جسور الإثم ما بين اليسار والإخوان

مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

الكثيرون في مصر رصدوا ما يجرى من أشكال التحالف بين جماعة الإخوان وبين تيارات متنوعة ممن ينتمون للفكر اليساري، جرى ذلك بصورة واضحة بعد سقوط نظام الرئيس الأسبق حسنى مبارك في عدد من محطات المرحلة الانتقالية، حينها برز هذا التحالف بأشكال متنوعة خلال الاستحقاقات الانتخابية، وغيرها من المواقف والأداءات السياسية التي بلورت نفسها لاحقاً على نحو أقرب للتكامل. بالعودة لتفاصيل هذه الأحداث يجعلنا نتذكر؛ كيف ساهمت تلك التحالفات في انعطافات حادة لمسار العملية السياسية التي لم تكن قد استقرت بعد، ويكفي حجم التصويت لمرشحي الإخوان وغيرهم من تيارات الإسلام السياسي من كتل يسارية معتبرة لم تخجل من إعلانه، رغم ما…

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

الكثيرون في مصر رصدوا ما يجرى من أشكال التحالف بين جماعة الإخوان وبين تيارات متنوعة ممن ينتمون للفكر اليساري، جرى ذلك بصورة واضحة بعد سقوط نظام الرئيس الأسبق حسنى مبارك في عدد من محطات المرحلة الانتقالية، حينها برز هذا التحالف بأشكال متنوعة خلال الاستحقاقات الانتخابية، وغيرها من المواقف والأداءات السياسية التي بلورت نفسها لاحقاً على نحو أقرب للتكامل. بالعودة لتفاصيل هذه الأحداث يجعلنا نتذكر؛ كيف ساهمت تلك التحالفات في انعطافات حادة لمسار العملية السياسية التي لم تكن قد استقرت بعد، ويكفي حجم التصويت لمرشحي الإخوان وغيرهم من تيارات الإسلام السياسي من كتل يسارية معتبرة لم تخجل من إعلانه، رغم ما صحب ذلك من غرابة لم تكن مفهومة ولا متوقعة حينها.

دفعت مصر ثمناً باهظاً جراء ما نتج عن هذا التحالف، لم ينقذها منه أو يقلص من خسائر هذه الفترة، سوى الإرادة الحقيقية التي تمثلت بداية في ثورة 30 يونيو 2013، ثم ما جرى لاحقاً من تدشين لمسار سياسي بدا أنه قد قلص مساحات هذا التقارب، وإن لم يقض عليه تماماً حتى الآن. فلهذه الأجنحة اليسارية منطق يخصها وعقيدة رغم وضوح تشوهها جعلتها تصر على المضي قدماً في الإيمان بأن هذا التحالف مع الإخوان قادر على صناعة مشهد مغاير لأحداث العنف والإرهاب المادي والمعنوي الذي تؤمن به الجماعة كعقيدة ثابتة. في المقابل برع الإخوان دون شك في التخفي عن هذا التوجه العقائدي في ثورة يناير وما بعدها، لكن سرعان ما سقط هذا القناع بمجرد الوصول إلى السلطة، ومن ثم بعد الإطاحة بهم في ثورة يونيو لتتكشف الجذور التي لم تتبدل يوماً وإن توارت لفترة بمنطق تكتيكي فقط. وتعود هذه الأجنحة اليسارية في مسلكها المشوش إلى مفهوم صاغه المفكر ليون تروتسكي، حول تشكيل «جبهة متحدة» تحت منطق تكتيكي وفق شعار «السير منفردين والضرب معاً»، على اعتبار أن العمل مع قوى متناقضة ضمن جبهة واسعة قد يحقق لليسار أهدافه، بشرط الحفاظ على استقلالية البرنامج وممارسة الانضباط الداخلي بشكل صارم!

