وحدة الدراسات العربية والإقليمية

استباق الحراك: تعقيدات المشهد السياسي في الجزائر

تشهد الجزائر خلال الآونة الأخيرة حالة من التخبط السياسي الناجمة بصورة رئيسية عن الترتيبات التي تسير بها الدولة تحت مظلة خارطة الطريق، غير أن هناك مساعي متعددة من جانب قوى الحراك الشعبي في العودة إلى الشارع السياسي للضغط على السلطة الحاكمة لإعادة تنظيم المرحلة الانتقالية. وعلى الرغم من الاستجابات المختلفة من جانب الرئيس عبدالمجيد تبون لمطالب الشارع، إلا أن المشهد برمته بحاجة إلى الترميم وبناء ثقة متبادلة في الإدارة الراهنة. ورغم الخطوات الإجرائية التي اتخذتها الجزائر مؤخرًا في ضوء المشهد الانتخابي النيابي، والتوجه للانفتاح بصورة كبيرة حيال مطالب الحراك والتي تجسدت في الإفراج عن بعض المسجونين، وإعادة خلق حالة من…

عبد المنعم على
باحث بوحدة الدراسات العربية والإقليمية at

تشهد الجزائر خلال الآونة الأخيرة حالة من التخبط السياسي الناجمة بصورة رئيسية عن الترتيبات التي تسير بها الدولة تحت مظلة خارطة الطريق، غير أن هناك مساعي متعددة من جانب قوى الحراك الشعبي في العودة إلى الشارع السياسي للضغط على السلطة الحاكمة لإعادة تنظيم المرحلة الانتقالية. وعلى الرغم من الاستجابات المختلفة من جانب الرئيس عبدالمجيد تبون لمطالب الشارع، إلا أن المشهد برمته بحاجة إلى الترميم وبناء ثقة متبادلة في الإدارة الراهنة.

ورغم الخطوات الإجرائية التي اتخذتها الجزائر مؤخرًا في ضوء المشهد الانتخابي النيابي، والتوجه للانفتاح بصورة كبيرة حيال مطالب الحراك والتي تجسدت في الإفراج عن بعض المسجونين، وإعادة خلق حالة من التوازن بين السلطة والأحزاب المختلفة؛ إلا أنه لا يزال هناك مشهد جزائري مرتبك من شأنه تعطيل مسار التحول الديمقراطي.

إجراءات استباقية

شكل غياب الرئيس “تبون” عن المشهد السياسي حلقة مفرغة أثارت كثيرًا من التكهنات حول قدرته على إدارة الدولة، ومقاربة ذلك بما مرت به الجزائر أثناء حكم الرئيس السابق “بوتفليقة”. وتحقيقًا لكسر حالة الجمود السياسي الذي اتسم به الواقع الجزائري، وتزامنًا مع الذكرى الثانية لنجاح الحراك الشعبي؛ سعى الرئيس الجزائري إلى استباق أي تحركات من شأنها عرقلة مسار الإصلاح وخارطة الطريق، وذلك من خلال القرارات المتعلقة بحل البرلمان والتعديل الوزاري.

فقد شهدت الساحة الجزائرية مخاضًا هامًا تمثل في إعلان “تبون” حل البرلمان، وذلك في أعقاب تمرير مسودة الدستور في نوفمبر 2020 وكذلك بعد التصديق على مسودة قانون الانتخابات التشريعية مطلع العام الجاري، ويُعد هذا القرار تنفيذًا لنص المادة (151) من الدستور.

واتصالًا بالتحركات الرئاسية، فإن أحد المتغيرات الأخرى على الصعيد السياسي، تمثل فيما شهدته الحكومة الجزائرية من تعديل وزاري محدود، وذلك في الحادي والعشرين من فبراير للعام الجاري، وقد تضمن تغيرًا في الأشخاص وكذلك في الحقائب الوزارية ذاتها ليبقى رئيس الوزراء في منصبه أيضًا دون المساس بالحقائب الوزارية السيادية. ويُمثل هذا التعديل الثاني منذ تولي الرئيس “تبون” السلطة نمطًا تكتيكيًا لاحتواء الرأي العام الداخلي، ورسالة مفادها قدرة الرئيس على إدارة السلطة بعد غياب دام لأشهر في ألمانيا، خاصة في ظل تكهن الكثيرين بعدم قدرته على إدارة الدولة، والمخاوف المتعلقة بالحالة الصحية. ولعل هذا التعديل الذي ألغى بموجبه ثلاث وزارات منتدبة، وإحداث تغيرات في عدد 10 وزارات أخرى ليبقى على تشكيله حكومية مكونة من 31 حقيبة ووزيرين منتدبين وكاتبي دولة.

