14، 34، 114، 116

عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

تلخص الأرقام الأربعة في عنوان هذا المقال التحدي الذي نواجهه، وطبيعة المهام التي يجب التصدي لها. فبسكانها الذين يتجاوز عددهم المائة مليون، تحتل مصر المرتبة الرابعة عشرة بين دول العالم، وهي مرتبة متقدمة جدا. التصدر المصري لدول العالم ينتهي عند هذا الحد. فمن حيث حجم الاقتصاد والناتج المحلي الإجمالي تحتل مصر المرتبة أربعة وثلاثين بين دول العالم، وهنا تبدأ الفجوة في الظهور؛ الفجوة بين السكان من ناحية، وحجم الثروة القادرين على إنتاجها من ناحية أخرى. تزداد الفجوة اتساعا إذا نظرنا إلى ترتيب مصر بين دول العالم من حيث متوسط دخل الفرد، فعلى هذا المؤشر يتراجع ترتيبنا إلى المرتبة 114، ليتبين…

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

تلخص الأرقام الأربعة في عنوان هذا المقال التحدي الذي نواجهه، وطبيعة المهام التي يجب التصدي لها. فبسكانها الذين يتجاوز عددهم المائة مليون، تحتل مصر المرتبة الرابعة عشرة بين دول العالم، وهي مرتبة متقدمة جدا. التصدر المصري لدول العالم ينتهي عند هذا الحد. فمن حيث حجم الاقتصاد والناتج المحلي الإجمالي تحتل مصر المرتبة أربعة وثلاثين بين دول العالم، وهنا تبدأ الفجوة في الظهور؛ الفجوة بين السكان من ناحية، وحجم الثروة القادرين على إنتاجها من ناحية أخرى. تزداد الفجوة اتساعا إذا نظرنا إلى ترتيب مصر بين دول العالم من حيث متوسط دخل الفرد، فعلى هذا المؤشر يتراجع ترتيبنا إلى المرتبة 114، ليتبين لنا النصيب المحدود الذي يحصل عليه، ويسهم به، الفرد في مصر في إنتاج الثروة الوطنية. 

تلخص المؤشرات الثلاثة أزمة التنمية في مصر، وتوضح لنا بلا تجميل حجم الفجوة التي تفصلنا عن العالم، وتحدد لنا طبيعة المهمة المطلوب تنفيذها، فالمطلوب هو سد  هذه الفجوة، وتقريب سجلنا في متوسط دخل الفرد وحجم الناتج من رصيدنا في عدد السكان. الفجوة القائمة واسعة جدا، ولا بديل عن التحرك بأقصى سرعة لسدها، ولا محل للتساؤل عن السبب الذي يدعو القيادة السياسية للتحرك السريع في سبيل التنمية.

المصريون عددهم كبير، وهو أكبر من أن تستطيع موارد البلاد المحدودة إعاشتهم بكرامة؛ والحل المنطقي هو تخفيض الزيادة السكانية، وزيادة موارد البلاد. المشكلة هي أنه لا يوجد في مصر وفرة في الموارد الطبيعية، فالمياه محدودة، والصحراء تحيط بالأرض الزراعية، ولسنا من البلاد الغنية بمصادر الطاقة التقليدية. أما المعضلة فتتمثل في أن السكان هم أهم مورد لنا؛ وكأن السكان هم الداء والدواء، وأنه أيا كان مستوى النجاح المتحقق في تخفيض الزيادة السكانية، فلا بديل عن تحويل السكان من عبء إلى رصيد، ومن عالة على الدولة والمجتمع إلى إضافة لموارده، ومن ماكينات استهلاك إلى قوى إبداع وإنتاج، وهذا مغزى الرقم 116.

مائة وستة عشر هو ترتيب مصر بين دول العالم على مؤشر التنمية البشرية، الذي يقيس حالة السكان على مؤشرات ثلاث، هي التعليم والصحة والدخل. لاحظ أن ترتيبنا على مؤشر التنمية البشرية قريب جدا من ترتيبنا بين دول العالم من حيث متوسط دخل الفرد، وكأن مستوى التنمية البشرية المتواضع المتحقق عندنا هو السبب المباشر في انخفاض متوسط الدخل، وأن الارتقاء بمستوى التنمية البشرية وإطلاق طاقات الأفراد هو الطريق الأسرع لسد فجوة السكان والثروة التي نعاني منها. 

