وحدة الدراسات العربية والإقليمية

اختبار حقيقي: قواعد اللعبة التركية-الإيرانية في العراق

تشهد العلاقات التركية-الإيرانية تطورات سلبية خلال الفترة الأخيرة، وصلت لدرجة استدعاء السفراء بين البلدين في شهر فبراير 2021، على خلفية تصريحات اعتبرت غير لائقة من سفراء البلدين في العراق، وقبلها أزمة دبلوماسية “تم احتواؤها” خلال الحرب الأخيرة بين أرمينيا وأذربيجان بسبب تصريحات استفزازية من الرئيس التركي نكأ فيها جروح الماضي ونَبَشَ التاريخ الدموي بين البلدين، بالإضافة لتحركات على الأرض من جانب فصائل الحشد الشعبي الموالية لإيران ضد الوجود العسكري التركي في الموصل وسنجار وغيرها، مقابل تقارير تفيد بتحركات تركية مدعومة من روسيا ودول أخرى لتضييق الخناق على الوجود العسكري والأمني لإيران في سوريا.  إن مُجمل هذه المؤشرات السلبية، جعل كثيرًا…

د. أكرم حسام
باحث متخصص في الشؤون العربية والإقليمية

تشهد العلاقات التركية-الإيرانية تطورات سلبية خلال الفترة الأخيرة، وصلت لدرجة استدعاء السفراء بين البلدين في شهر فبراير 2021، على خلفية تصريحات اعتبرت غير لائقة من سفراء البلدين في العراق، وقبلها أزمة دبلوماسية “تم احتواؤها” خلال الحرب الأخيرة بين أرمينيا وأذربيجان بسبب تصريحات استفزازية من الرئيس التركي نكأ فيها جروح الماضي ونَبَشَ التاريخ الدموي بين البلدين، بالإضافة لتحركات على الأرض من جانب فصائل الحشد الشعبي الموالية لإيران ضد الوجود العسكري التركي في الموصل وسنجار وغيرها، مقابل تقارير تفيد بتحركات تركية مدعومة من روسيا ودول أخرى لتضييق الخناق على الوجود العسكري والأمني لإيران في سوريا. 

إن مُجمل هذه المؤشرات السلبية، جعل كثيرًا من المراقبين لمسار العلاقات التركية-الإيرانية يتوقعون تحولات مرتقبة في خريطة التوازنات الإقليمية على الساحة العراقية والسورية، جوهرها خلاف تركي إيراني مُتصاعد، وقد يكون قابلًا للتطور العنيف على المدى المنظور، مع احتمالات امتداد هذه الخلافات إلى ساحات أخرى منها آسيا الوسطى والخليج، خاصة في ظل التحولات التي تشهدها بعض الملفات في المنطقة منذ وصول الإدارة الأمريكية الجديدة.

ويظل السؤال قائمًا: إلى أي مدى يمكن لتركيا وإيران الاستمرار في إدارة الخلافات بينهما وتحويلها لفرص للتعاون ولو في حده الأدنى إزاء التهديدات المشتركة؟ وإلى أي حد أيضًا يمكن لهذه المعادلة أن تنهار كليًا أو جزئيًا؟ وما هي انعكاسات ذلك على الأمن الإقليمي؟.