واتصالًا بالسابق، فقد جاء هذا التعديل الثاني لحكومة “عبدالعزيز جراد” ليمس الوزارات الخدمية بشكل رئيسي ويُفهم منها ما يلي:

الرغبة في معالجة التركات الثقيلة التي توارثها النظام الراهن مما سبق، وما شهده الاقتصاد الوطني من تراجع كبير، والعمل على إيجاد مداخل لإصلاحات جذرية في المجالات المتعلقة بالطاقة والتجارة، رغبة في تحقيق إنعاش اقتصادي داخلي.

التعويل على تلك الحكومة بصورة مؤقته خلال الفترة الراهنة لتسيير الأعمال، إلى حين انتخاب المجلس التشريعي ومن ثم اختيار حكومة تساهم بالقدر الكافي في مساعدة الرئيس “تبون” لاجتياز التحديات الداخلية وإعادة التعافي مرة أخرى، بما يُعزز من شرعية تواجده ويحقق قدرًا من التوازن بين المطالب المتعلقة بالحراك وبين إقرار السلام والاستقرار الداخلي.

ثم هناك توجه قوي لدى الرئيس عبدالمجيد تبون للعودة للاستفادة من الخبرات التكنوقراطية السابقة، وهو ما يفسره التغيران اللذان أجراهما “تبون” منذ توليه السلطة، وذلك بهدف التوصل إلى خلق تركيبة مثالية للحكومة تكون منسجة بصورة كبيرة مع التوجهات الراهنة ولديها الرؤية والقدرة على تنفيذ الخطط الرامية لتعافي الدولة من الأزمات التي مرت بها.

تحقيق قدر من الاتزان في التعاطي مع المكونات الحزبية المختلفة وبصورة أكبر مع الأحزاب التقليدية، وقد برز ذلك في عودة بعض الشخصيات البارزة التي شغلت منصبًا وزاريًا إبان حكم الرئيس بوتفليقة، مثل تعيين “محمد على بو غازي” وزيرًا للسياحة والصناعة التقليدية والعمل العائلي.

تفاعلات حزبية

تدعو متطلبات المشهد الجزائري في ظل اقتراب الانتخابات التشريعية، إلى حتمية التنسيق بين الرئيس “تبون” وبين الأحزاب السياسية ذات التأثير الواسع في الداخل الجزائري. وتحقيقًا لتلك المعادلة فقد بادر “تبون” لعقد لقاءات مع بعض الأحزاب السياسية المعارضة، تجلى أبرزها في المشاورات التي جمعت بين الرئيس وكل من أحزاب (حركة مجتمع السلم – جبهة القوى الاشتراكية – حركة الإصلاح الوطني – حركة البناء الوطني – جبهة المستقبل – حزب جيل جديد – جبهة الجزائر الجديدة – التجمع الوطني الديمقراطي – طلائع الحريات – حزب التجديد الجزائري- حزب الفجر الجديد – حزب صوت الشعب) خلال شهر فبراير ومطلع مارس الجاري، والتي تستهدف بصورة كبيرة خلق مكون حزبي داعم لسياسات الرئيس.

وبالنظر إلى توقيت الحوار السياسي مع التكتلات الحزبية المختلفة، نجد أنه يتزامن مع مساعي الرئيس “تبون” لاستكمال مسار خارطة الطريق التي بدأها بالتعديلات الدستورية في نوفمبر 2020، فمن المنتظر إجراء استحقاق دستوري مماثل يتبلور في الانتخابات التشريعية والمحلية المختلفة، خاصة بعد الانتهاء من مسودة قانون الانتخابات وطرحها للنقاش المجتمعي.

