وحدة الدراسات الاقتصادية

الموازنة التشاركية: منظور آخر للإنفاق العام

اتّبعت موجةُ إعادة تأسيس العملية الديمقراطية التي اجتاحت دول أمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية في الثمانينيات مسارات مختلفة، وأنتجت تجاربها نتائج متباينة، وتتنوع هذه التجارب في أنها طُبقت في دول تتميز بتفاوت عميق في الجذور السياسية والاجتماعية والاقتصادية والإقليمية، إلا أنها تشترك فيما بينها بأنها دول تكافح لبناء أو إعادة بناء مؤسساتها الديمقراطية بأجندة تركز على مكافحة الفساد، وتحسين الوصول إلى الخدمات الحكومية، وتعزيز المساءلة الحكومية. يحاول هذا المقال إلقاء الضوء على مفهوم الموازنة التشاركية، ونشأتها، وآلية العمل، ثم الفرص والتحديات المرتبطة بتطبيق تلك السياسات، من خلال استعراض التجربة الأشهر في العالم في تطبيق تلك السياسات في مدينة بورتو أليغري –…

أحمد بيومي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

اتّبعت موجةُ إعادة تأسيس العملية الديمقراطية التي اجتاحت دول أمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية في الثمانينيات مسارات مختلفة، وأنتجت تجاربها نتائج متباينة، وتتنوع هذه التجارب في أنها طُبقت في دول تتميز بتفاوت عميق في الجذور السياسية والاجتماعية والاقتصادية والإقليمية، إلا أنها تشترك فيما بينها بأنها دول تكافح لبناء أو إعادة بناء مؤسساتها الديمقراطية بأجندة تركز على مكافحة الفساد، وتحسين الوصول إلى الخدمات الحكومية، وتعزيز المساءلة الحكومية.

يحاول هذا المقال إلقاء الضوء على مفهوم الموازنة التشاركية، ونشأتها، وآلية العمل، ثم الفرص والتحديات المرتبطة بتطبيق تلك السياسات، من خلال استعراض التجربة الأشهر في العالم في تطبيق تلك السياسات في مدينة بورتو أليغري – البرازيلية.

المفهوم والنشأة

الموازنة التشاركية هي عملية يقوم من خلالها المواطنون بالنقاش والتفاوض على توزيع الموارد العامة، ومن ثم فهي عملية مشاركة في قرارات تخصيص جزء من الميزانية الخاصة بالبلدية. تسمح الموازنة التشاركية للمواطنين بتحديد ومناقشة أولويات الإنفاق العام، وبالأخص قرارات الإنفاق التي تتعلق بالبنية التحتية، حيث إنها ليست إلا تصريحًا بقائمة الأولويات أو أوجه صرف المشروعات التي يمكن للسلطة التنفيذية الإنفاق عليها.

نشأت الموازنة التشاركية للمرة الأولى في البرازيل في فترة الثمانينيات وقد كانت الظروف السياسية والاجتماعية تتسم بالديناميكية، خاصة في ظل وجود تعديلات تشريعية سمحت للحكومة المحلية بالتحكم بقدر كبير من الإنفاق العام بالبلاد، ووجود خلاف كبير بين الحكومة المركزية والمحلية للبلاد، وهو ما دفع التوجه نحو زيادة مشاركة المواطنين في الموازنة المحلية، من خلال إنشاء ما يسمى بـ”المراكز المجتمعية” لمناقشة أولويات المدينة، لكن مشاركة المواطنين في ذلك الوقت توقفت عند مستوى التشاور “إبداء الرأي دون وجود دور فعال في اتخاذ القرار”. أما العامل الثاني الذي دفع بالتحول نحو مشاركة المواطنين في الحكم فهو الزيادة في الإيرادات المحلية والذي نتج عن تعديلات بالدستور البرازيلي في عام 1988، إذ حدد الدستور البرازيلي نقلًا تدريجيًا للموارد تم تنفيذه في الفترة من 1988 حتى 1993، حيث قلل الدستور من المخصصات الموجهة من جانب الحكومة المركزية إلى الحكومة المحلية، وسمح للحكومة المحلية بإمكانية تعزيز مواردها من خلال فرض ضرائبها الخاصة، وحتى تستطيع تلك البلديات إقناع المواطنين بدفع تلك الضرائب الإضافية فقد أطلقت مفهوم الموازنة التشاركية التي تسمح للمواطنين بتحديد أولوية الإنفاق، وخاصة الإنفاق الخاص بالبنية التحتية.