منحنى هابط: مؤشرات التوتر

خلال ثمانية أشهر تقريبًا ومنذ يونيو 2020، تغير منحنى العلاقات بين تركيا وإيران من التنسيق والتعاون المشترك في توجيه ضربات عسكرية في منطقة عمليات شمال العراق، إلى توتر واضح بين البلدين، واستدعاء للسفراء، وتصريحات انتقادية من كل طرف للآخر. فخلال عملية “المخلب النسر-1” التي نفذتها القوات التركية شمال العراق في يونيو 2020، وضح وجود تنسيق عملياتي بين أنقرة وطهران، حيث نفذت تركيا وإيران قصفًا مشتركًا داخل الأراضي العراقية استهدف نقاطًا حدودية تقع على الحدود العراقية-الإيرانية شرقًا، حيث تعاون سلاح الجو التركي مع مدفعية الحرس الثوري الإيراني ضد أهداف عسكرية لحزب العمال الكردستاني والمعارضة الكردية الإيرانية التي تعمل من داخل الأراضي العراقية. إلا أن تلك المقاربة التعاونية تحولت إلى طرف نقيض مع إطلاق تركيا نسخة جديدة من عملياتها العسكرية في شمال العراق “المخلب النسر-2″، وذلك في 10 فبراير الماضي 2021، حيث وضح الامتعاض الإيراني وعدم الارتياح هذه المرة للانخراط العسكري التركي المتنامي بالشمال العراقي، وعبّر عن هذه الحالة تصريحات السفير الإيراني لدى بغداد “إيرج مسجدي”، التي أكد فيها رفض بلاده التدخل العسكري التركي في العراق، وانتهاك سيادته، فيما استدعت الخارجية التركية السفير الإيراني لديها “محمد فرازمند”، وأبلغته احتجاجها الشديد ورفضها لتصريحات إيرج مسجدي، وأكدت الخارجية التركية أن ما تنتظره أنقرة من إيران هو دعم تركيا في جهودها لمكافحة للإرهاب وليس الوقوف ضدها، لافتة إلى أن كلًا من تركيا وإيران متفقتان على أن وجود حزب العمال الكردستاني في شمال العراق يشكل تهديدًا مشتركًا. وبدورها استدعت الخارجية الإيرانية سفير أنقرة لديها “دريا أورس”؛ احتجاجًا على تصريحات لوزير الداخلية التركي “سليمان صويلو” أشار فيها إلى وجود مسلحين من حزب العمال الكردستاني داخل إيران. 

والآن مع إعلان تركيا عزمها تنفيذ عملية عسكرية جديدة في قضاء سنجار باسم “مخلب النسر 3″، صعّدت إيران من موقفها المعارض لهذه العملية، وانعكس ذلك في تصريحات المسئولين الإيرانيين، وكان أبرزها تصريحات وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف الذي عبر عن رفض طهران الوجود العسكري لتركيا في سوريا والعراق، واصفًا سياسات أنقرة تجاه دمشق وبغداد بالخاطئة، وهو ما يدفعنا لطرح السؤال الرئيسي في هذا المقال التحليلي: ما الذي تغير خلال هذه الفترة القصيرة، والذي يمكننا من خلاله تفسير هذا التناقض والتباعد في المواقف بين البلدين؟.

تحليل المؤشرات

من الواضح أن الأشهر القليلة الماضية شهدت تحركات غير منظورة على الساحتين العراقية والسورية، أدت لتباعد في مواقف تركيا وإيران، بعد مرحلة اعتبرت الأفضل بينهما خلال السنوات الأخيرة، والتي كانت الساحة السورية من أبرز تجلياتها، نذكر منها (التعاون الثنائي بينهما في مسار أستانة إلى جانب روسيا / الموقف المشترك من استفتاء كردستان في 2017 إلى جانب الحكومة العراقية/ التنسيق الأمني المشترك وضبط الحدود لمنع تحركات حزب العمال الكردستاني وحزب الحياة الكردستاني على الجبهة الإيرانية)، كما تناغمت الدولتان إزاء الموقف من العقوبات الأمريكية ضد كل منهما، وكذلك بالنسبة للموقف من الأزمة الخليجية في 2017).

 فخلال الأشهر الستة الماضية، وصل الوضع على الساحة السورية لمستوى من الجمود العسكري والسياسي الذي لا يخدم أنقرة في الوقت الراهن، ولا يخدم الوضع الداخلي للرئيس أردوغان تحديدًا، الذي يستغل مثل هذه العمليات العسكرية لإثارة الحس القومي لدى الأتراك لتوحيد الجهود وإسكات المعارضة (التدخل التركي في ليبيا/ التدخل التركي في أزمة إقليم قرة باغ)، خاصة في ظل اتجاه الإدارة الأمريكية الجديدة لتعميق علاقاتها مع المكون الكردي، لذلك لا تريد تركيا مزيدًا من الاصطدام مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه تريد الانخراط في عملية عسكرية جديدة، للفت الأنظار عن الوضع الداخلي المتدهور اقتصاديًا والمحتقن سياسيًا، لذلك كان التفكير في الساحة الأقل تكلفة وهي الساحة العراقية، عبر التهديد بعملية عسكرية جديدة تسمى “مخلب النسر 3″، الأمر الذي أثار حفيظة إيران بشكل واضح، كما تراقب أنقرة بقلق بالغ التحركات الإيرانية من خلال الحشد الشعبي في قضاء سنجار، وتعتبره استمرارًا لمحاولات إيران استعادة مشروع الممر البري الذي يربطها بمناطق وجودها الحالية في شمال شرق سوريا. 