التعليم والتدريب والثقافة، من أجل تطوير قدرات الأفراد، ليتحولوا إلى مبتكرين ومخترعين ورواد أعمال، وليخلقوا الوظائف والثروة لأنفسهم وللآخرين من حولهم، هو الطريق لتحويل السكان من عبء إلى رصيد. المؤكد هو أن للتعليم أهمية كبرى في هذا المجال، وأن علينا التركيز على كل ما يرفع من جودة مخرجات نظام التعليم، فينتج لنا مهندسا وطبيبا ومستثمرا وفنانا ومحاميا أرقى وأفضل، الأمر الذي لم يتحقق إلى الآن، إلا في جيوب ضيقة باهظة التكلفة في التعليم الخاص. وحتى نرى نتائج خطة تطوير التعليم في المراحل المبكرة التي بدأت قبل ثلاثة أعوام، فإن سؤال جودة التعليم يظل مطروحا ينتظر إجابة.

غير أن تعليم الأفراد وتدريبهم لا يكفي لإطلاق الطاقات لو بقيت القوانين والإدارة البيروقراطية جامدة، تكبل المبادرات، وتخنقها بالإجراءات والشك والفساد، الأمر الذي يدفع أفضل ما لدينا من عقول إلى الهجرة، أو للتحول إلى قوة غضب ثورية تشيع عدم الاستقرار. تطوير قدرات الأفراد جنبا إلى جنب مع تطوير التشريعات والبيروقراطية والمؤسسات هو الطريق لإطلاق الطاقات، ولتحويل السكان إلى أداة لسد الفجوة، وليس إلى توسيعها.

ما يجري في مصر الآن هو ورشة عمل كبرى غير مسبوقة، فأينما ذهبت وجدت بناء يقام، وطريقا يشق، وجسرا طائرا يربط أحياء ومناطق لم تتصل ببعضها مباشرة من قبل، وبحيرة تستعيد شبابها، وحقل جيد يخضر. معدلات البناء والتغيير سريعة خاطفة، ومعدلات النمو الاقتصادي تتسارع، لكنها مازالت أقل مما نحتاجه بالفعل، وأقل من أن يسد فجوة التنمية، فليس أمام مصر سوى أن تنمو بسرعة، وأن تواصل النمو، لكي تقترب بمستوى معيشة المصريين من أقرانهم في بلاد سبقتنا.

الدولة لم تدخر جهدا لتسريع التنمية؛ فقد جمعت الموارد، وأحسنت إدارتها، وكافحت الفساد، وأطلقت خططا ومشروعات غير تقليدية، وعليها مواصلة التقدم في هذا الاتجاه، الذي وصل  بمعدل النمو إلى خمسة بالمائة قبل الجائحة. أما الانطلاقة الكبرى، والوصول بمعدل النمو إلى عشرة بالمائة، كما حدث في كوريا والصين وسنغافورة من قبل، فستحدث عندما ننجح في الارتقاء بمعارف ملايين المصريين ومهاراتهم، وعندما نطلق طاقات هؤلاء الملايين بحرية وبدون عشوائية، فيضيفون للتنمية أفكارا ومشروعات ومبادرات وابتكارات، من النوع الذي لا يمكن للحكومة وأجهزتها الوصول إليه أو تنفيذه بنجاح. فالدولة بأجهزتها هائلة الحجم وإمكانياتها الكبيرة مؤهلة للمشروعات القومية الكبرى الرائعة، في مجالات الطاقة والبنية التحتية؛ فيما الأفراد أصحاب التعليم والمهارة والصلة مع العصر أقدر على إدارة مشروعات تكنولوجية وتجارية مبتكرة، يلزمها الكثير من التجريب والمرونة وقرارات سريعة يتم اتخاذها لحظيا. 

في تنمية مصر تحصين لها ضد تطاول الخارج، وضد انفجارات الداخل، التي تتحول إلى عواصف تطيح بالدولة والشعب والأخضر واليابس، ولنا في سوريا مثالا محزنا. التنمية ليست قضية اقتصاد وإدارة فقط، لكنها أيضا قضية أمن قومي، لأنه في غياب التنمية السريعة المتواصلة تهديد لاستقلالنا، ولبقائنا نفسه. 

14، 34، 114، 116. أربعة أرقام تلخص حالتنا التنموية وحجم الفجوة المطلوب سدها. على كل موظف في الحكومة، وكل طالب في مدرسة وجامعة حفظ هذه الأرقام، ومتابعة تغيرها في كل عام، لنعرف ما إذا كنا نسير على الطريق السليم بالسرعة الكافية. 

ــــ

نقلا عن “جريدة الأهرام”، ١٨ مارس ٢٠٢١.

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

مقالات أخرى للكاتب