“بايدن” والتفاوض على الملأ

عضو الهيئة الاستشارية

من أغرب التصريحات التي تلفت الانتباه قول متحدث رسمي للخارجية الأمريكية: «أعتقد أننا في حالة تفاوض مع إيران بشأن الاتفاق النووي»، مضيفاً أن الأمر يتم عبر قنوات غير مباشرة، من بينها أطراف أوروبية. غرابة التصريح تأتى من كلمة «أعتقد»، والتي تعنى أن الأمر ليس مؤكداً، وإنما هو شعور لدى صاحبه بأن هناك شيئاً يحدث بغرض التوصل إلى ترتيبات معينة لاحقاً. التفاوض كما هو معروف للعاملين في مجال الدبلوماسية والمنظمات الدولية وأيضاً بين أصحاب الأعمال بمستوياتهم المختلفة والمصارف الكبرى، يعنى عملية معقدة للغاية حول مصالح مهمة للطرفين أو الأطراف المتفاوضة، وتهدف إلى تقريب المسافات والوصول إلى اتفاقات يراها المفاوضون تتناسب مع…

د. حسن أبو طالب
عضو الهيئة الاستشارية

من أغرب التصريحات التي تلفت الانتباه قول متحدث رسمي للخارجية الأمريكية: «أعتقد أننا في حالة تفاوض مع إيران بشأن الاتفاق النووي»، مضيفاً أن الأمر يتم عبر قنوات غير مباشرة، من بينها أطراف أوروبية. غرابة التصريح تأتى من كلمة «أعتقد»، والتي تعنى أن الأمر ليس مؤكداً، وإنما هو شعور لدى صاحبه بأن هناك شيئاً يحدث بغرض التوصل إلى ترتيبات معينة لاحقاً.

التفاوض كما هو معروف للعاملين في مجال الدبلوماسية والمنظمات الدولية وأيضاً بين أصحاب الأعمال بمستوياتهم المختلفة والمصارف الكبرى، يعنى عملية معقدة للغاية حول مصالح مهمة للطرفين أو الأطراف المتفاوضة، وتهدف إلى تقريب المسافات والوصول إلى اتفاقات يراها المفاوضون تتناسب مع أهدافهم ومصالحهم المشتركة.

والمعتاد أن تتم هذه المفاوضات في الغرف المغلقة وتُحاط بقدر من الغموض، ويتم تبادل المعلومات المتعلقة بالقضية محل التفاوض بتدرّج لا يخلو من سرية أو تضليل متعمّد بهدف التأثير على قرار الطرف الآخر. وحين ينتهي الأمر بالتوصل إلى اتفاق محدّد المعالم يمكن نشره كاملاً أو أجزاء منه وفقاً لما يرى المفاوضون أنه يحقق لهم أكبر منفعة ممكنة. ولذا غالباً ما تمر سنوات، ويكتشف الرأي العام أن هناك ملحقات سرية أو بنوداً معينة لم يتم توضيحها للرأي العام في حينه.

في الوقت الحالي، أصبحنا نجد جانباً من التفاوض التمهيدي، خاصة الدولي، يتم عبر وسائل الإعلام التقليدية، أو من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، كالتغريدات لكبار المسئولين المعنيين، بغرض تحديد خطوط عامة والتعبير عن جدية العرض للطرف الآخر. هذا النوع من التفاوض التمهيدي، وجوهره التصريحات المعلنة، أصبح لا غنى عنه، لأنه يُعد بمثابة تعبير عن نوايا سلمية بهدف احتواء أزمة، ثبت أن حلها لا يتم إلا من خلال تجنّب العنف والإيذاء المادي والمعنوي، والاتصال المباشر مع الطرف المعنى.

في هذا التفاوض العلني التمهيدي تتضح بعض المحددات من كلا الطرفين أو الأطراف ذات الصلة بالأزمة، غالباً لا تخلو من غموض أو عرض جاذب أو شروط عامة، وتبقى التفاصيل لحين الاتصال المباشر في الغرف المغلقة التي يشارك فيها المسئولون من الأطراف المعنية لصياغة وثيقة ملزمة ذات طابع قانوني، تحدّد الإلزامات المتبادَلة وطريقة تطبيقها. وكلما كانت القضية ذات أبعاد متشابكة مع أمور فنية وقانونية وسياسية وعسكرية، كلما أخذ التفاوض على التفاصيل وقتاً قد يمتد إلى عدة أشهر أو ربما أعوام.

وتأتى بعد ذلك المرحلة الأهم، وهي الترويج للاتفاق وإقناع الرأي العام المحلى بأنه حقّق أكبر مصلحة ممكنة للبلاد، ويتلوها اتخاذ الإجراءات العملية، لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه.