واتصالًا بالسابق، فإن الأهداف الكامنة وراء تلك اللقاءات المتعددة مع المكونات الحزبية بمختلف انتماءاتها يمكن توضحيها في النقاط التالية:

تأتي تلك المشاورات السياسية رغبة في مواصلة عملية الإصلاح السياسي الرامية إلى بناء “الجزائر الجديدة”، واستكمالًا لمسار خارطة الطريق والتي نجم من خلالها إقرار دستور جزائري جديد، وتعديل لقانون الانتخابات التشريعية والنيابية المختلفة.

تستهدف تلك اللقاءات خلق حالة من الحاضنة الحزبية المتنوعة التي تضمن بصورة كبيرة دعم مسار التحول الديمقراطي، وكذلك تُمثل في حد ذاتها حاضنة وحزامًا سياسيًا للرئيس “تبون”، خاصة في ظل تعقد المشهد مع الحراك الشعبي.

كسر حالة الجمود والتنافر مع الأحزاب التقليدية، والرغبة في استقطاب أكثر الأحزاب تأثيرًا لكسب حاضنة سياسية وشرعية داعمة للسلطة الحاكمة، وقد برز ذلك بصورة كبيرة في جلسات الحوار التي تم فيها عقد لقاء مع أكبر وأقدم الأحزاب المعارضة والمتمثلة في جبهة القوى الاشتراكية، والتي كانت طرفًا ثقيلًا في معادلة “أحزاب البديل الديمقراطي” الرافضة لكافة المبادرات والحوارات الوطنية المختلفة.

تحقيق قدر من التوازن بين الخبرات الحزبية القديمة وبين الأحزاب الوليدة، والعمل على احتواء كافة الأحزاب على المشهد السياسي، سواء أكانت موالية للنظام السابق كما هو الحال بالنسبة لحزب “جبهة التحرير والتجمع الوطني الديمقراطي”، أو الأحزاب الإسلامية التي برزت في اللقاءات الخاصة مع حركة “مجتمع السلم” التي تعتبر أكبر الأحزاب الإسلامية.

ومن السابق، يمكن قراءة تلك اللقاءات في النقطتين التاليتين:

هناك نهج مغاير للسابق يتمثل في خلق حالة من الديناميكية حيال التعاطي مع المكون الحزبي الجزائري دون إقصاء لأحزاب بعينها أو الاعتماد على أحزاب المولاة، بما يُعزز بصورة كبيرة تماسك المشهد السياسي وبيئة داعمة للرئيس تبون، خاصة في ظل عودة الحراك للسطح مرة أخرى وما حظي به من زخم مرة أخرى، وكذلك الرغبة في التوصل إلى توافق حول تعديل القانون العضوي الخاص بنظام الانتخابات، وفي ظل الاستعداد للاستحقاقات الانتخابية المستقبلية في شقها النيابي، خاصة بعد قرار حل المجلس الشعبي الوطني، وهو الأمر الذي يرمي -في مجمله- إلى الحيلولة دون الوصول لحالة من انسداد الأفق وحالة من الفراغ السياسي مرة أخرى.

يرغب الرئيس “تبون” في إعادة رسم الخارطة السياسية الداخلية بصورة لا تعتمد على فكرة الانتماء لحزب بعينه أو “أحزاب المولاة”، وعدم الارتكان إلى الأحزاب التقليدية رغم تأثيرها الواسع في أرض الواقع كما هو الحال بالنسبة لـ”حزب التحرير الوطني” و”التجمع الوطني الديمقراطي”، بل هناك مشهد يتسم بالانفتاح غير المسبوق على كافة الأحزاب السياسية، فيما يُمكن توصيفه بأنها “مناورة سياسية” حتى ولو كانت على المستقبل المنظور.

العودة لمربع الاحتجاجات

إن الحراك الشعبي بات مميزًا للمجتمع الجزائري بصورة كبيرة، وبعدما شهد ذلك الحراك تراجعًا على خلفية تفشي فيروس كورونا؛ إلا أن وتيرته لم تنتهِ بل شهدت الساحة السياسية وتيرة متسارعة من الحراك بالتزامن مع الذكرى الثانية لنجاح الحراك، فقد شهدت مدينة خراطة التي تقع على مقربة من العاصمة مظاهرة واسعة في فبراير 2021 بعدما كان الحراك يشهد حالة من الفتور والتراجع منذ مارس 2020، بيد أن هذا الغضب لم يكن فقط قاصرًا على تلك التظاهرة، بل ملامحه بدأت بصورة جليه إبان الاستحقاق المتعلق بالاستفتاء الدستوري الذي شهد أقل نسبة مشاركة على مدى تاريخ الجزائر، بما يُمثل نقطة حرجة لنظام “تبون”.

ولعل العودة مرة أخرى لمربع الاحتجاجات من جانب القوى الشعبية، ناجمة بصورة كبيرة عن العوامل التالية:

الرؤية المغايرة لقوى الحراك لمسار الانتقال الديمقراطي، سواء أكان على صعيد خارطة الطريق التي وضعها “تبون”، أو من خلال التعديلات الحكومية المختلفة التي أجرها الرئيس، والتي لم تكن محل إجماع للرأي العام الجزائري، إذ رآها الكثيرون بالضيقة وغير مواكبة لمطالب الحراك وعاجزة عن مواجهة التحديات الاقتصادية، ولم تصل إلى حد الإصلاح الشامل.

استمرارية النخبة الحاكمة الموالية لنظام “بوتفليقة” والتي دفعت الحراك لاعتبارها سياسة متعنتة من جانب الرئيس “تبون” وتحديًا للإرادة الشعبية، علاوة على رفض شريحة ليست بالقليلة على مسودة الدستور التي تم الاستفتاء عليها في نوفمبر 2020.

تفاقم الأوضاع الاقتصادية على خلفية تراجع العائدات النفطية، مما دفع الحكومة الجزائرية لاتخاذ إجراءات تستهدف بصورة كبيرة تقليل الإنفاق، وبرزت بصورة كبيرة في عجز الحكومة على إجراء إصلاحات اقتصادية ملموسة كما وعد بذلك الرئيس “عبدالمجيد تبون”، الأمر الذي خلق حالة من عدم الثقة في قدرة الدولة على مجابهة التحديات الجوهرية التي كانت عاملًا رئيسيًا في الإطاحة بنظام “بوتفليقة”.

إصدار قوانين تمس حرية الرأي والتعبير، كما هو الحال بالنسبة لإقرار “قانون حظر نشر الأخبار الكاذبة” عبر الإنترنت، والذي شكل في حد ذاته نافذة للتمرد من جانب قوى الحراك الشعبي.

مثلت تبرئة “السعيد بوتفليقة”، الرجل الأول في إدارة المشهد السياسي الجزائري إبان حكم الرئيس السابق “عبدالعزيز بوتفليقة”، من تهمة التآمر ضد الدولة في يناير 2021، مصدرًا لإذكاء حالة الغضب داخل المشهد الجزائري.

وتخفيفًا لوطأة الحراك واحتواءً له، بادر الرئيس عبدالمجيد تبون باتخاذ عدد من الإجراءات كان من بينها تغيير بعض الوجوه الوزارية التي أحدثت لغطًا في الشارع السياسي، علاوة على إطلاق سراح قرابة 60 معتقلًا تابعًا للحراك الشعبي، بالإضافة إلى تقليص الإجراءات والقيود المتعلقة بحظر التجول الصادرة بسبب تفشي فيروس “كورونا”.

واتصالًا بالسابق، وتحقيقًا لقدر من التوازن في العملية السياسية، جاء لقاء الرئيس “تبون” بعدد من الأحزاب السياسية ذات التوجه المعارض والإسلامي لمناقشة المناخ السياسي، كنقطة جوهرية لإعادة ترتيب الأوراق مرة أخرى في ضوء اقتراب موعد الانتخابات التشريعية (المزمع عقدها في يونيو القادم)، وذلك كما أشرنا إليه أنفًا.

خلاصة القول؛ لا تزال الجزائر تعاني من حالة عدم الثقة بين الحراك والسلطة الحاكمة، وهو الأمر الذي يُمثل تحديًا حقيقيًا لإدارة الرئيس تبون، غير أن التعاطي الإيجابي وحالة الانفتاح التي أبداها “تبون” حيال المكونات السياسية والحزبية ربما يُعزز بعض الشيء من مسار التحول الديمقراطي واستكمال خارطة الطريق، ولعل الجزائر بحاجة إلى خطوات استباقية نحو احتواء الرأي العام والحراك بالحوار الوطني الشامل حول مسار بناء “جزائر ما بعد بوتفليقة”.

عبد المنعم على
باحث بوحدة الدراسات العربية والإقليمية at