وبخلاف سوريا والعراق برز ملف خلافي جديد في العلاقات بين البلدين، على خلفية أزمة قرة باغ، والدور التركي في هذه الحرب، الذي على ما يبدو أزعج طهران، خاصة وأن الرئيس التركي أردوغان ألقى خطابًا في ديسمبر 2020، في العاصمة الأذرية باكو خلال الاحتفال بمناسبة الانتصار العسكري الذي حققته أذربيجان على أرمينيا، وألقى أردوغان أبياتًا من قصيدة لشاعر إيراني من أصل أذربيجاني، تتحدث عن تقسيم أرض أذربيجان بين روسيا وإيران في القرن التاسع عشر، وترفع من قيم القومية الأذرية، الأمر الذي ترتب عليه في حينه استدعاء الخارجية الإيرانية السفير التركي للاحتجاج على ما فعله الرئيس التركي. ولوحظ بعدها إعلان الشرطة التركية في إسطنبول عن استهداف شبكة تابعة للمخابرات الإيرانية، في تحول جديد من نوعه في العلاقات الأمنية بين البلدين، كما تعرضت إحدى المدن العراقية الواقعة خلف مناطق التواجد العسكري التركي في شمال العراق لاستهداف صاروخي استخدمت فيه النسخة الإيرانية من صواريخ جراد، وهو ما اعتبرته التحليلات التركية رسالة من إيران ضد الوجود العسكري التركي في العراق، وغني عن الذكر أن تركيا لا تزال متحسبة لعملية الانتشار الواسع لفصائل الحشد الشعبي في مدينة الموصل، حيث نشرت مليشيا الحشد الشعبي العراقية المدعومة من إيران ثلاثة ألوية في مدينة سنجار (بقوة 10 آلاف عنصر)، وأصدرت عدة وحدات من الحشد الشعبي ومليشيات أخرى -بما في ذلك منظمة بدر، وعصائب أهل الحق، وأصحاب الكهف– بيانات تتعهد فيها بالدفاع عن سنجار ضد الغزو التركي. 

ومن الواضح أن هذه المخاوف المتبادلة بين طهران وأنقرة ليست وليدة اليوم، لكنها كان مسكوتًا عنها إلى حد ما، أو ربما تم تحييدها في فترة من الفترات لصالح أهداف كبرى مثل مواجهة الطموحات الاستقلالية للأكراد، فالأتراك ينظرون منذ فترة حكومة “حيدر العبادي” تحديدًا وأثناء معارك تحرير الموصل من قبضة داعش، بعين الريبة لمسألة التمدد الشيعي المدعوم إيرانيًا خاصة في محافظة الموصل، حيث تعتبر تركيا أن التحركات الإيرانية في هذه المحافظة، ودخول مليشيات الحشد الشعبي الموالية لإيران قضاء تلّعفر الذي تقطنه أغلبية تركمانية؛ يصُب في اتجاه استراتيجية إيرانية هادفة لتأسيس حزام شيعي يصل بين إيران وسوريا مرورًا بالعراق عبر تلعفر. كما ترى أنقرة أن تعاظم قوة المليشيات الشيعية في تلعفر، سيؤدي إلى إلحاق الضرر بوجود البيشمركة في سنجار كقوة مضادة لحزب العمال الكردستاني (الذي تعتبره تركيا أكبر مهدد أمني لها في العراق). كما تخشى أنقرة من احتمالات تأسيس تحالف مضاد لها في الموصل بين الحشد الشعبي وحزب العمال الكردستاني.

حسابات “بايدن” وتأثيرها على مسار التوتر التركي-الإيراني

تتحدث المصادر التركية عن عملية عسكرية محتملة خلال الربيع القادم (مارس-مايو 2021) تنفذها القوات العراقية المركزية بالتنسيق مع قوات البيشمركة الكردية في أربيل، وتوفر لها أنقرة الدعم الجوي والمدفعي، والدليل على ذلك زيارة وزير الدفاع ورئيس الأركان التركي للعراق واجتماعه بمسئولين من الحكومة العراقية ومسئولين من أربيل، للتنسيق المشترك إزاء أدوار كل منهم في العملية المرتقبة. العملية لا تزال محل خلاف بين المكونات السياسية العراقية، فالقوى المحسوبة على إيران ترفض هذه العملية، والقوى الأخرى تخشى من أن تتحول المواجهة إلى عراقية-عراقية.

وتتشكك أنقرة في احتمالية وجود ضغوط إيرانية وأمريكية على الحكومة المركزية العراقية وحكومة أربيل لرفض أية عملية عسكرية تركية باتجاه سنجار، التي تمثل أيضًا أهمية جيواستراتيجية للقوات الأمريكية في العراق، بسبب قربها من الحدود السورية وتحكمها في الطريق من العراق إلى مناطق شمال وشرق سوريا، وبالتالي تخشى تركيا من أن توفر مدينة سنجار والموقف الإيراني-الأمريكي من العملية العسكرية التركية الجديدة مدخلًا لإنتاج مقاربة بين طهران وواشنطن تبعد أنقرة عن مناطق نفوذها في العراق، وتسمح للإيرانيين بتدعيم نفوذهم في منطقة تعتبرها تركيا ذات أهمية استراتيجية لها. بينما تراهن أنقرة على الإدارة الأمريكية الجديدة، وتتوقع عدم معارضة من جانبها للعملية العسكرية الجديدة والسماح لها بالتوغّل في سنجار، والقضاء على حزب العمال الذي وضعته أمريكا على لائحة الإرهاب الدولي، خاصة بعد أن أعطى “بايدن” الضوء الأخضر لحلف الناتو، بزيادة أعداد عناصره في العراق، من 500 إلى 5000 لمواجهة الفصائل الولائية (لإيران) والسلاح المنفلّت دائم التهديد للمصالح الأمريكية في العراق ومقراتها الدبلوماسية والعسكرية.

خلاصة القول، إن العلاقات التركية-الإيرانية تمر باختبار حقيقي هذه المرة، فالموضوع ليس فقط تصريحات سلبية من هنا أو هناك يمكن احتواؤها بالطرق الدبلوماسية المعتادة؛ لكنه يبدو خلافًا أعمق من ذلك بكثير، بالنظر لما يجري على الأرض، خاصة في محافظة الموصل وداخل قضاء سنجار من ترتيبات سياسية وتحالفات جديدة، وتحشيد عسكري من المليشيات التابعة لإيران، مقابل تحشيد مضاد من مليشيات تابعة لتركيا. وكل ذلك قد يترتب عليه -في حال لم تصل الدولتان لتفاهمات مُرضية- إلى تراجع كبير في مستوى التعاون الثنائي بينهما على الساحتين العراقية والسورية. ومع ذلك فليس من المتوقع انهيار كامل أو تصعيد عنيف في العلاقات التركية-الإيرانية على الساحة العراقية، فالمصالح الاقتصادية الكبيرة بين البلدين ستجبرهما على تخفيض سقف التوتر إلى المستويات الدنيا، كما أن الوضع السياسي الداخلي في كلٍّ من إيران وتركيا لا يسمح بهذا التصعيد، بل يشجع على التفاهم وإدارة الخلافات بما يساعد على حفظ التوازنات الراهنة دون تغيير، انتظارًا لاستيضاح التوجهات الأمريكية الجديدة تجاه إيران وتركيا وتجاه المنطقة بشكل عام.

د. أكرم حسام
باحث متخصص في الشؤون العربية والإقليمية