في واقعنا الراهن تطورات مختلفة تصنّف كمرحلة تفاوض تمهيدي، رغم ما يُثار أحياناً من مواقف متشدّدة من أحد الأطراف. أبرز تلك الحالات الدعوة الأمريكية إلى وقف إطلاق النار في اليمن، ودعوة أخرى لإيران للتفاوض حول برامجها النووية والصاروخية، ودعوة ثالثة لكوريا الشمالية لبحث برنامجها النووي، ودعوة رابعة للصين لبحث التوترات التجارية، ودعوة خامسة لحركة طالبان الأفغانية لبحث عملية التسوية وتأمين خروج القوات الأمريكية. وهناك أيضاً دعوات أمريكية تجاه أزمات أخرى، ولكنها لا تُصنّف كمرحلة تفاوض تمهيدي، مثل دعوة الأمم المتحدة لإجراء تحقيق دولي حول ما يُثار كجرائم حرب في إقليم تيجراي الإثيوبي ومسئولية القوات الإثيوبية والإريترية.

جُل تلك الدعوات الأمريكية هي انعكاس للمبدأ الذي أعلنه الرئيس بايدن المتعلق باعتماد الدبلوماسية والحوار لحل المشكلات المختلفة التي تتقاطع فيها المصالح الأمريكية الكبرى في أقاليم متعدّدة. وهو مبدأ يقترن من وجهة نظر بايدن بالمهام الملقاة على عاتق بلاده، باعتبارها القوة الأكبر والمعنية بسلام العالم من جهة، ووقف الانتشار النووي من جهة أخرى. وواقعياً فنحن أمام عملية تمس أزمات معقّدة، ترافقها شكوك من الأطراف الأخرى في رغبة الولايات المتحدة لتحقيق سلام مُستدام، وشكوك أخرى تتعلق بطبيعة العرض الأمريكي للتفاوض. فمن وجهة نظر إيران أن مطلب أمريكا بالتزام طهران بالاتفاق النووي والتراجع عن الخطوات التصعيدية التي تم اتخاذها في الأشهر الستة الماضية، لا سيما رفع مستوى التخصيب النووي، ودون أن ترفع الولايات المتحدة العقوبات أو جانباً منها أولاً، هو عرض مرفوض، لأنه يعنى انصياع إيران دون مقابل، وهو ما لا يمكن تسويقه في الداخل أو يقبله المرشد الأعلى. وفى المقابل تطرح طهران منهجية خطوة مقابل خطوة، أي تنازل إيراني محدّد يقابله تنازل أو تراجع أمريكي محدّد، وهكذا تدور العجلة ويتحقّق التوافق تدريجياً. لكن في الآن ذاته عدم قبول مناقشة أي شيء يتعلق بالبرنامج الصاروخي أو علاقات إيران مع جماعات أو منظمات تتبع النفوذ الإيراني في الإقليم.

في حالة كوريا الشمالية تبدو مرحلة التفاوض التمهيدي لم تبدأ بعد، فمقابل العرض الأمريكي بالعودة إلى التفاوض المباشر، صمتت بيونج يانج، لم تخرج كلمة واحدة سلباً أو إيجاباً. والتلميح الوحيد الذي أشار إليه الزعيم الكوري كين يونج في احتفال عسكري أن بلاده تتعامل خارجياً بمبدأ العين بالعين والسن بالسن. بعض المراقبين في كوريا الجنوبية يرون هذه الإشارة بمثابة رد غير مباشر على الدعوة الأمريكية، لأنها تعكس تمسّكاً بما تراه بيونج يانج «التوازن» في أي اتفاق مع الولايات المتحدة أو غيرها، وأن على واشنطن أن تلتزم بتوقيع اتفاق أو معاهدة اعتراف وعدم اعتداء، ورفع العقوبات، لا سيما ما يتعلق بالمواد الغذائية والطبية وإفساح التعاملات الطبيعية لبنوك كوريا الشمالية مع نظرائها في العالم. وهي مطالب تتردّد واشنطن في الالتزام بأي منها، وتطلب أولاً بإنهاء البرنامج النووي الكوري الشمالي والتخلص من القنابل النووية والصواريخ الحاملة لها.

يمنياً، جاء رد حركة أنصار الله الحوثية على دعوة وقف إطلاق النار التي قبلها التحالف بقيادة السعودية، بالرفض، لأنها مؤامرة أمريكية، والمطالبة بما يصفونه بوقف العدوان وفتح المنافذ البحرية والجوية دون قيود قبل أن يوافقوا على وقف إطلاق النار. ثم أعيد تفسير هذا الرفض باعتباره توضيحاً للمطالب الحوثية، وليس رفضاً قاطعاً.

النماذج الثلاثة على هذا النحو بما فيها من دعوات وشروط وشروط مضادة، وفى حال ممارسة واشنطن نفوذاً سياسياً متعدد المستويات، يمكن أن تتحول إلى لقاءات تفاوضية مباشرة لاحقاً غالباً ستمتد لفترة طويلة، أما نجاحها فليس مضموناً.

ــــ

نقلا عن جريدة الوطن، ١٦ مارس ٢٠٢١.

د. حسن أبو طالب
عضو الهيئة الاستشارية

مقالات أخرى للكاتب