آلية العمل (مثال بورتو أليغري – البرازيل)

لمناقشة آلية عمل الموازنة التشاركية، ولتسهيل تلك المناقشة، فإن التجربة الأبرز والأشهر في العالم في ذلك المجال هي تجربة مدينة بورتو أليغري، وهي مدينة برازيلية تقع في جنوب البرازيل، وهي عاصمة ولاية “ريو غراندي دو سول البرازيلية”، يبلغ عدد سكانها 1.4 مليون نسمة (عام 2020) موزعة على عدد 16 مقاطعة، وهي منطقة تتميز بارتفاع معدل التنمية البشرية بها (مستوى التعليم والثقافة والخدمات الصحية)، وأكثر المناطق تطورًا من الناحية الاقتصادية. اتسم برنامج الموازنة التشاركية لتلك المدينة بأنه يتم تنفيذه على مرحلتين تتخللهما اجتماعات شعبية. تبدأ المرحلة الأولى بتقديم مسئولي الحكومة معلومات عامة حول ميزانية المدينة، ثم يترك المسئولون للمواطنين تحديد قائمة أولوياتهم للاستثمار، وخاصة في البنية التحتية، يتم ذلك من خلال انتخاب 4 أعضاء (عضوين من كل منطقة، وعضوين مناوبين لهما) لتكوين ما يسمى بـ”مجلس الميزانية للمدينة”، ومن ثم تتولى تلك المجالس التفاوض فيما بينها للتوصل إلى قائمة أولويات على مستوى مشاريع البنية التحتية الخاصة بالمنطقة. ويحدد مجلس الموازنة آلية لتوزيع تلك المشاريع بين المقاطعات، وأخيرًا يتم تطبيق حصة كل منطقة باتّباع قائمة أولويات المنطقة. لكن دور مجلس الميزانية لن يتوقف هنا، حيث إن من ضمن مسئولياته المراقبة على تنفيذ خطة الإنفاق التي تم إعدادها، والمشاركة في مناقشات منتظمة مع موظفي الحكومة المحلية حول القضايا المتعلقة بتقديم الخدمات بشكل عام.

يوجد العديد من الطرق لتنظيم طريقة مشاركة المواطنين، واختيار المشروعات التي يتم ضمها لقائمة الإنفاق، لكن طريقة الموافقة هي أكثر الطرق شيوعًا، حيث إنها توفر سهولة الاستنباط، إذ يُمنح المجلس خلال تلك العملية مجموعة من المشاريع بغرض الحصول على موافقاتهم عليها، ومن ثم يوافق الناخبون على عدد من المشاريع (كل مشروع محدد بتكلفة) ثم يتم تجميع مجموعة المشاريع التي لا تتجاوز حد الميزانية مع مراعاة تفضيلات الناخبين. فعلى سبيل المثال، يستخدم نموذج الموافقة الجشعة Greedy Approval في كل من باريس (فرنسا) ووارسو في بولندا، حيث ترتب تلك المشاريع تنازليًا وفقًا لدرجات الموافقة (عدد الناخبين)، ثم يتم تمويل المشاريع بالترتيب وصولًا للحد الأقصى من الميزانية. ويراعَى اتباع معايير توزيع تضمن التوزيع التدريجي للموارد، بحيث تتلقى المناطق الأفقر تمويلًا أكبر من المناطق الميسورة. من جانب آخر، توجد معايير فنية أخرى لتحديد أولويات الإنفاق، حيث يجب أن تكون مطالب المجتمع قابلة للتطبيق من الناحية الفنية مع إعطاء الأفضلية للأعمال تحت التنفيذ.

