، وهو اتفاق يضع قاطرة ليبيا على المسار الصحيح. من ناحية اخرى، لم يتم الاتفاق بخصوص حقيبة الدفاع التي لا تزال خالية بسبب التدخلات الخارجية وشبه الانسداد الداخلي في تعيين شخص بعينه من منطقة بعينها، وفق ما أشار اليه، عبد الحميد الدبيبة، رئيس الحكومة الليبية امام مجلس النواب. 

اختار الدبيبة الاحتفاظ بالحقيبة لنفسه، لكن المشهد الجديد لا يكتمل إلا بتسمية وزير للدفاع. وهذه التسمية يمكن ان تفجر الوضع في أي وقت اذا لم يصل رئيس الحكومة الى التوافق حول شخص يكون محسوبا على الجيش، من ناحية. ومن ناحية أخرى، عليه توافق كافة او على الأقل جل الاطراف، خاصة أن صلاحيات الوزير تتمثل في جميع الأمور العسكرية (بشقها السياسي والاقتصادي) التي ترغب الأطراف المتنازعة جميعها الحصول عليها.

بخصوص تفكيك الميليشيات وسحب السلاح، ستعمل الحكومة على حصر وتصنيف كل الجماعات المسلحة وتحديد أمرائها، ومن تم سيكون امامها خيارين: إما دمج التشكيلات المسلحة داخل المؤسسة الأمنية او العسكرية بشكل فردي ووفق أسس محددة وواضحة وحسب شروط ومعايير كل مؤسسة، مع سحب وتجميع السلاح المتوسط والثقيل المنتشر خارج إطار الدولة، ويكون حكرا على الحكومة. او ارغام الميليشيات على تقديم أسلحتها وتسريحها، مراعاة للمخاطر التي يمكن ان تثيرها عملية الدمج. ذكر رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، أن الأسس التي سيعمل عليها، بهذا الخصوص، ستكون مهنية ومتوافقة مع جهود اللجنة العسكرية المشتركة “5+5″، التي اجتمعت، الاحد الماضي، في مقرها الدائم بسرت. وغياب آليات واضحة سيضع المنفي نفسه في مأزق، كون تلك العناصر المسلحة لن ترضى بالقليل بعد حصولها على الكثير من المكاسب الفترة الماضية.

في جميع الحالات، سيكون من الصعب على الحكومة الجديدة القيام بعملية سحب السلاح بمفردها دون دعم داخلي (من قبل الأهالي تحديدا) وخارجي (الأمم المتحدة والمجتمع الدولي)، خاصة انه من المتوقع ان تواكب هذه العملية معارضة، قد تصل الى مواجهة عسكرية، من بعض الميليشيات والمجموعات المسلحة، مما سيتطلب الضغط على القيادات التي ترفض تسليم سلاحها اما بفرض القانون بالقوة او من خلال فرض عقوبات عليها من مجلس الأمن.

على الرغم من كل هذه التحديات، فرص نجاح الحكومة الليبية تبقى كبيرة في ظل الضغط الأمريكي ودعم مجلس الامن من اجل إعادة الاستقرار لليبيا ولم شمل الليبيين.

الاهرام اليومي

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

مقالات أخرى للكاتب