يرتكن البعض سريعاً إلى تحليل يفسر هذه الحالة الشاذة من التقارب بين اليسار وجماعة الإخوان، إلى رغبة التنظيم في صبغ تحركاته المناهضة لمفهوم الدولة الوطنية، بصبغة مدنية ذات عقل منفتح يمكنها التحالف مع كل الأطياف المغايرة لعقيدتها. في حين بدا أن الطرف الآخر من هذه العلاقة الآثمة هو الأكثر حرصاً على الاستفادة من التحالف مع التنظيم، رغم سابقة وصف غالبية الأجنحة اليسارية لهذه الجماعات المتأسلمة بالفاشية الكاملة. فاليسار بعد عقود من انحسار الأضواء وضيق مساحات الحركة بين الجماهير أمامه، هداه تفكيره إلى الارتماء تحت عباءة هذا الكيان الواسع، كي ينفذ من خلاله إلى فضاءات جديدة من المناصرين الذين ظلوا يغازلون أعين اليسار، ويسيل لعابه مع كل استحقاق انتخابي يخوضه الإسلاميون والإخوان بالأخص ويحصدون من خلاله الانتصار. لم يقتصر الأمر على الانتخابات بالطبع؛ فاليسار اعتبر مثلاً الثورة الإيرانية 1979 هي ثورة «مستضعفين» بمجرد إطلاق «الخومينى» لهذا الشعار، وأعطوا لها تأييداً مطلقاً رغم ما تكبده الحزب الشيوعي الإيراني من جزاء سنمار بعد مشاركته المؤثرة في الثورة على نظام الشاه. لذلك يظل هذا الجناح من اليسار يرى أن تشاركه مع مكونات الإسلام السياسي في أي فعل جماهيري حاشد، ضد سلطات الدولة وبنيتها المؤسسية هو بمثابة عمل تقدمي يجعل وصف هذه الحركات بـ«التقدمية» أمراً منطقياً، كما يحلو له إطلاقه أو الانخراط تحته وإن ظل مزيفاً بامتياز مثلما الحالة في جماعة الإخوان التي تفخر بعقيدتها الأصولية.

اليوم هذه الظاهرة بدأت تلفت أنظار الكثير من دول العالم التي تمكن الإسلام السياسي من اختراقها، أو على الأقل يحظى بوجود مؤثر فيها كما هو الحال في فرنسا التي أفاقت مؤخراً على تلك العلاقة الشاذة، التي صكت لها مصطلح «اليسار الإسلامي» في إشارة إلى أجنحة اليسار التي تحالفت مع المتأسلمين. التوجس عبر عن نفسه فى حديث لوزيرة التعليم العالي الفرنسية عندما حذرت مؤخراً من اختراق هذا التوجه للجامعات وإضراره بقيم المجتمع، مطالبة بمراقبة هذا التحالف وتكثيف الدراسات حوله، معتبرة أن ذلك لن يكون معزولاً بحال عما يجرى فى الواقع العربي من اختراقات أكثر حدة واتساعاً. ورغم ما تلقته الوزيرة من لوم كبير وصل لحد مطالبتها بتقديم استقالتها على خلفية ما تتعرض له فرنسا من انتقادات، فيما يخص تفشى ظاهرة الإسلاموفوبيا ما بعد حادث قطع رأس المدرس صامويل باتى. لكن يظل المصطلح وحالة الترقب لما أطلق عليه اليسارية الإسلامية، حاضراً رغم اتهام الغرب بأنه يعد المروج الأكبر لهذا التقارب بل والمنظر له، باعتباره المساهم البارز في خلق الجسور ما بين اليسار التنويري التقدمي، صاحب الرؤى النقدية المعمقة للظواهر الاجتماعية والسياسية، وبين الانغلاق الراديكالي متمثلاً في جماعات الإسلام السياسى، وعلى رأسهم جماعة الإخوان التي تتمتع بحرية ملحوظة في البلدان الغربية.

ما أثار تلك الهواجس الآن؛ وجعلها تتجاوز الطرح الفكري وتساؤلاته إلى البحث عن قواعد هذه الجسور، أن عديداً من الشواهد أكدت أن هناك تحالفات فى كثير من البلدان الأوروبية بالخصوص، باتت واقعاً يجرى خلف أبواب المكاتب المغلقة وفى زوايا البلدات النائية بعيداً عن أعين المراقبين، يجلس أطرافها معاً كي يضعوا خططاً لتحالفات انتخابية أو تحركات جماهيرية تستهدف الأنظمة الحالية بشكل مباشر، يمثل طرفاها المنتمين إلى اليسار المتطرف مع المتأسلمين الجاهزين لعقد أي صفقة. في الوقت الذي تعود فيه الإدارة الأمريكية الجديدة التي تؤمن بأهمية هذا الجسر، مثلما كان الحال قبلاً في إدارة باراك أوباما التي كان لها الإسهام الأكبر في دعم أصحاب التوجهات اليسارية الراديكالية بمؤسسات معلوم علاقتها بجماعة الإخوان، وها هي الدائرة تعود من جديد رغم الانكشافات العديدة التي حملتها السنوات الماضية!

ـــــــ

نقلا عن جريدة الوطن، الإثنين ١٥ مارس ٢٠٢١.

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

مقالات أخرى للكاتب