الفرص والتحديات 

ينظر إلى الموازنات التشاركية على أنها إدارة للمناطق الحضرية بإشراك جميع السكان وخاصة الفقراء فيما يتعلق بالإنفاق العام على البنية التحتية، ومن ثم فهي آلية مستدامة لإدارة الموارد العامة بشكل مشترك من خلال التشارك في قرارات تخصيص الميزانية، فهي تُساهم في إعادة نشر قيم الديمقراطية مثلما حدث في بلدة (بورتو أليغري). ولكن ليست تلك هي الميزة الوحيدة من تطبيق الموازنة التشاركية، حيث تشير العديد من التجارب إلى أن تطبيق تلك السياسات يدعم الحكم اللا مركزي، ويساهم في تكوين رأس المال الاجتماعي (أن يكون المواطنون في البلدة الواحدة أكثر تعاونًا فيما بينهم)، وقيم المساءلة (قدرة المواطنين على الرقابة والسؤال عن الإنفاق الحكومي) والتنمية (تعزيز التنمية الاقتصادية في البلاد ووضعها في شكل أكثر استدامة)، والحكم الرشيد، وتمكين الفئات المستبعدة (الفقراء)، وزرع قيم التربية المدنية والعدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة، وبناء أشكال جديدة من الإدارة الحضرية التي تشرك السكان في إدارة بلدتهم. ومن ثم فهي سياسات إدارية تُساهم في تحقيق الهدف العام لمدرسة الإدارة العامة الجديدة والتي تتمثل في تسهيل مشاركة المواطنين في صنع السياسات، حيث إن المواطنين هم الأكثر معرفة باحتياجاتهم على أرض الواقع، حيث إنها شكل جديد من بناء العلاقة بين السلطة العامة المحلية والمنظمات الشعبية وبقية المجتمع لتلبية مطالب الشرائح الفقيرة من السكان.

أما عن التحديات أو السلبيات المرتبطة بتطبيق تلك السياسات فإنه ووفقًا لتجارب بعض الدول لم تساهم تلك السياسات بالشكل الكافي في القضاء على الفساد والمحسوبية وسعي أعضاء مجلس الميزانية إلى تحقيق مصالح خاصة، ومن ثم يمكن أن تتسبب تلك السياسات في موجة من التمرد الاجتماعي ضد الفساد والمصالح. ويمكن أن يترتب على تطبيق تلك السياسات تحديات أخرى تتمثل في نشوب صراعات بين كل من المجلس التشريعي (البرلمان) ومجلس الموازنة (المجلس المحلي الذي تم انتخابه من جانب المواطنين)، حيث يُستبعد المجلس التشريعي (البرلمان) من المشاركة في الاجتماعات المحلية الخاصة بتحديد أوجه الإنفاق، هذا فضلًا عن أن الضغط الشعبي لعدم تغيير مقترحات الموازنة التي تقدمها السلطة التنفيذية إلى الهيئات التشريعية يجعلهم يشعرون أنه يتعين عليهم الموافقة على الموازنة دون تعديلات، وهو الأمر الذي يمنعهم من ممارسة دورهم الرئيسي كمشرعين. ومن الانتقادات الأخرى للموازنة التشاركية هو أن عدد الأشخاص الذين يشاركون في صنع القرار من خلال تلك المنظومة أصغر وأقل تمثيلًا للسكان مقارنة بعدد ممثلي السكان بالمجلس التشريعي. أما عن الانتقادات الأخرى فتتمثل في استخدام بنود الإنفاق بالموازنة بغرض تحقيق مصالح شخصية لأعضاء مجلس الموازنة، أو أن مجلس الموازنة يختار أولويات الإنفاق وفقًا للخطوط الأيديولوجية أو الانتماء بدلًا من مراعاة مصلحة المواطنين.
الخلاصة، يمكن القول إن تطبيق سياسات الموازنة التشاركية قائم بالأساس على أن المواطنين هم الأكثر علمًا باحتياجاتهم، ومن ثم فهم الأكثر قدرة على تحديد أولويات الإنفاق، حيث تقوم فلسفة تلك السياسة على أن المواطنين سيمضون أكثر حماسًا للدفع نظرًا لأنهم الطرف الذي يحدد أوجه إنفاقها. ومن ثم فهي تشرك مجموعة من الفئات المستبعدة قبل تطبيق تلك السياسة وتعيد توجيه الموارد للأحياء التي تجاهلها العمل الحكومي سابقًا. هذا فضلًا عن المزايا الأخرى الناتجة عن تطليق تلك السياسات التي تتمثل في بناء رأس المال الاجتماعي (العلاقة بين السكان وبعضهم بعضًا)، وتعزيز مفهوم المواطنة (العلاقة بين السكان والدولة)، وترسخ قيم المشاركة السياسية للمواطنين (الديمقراطية)، لكن النجاح في تطبيق تلك السياسات يعتمد بشكل كبير على التركيبة الاجتماعية للسكان، حيث تشير التجارب السابقة إلى أن المدن الأعلى في مؤشر التنمية البشرية والأكثر من حيث الرخاء الاقتصادي هي الأكثر نجاحًا في تطبيق تلك السياسات.

أحمد بيومي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة