الشفافية وصنع القرار الاقتصادي

آثار موضوع الشهر العقاري والحوار المجتمعي الذي دار حوله تساؤل أساسي يتعلق بآليات صنع القرار في المجتمع، فعلى الرغم من صدور القانون المشار إليه منذ ستة أشهر تقريبا فإن الجميع فوجئوا بما فيه عند التطبيق. وهذه ليست المرة الأولى فهناك العديد من القوانين التي صدرت ثم عدلت قبل أن يجف المداد الذي كتبت به مثل قانون الإجراءات الضريبية الموحد الذي تم تعديله بعد شهر ونصف الشهر، فقط من الصدور وقانون الاستثمار الذي تغير ثلاث مرات خلال سنة ونصف السنة والأخطر من كل ما سبق هو التعديلات المتتالية في قانون الضرائب رغم أنه من القوانين التي يجب أن تحظى بالاستقرار والاستمرارية…

عبد الفتاح الجبالي

آثار موضوع الشهر العقاري والحوار المجتمعي الذي دار حوله تساؤل أساسي يتعلق بآليات صنع القرار في المجتمع، فعلى الرغم من صدور القانون المشار إليه منذ ستة أشهر تقريبا فإن الجميع فوجئوا بما فيه عند التطبيق. وهذه ليست المرة الأولى فهناك العديد من القوانين التي صدرت ثم عدلت قبل أن يجف المداد الذي كتبت به مثل قانون الإجراءات الضريبية الموحد الذي تم تعديله بعد شهر ونصف الشهر، فقط من الصدور وقانون الاستثمار الذي تغير ثلاث مرات خلال سنة ونصف السنة والأخطر من كل ما سبق هو التعديلات المتتالية في قانون الضرائب رغم أنه من القوانين التي يجب أن تحظى بالاستقرار والاستمرارية أقصى فترة من السنوات نظرا لتأثيره على الحياة الاقتصادية ومناخ الاستثمار. إذ أن استخدام الدولة للآلية التشريعية يجب أن يكون لمصلحة التوازنات الكلية في المجتمع والتحقق من أن آليات الاقتصاد تعمل في نقاء وشفافية لتحقيق المصلحة القومية للبلاد. وبعبارة أخرى يجب أن تبنى القرارات الاقتصادية على أساس المشاركة بين المجتمع والحكومة، وعلى أساس الثقة المتبادلة والتي تعتمد بالأساس على المصارحة والشفافية بحيث يبنى القرار الاستثماري على بنية من الحقائق والمعلومات الدقيقة في التوقيت المناسب. ركزت عملية صنع القرار الحالية على العوامل الاقتصادية، وتركت العوامل الأخرى، خاصة التشريعية والإدارية دون الاهتمام الكافي، وذلك رغم أهميتها. فمازال الاقتصاد المصري ينظر إليه باعتباره اقتصادا مفرطا في الأعباء التشريعية، مع ضعف احترام التعاقدات، وطبقا لدراسة أعدها البنك الدولي، ينظر إلى النظام القضائي على أنه نظام شديد البطء، عالي التكلفة أو غير مؤكد النتائج.

ومن المعروف أن هذه العوامل تلعب دورا حاسما ومؤثرا في العملية الاستثمارية الجادة، بقدر ما تتيح الفرصة للمضاربة والتلاعب في الأسعار وغيرها من الأمور التي تفسد البيئة الاستثمارية. وتزداد هذه المسألة بشدة حينما تكون آليات صنع القرار غير شفافة أو غامضة وخافية عن الرأي العام، لأنه نادرا ما تنشر مشروعات القوانين قبل إقرارها، وعدم عقد جلسات استماع عامة ومتخصصة داخل السلطة التشريعية. بالإضافة إلى ضعف الأحزاب السياسية وعدم قدرتها على التأثير في صنع القرار بالمجتمع. وتشير تجارب النمو التي نجحت في العديد من البلدان إلى أن الإصلاحات الاقتصادية، كما يجب أن تعود نتائجها بالنفع على كل شرائح المجتمع. الأمر الذي يجعلها تحظى بتأييد الغالبية العظمى من الناس، وبالتالي يجب إشراك أكبر عدد من المجتمع في صنع القرار. كما يجب ان تكون القوانين مرنة غير ذات نصوص مقيدة جامدة، وقابلة للتنفيذ الفعلي.

من هذا المنطلق يصبح من الضروري العمل على تحسين آليات صنع القرار الاقتصادي بالمجتمع، والأُطُر المؤسسية المنظمة لها، بما يضمن تعزيز المشاركة المجتمعية، وإخضاع الحكومة للمساءلة والمحاسبة. وهنا تجدر الإشارة إلى أن صنع القرار الاقتصادي في مصر يُعانى مشكلات عديدة منها غياب المشاركة المجتمعية الحقيقية في هذه العملية، فمعظم القوانين التي صدرت عن البرلمانات السابقة، جاءت كلها من الحكومة، بل إن مساهمة البرلمان في مناقشتها أو تعديلاتها محدودة للغاية. ويرجع السبب في ذلك إلى آليات صنع القرار بالمجتمع حيث يتم اقتراح القوانين من السلطة التنفيذية والتي تعرضها على السلطة التشريعية، دون أخذ رأى الجهات المعنيّة، مثل اتحادات العمال والصناعات والغرف التجارية والخبراء في هذه القوانين. وضَعف مشاركة المجتمع المدني والمنظمات الأهلية في النقاش والحوار حول القضايا الاقتصادية، إذ أن معظمها ينشغل بالقضايا السياسية ويبتعد كثيراً عن القضايا أو الموضوعات الاقتصادية. وخير دليل على ذلك، مناقشة مشروعي الموازنة العامة للدولة وخطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والتي لا تحظى إلا بالنذر اليسير من المناقشات قبل عرضها على مجلس النواب. وضعف المؤسسات الحاكمة للإدارة الاقتصادية السليمة (مثل جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية وكذلك جهاز حماية المستهلك). ويمكننا إعزاء ذلك الى غياب الآليات والمؤسسات الوسيطة التي يمكنها أن تلعب هذا الدور. من هنا نرى ضرورة العمل على عدة محاور أولها تطوير مراكز الفكر والدراسات الحكومية مثل مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، ومعهد التخطيط القومي وغيرهما بحيث تصبح أداة من أدوات دعم اتخاذ القرار عن طريق تقديم أوراق سياسات في القضايا المهمة المطروحة على الساحة الفكرية والعملية ودراسة أفضل الحلول للمشكلات الراهنة. وكذلك تطوير معهد الدراسات البرلمانية التابع لمجلس النواب واللجان الفنية المساعدة داخل البرلمان.

وعلى الجانب الآخر يجب الإسراع بإنشاء الكيانات الوسيطة المساعدة في اتخاذ القرار منها المجلس الأعلى للضرائب المنصوص عليه في قانون الضرائب على الدخل والمنوط به العديد من المهام الأساسية منها دراسة القوانين واللوائح المنظمة لشئون الضرائب على اختلاف أنواعها، واقتراح تعديلها بالتعاون مع الحكومة والجهات الإدارية المختصة، كما يجب عرض مشروعات القوانين واللوائح التي تقترحها الحكومة بالنسبة للضرائب بمختلف أنواعها لمراجعتها وأخذ الرأي فيها قبل عرضها على مجلس النواب. من هذا المنطلق يصبح من الضروري تكوين مجلس اقتصادي استشاري يتبع رئاسة الجمهورية مباشرة، ويسهم في تفعيل الديمقراطية والمشاركة المجتمعية في صنع القرار، على أن يتضمن في تشكيله ممثلين عن النقابات المهنية والاتحادات العمالية ورجال الأعمال واتحاد الصناعة والأجهزة الحكومية المعنيّة، بالإضافة إلى المجتمع المدني. على أن يتم اختيار الأعضاء به عن طريق المنظمات المعنيّة بذلك بالإضافة إلى عدد محدد يعينه رئيس الجمهورية من الخبراء والمتخصصين. مع تأكيد أهمية عدم الجمع بين عضوية هذا المجلس والحكومة وأيً من المجالس النيابية. الأمر الذي يسهم في توسيع قاعدة المشاركة بما يضمن له تحقيق الأهداف المنوطة به وعلى رأسها المشاركة الكفء في صنع السياسة الاقتصادية. والتواصل مع المجتمع وشرح أهداف وآليات السياسات المُزمع تطبيقها.

ـــــ

نقلا عن “جريدة الأهرام”، الأربعاء ١٧ مارس ٢٠٢١.

عبد الفتاح الجبالي

مقالات أخرى للكاتب