مقال تحليلي

محاولات حثيثة: هل يتحول العراق إلى دولة دينية؟

لم تُخفِ الأحزاب والفصائل الشيعية الإسلامية التي كان لها نصيب الأسد في مقاعد السلطة في العراق بعد الغزو الأمريكي الذي أسقط نظام صدام حسين عام 2003، نواياها في إقامة دولة إسلامية حتى ولو كان الأمر يتطلب مشروعًا طويل النفس ينتهي بتحقيق ذلك الهدف بعد سنوات أو عقود. كانت أول محاولة قد جرت لإضفاء طابع إسلامي على النظام الجديد هو ما أقدم عليه عبدالعزيز الحكيم، زعيم المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق وعضو مجلس الحكم، بإلغاء قانون الأحوال الشخصية العراقي أثناء فترة توليه الرئاسة الدورية الشهرية للمجلس. كان القانون الذي شرع بعد الإطاحة بالعهد الملكي في العراق عام 1958 يُعتبر من…

صلاح النصراوي
كاتب عراقي - خبير في الشئون الإقليمية والعربية

لم تُخفِ الأحزاب والفصائل الشيعية الإسلامية التي كان لها نصيب الأسد في مقاعد السلطة في العراق بعد الغزو الأمريكي الذي أسقط نظام صدام حسين عام 2003، نواياها في إقامة دولة إسلامية حتى ولو كان الأمر يتطلب مشروعًا طويل النفس ينتهي بتحقيق ذلك الهدف بعد سنوات أو عقود. كانت أول محاولة قد جرت لإضفاء طابع إسلامي على النظام الجديد هو ما أقدم عليه عبدالعزيز الحكيم، زعيم المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق وعضو مجلس الحكم، بإلغاء قانون الأحوال الشخصية العراقي أثناء فترة توليه الرئاسة الدورية الشهرية للمجلس. كان القانون الذي شرع بعد الإطاحة بالعهد الملكي في العراق عام 1958 يُعتبر من التشريعات المدنية المتقدمة التي أنصفت المرأة في قضايا عديدة، منها الزواج والميراث، لكن مشروع الحكيم الذي تم إبطاله بسبب المعارضة الشديدة التي لقيها، كان يدعو إلى “تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية” ومن خلال “المحاكم الشرعية” على أحكام كثيرة تتعلق بالأسرة بعد نحو خمسين عامًا من الاحتكام إلى قوانين مدنية تستند إلى فهم عصري لمبادئ الشريعة وإلى محاكم تتبع للقضاء المدني العراقي.

كانت خطوة الحكيم الذي كان يومها يقود تيارًا نافذًا وسط الإسلاميين الشيعة الذين عاشوا سنوات طويلة في المنفى في إيران تحت عباءة نظام الجمهورية الإسلامية وولاية الفقيه التي أسسها الزعيم الروحي للثورة الإسلامية آية الله الخميني، الإنذار الأول الذي كشف أهداف ونوايا الجماعات الإسلامية الشيعية عن الدولة العراقية الجديدة التي ينوون بناءها بعد أن يستولوا كلية على السلطة، وفق الخطط التي أعدوها بعد تسليمها من قبل سلطة الاحتلال الأمريكي إلى حكومة عراقية منتخبة، وفقًا لخارطة طريق تم التوصل إليها على استعجال ودون توافق مجتمعي بعد الغزو، وتختصر فترة مناسبة لعملية انتقال ديمقراطي سلس ومنظم.

بانت نوايا تيار الإسلام الشيعي السياسي بشكل أكثر وضوحًا بعد انتخابات جمعية وطنية مؤقتة عام 2005 كانت مهمتها الأساسية كتابة دستور جديد للبلاد، حيث أصرت قيادات التيار على تضمين الوثيقة الدستورية التأسيسية بنودًا من بينها أن يكون دين الدولة الإسلام، وأن تكون “الشريعة الإسلامية المصدر الوحيد للتشريع” في الدولة الجديدة التي نافحوا أيضًا لأن يطلق عليها “الجمهورية الإسلامية العراقية الاتحادية”. لم يُكتب لتلك المحاولات النجاح بسبب معارضة ممثلي الأكراد وبعض السنة العرب وأطراف علمانية شيعية لهذا التوجه، لكنهم وافقوا على أن تكون الإشارة إلى أن يكون “الإسلام أحد مصادر التشريع”. ومع ذلك فقد ظفرت الأطراف الشيعية الممثلة بـ”الائتلاف الوطني الموحد” ببعض النجاحات في صياغة الدستور التي ضمنت لهم التأكيد على أن “الإسلام دين الدولــة الرسمي، وهـو مصدر أســاس للتشريع”، كما أكد على عدم جواز سن قانون “يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام، وعلى ضمان الحفاظ على الهوية الإسلامية لغالبية الشعب العراقي”، كما أكد على أن “العتبات المقدسة والمقامات الدينية في العراق كيانات دينية وحضارية، وتلتزم الدولة بتأكيد وصيانة حرمتها، وضمان ممارسة الشعائر بحرية فيها. أما في ديباجة الدستور فقد نجحوا في تلوينها ببعض الإشارات الدينية التي تهدف إلى ترسيخ طابع إسلامي على الوثيقة الدستورية برمتها.

غير أن أهم نجاح لجماعات الإسلام السياسي الشيعية الذي انتزعوه من شركائهم في العملية السياسية وبمباركة من سلطة الاحتلال الأمريكي وبغض نظر من الأمم المتحدة التي كانت تتمتع بدور رعاية مصالح العراقيين بحكم قرارات مجلس الأمن، فهو اللغم الذي وضعوه في الدستور من خلال المادتين 92 و93 المتعلقتين بإنشاء المحكمة الاتحادية العليا. جاء في النص الدستوري أن تتكون المحكمة الاتحادية العليا من “عدد من القضاة وخبراء في الفقه الإسلامي وفقهاء في القانون”، حيث تختص المحكمة بالبت في تفسير الدستور وفي دستورية القوانين النافذة والرقابة عليها. وبالرغم من أن المادة الدستورية تركت تفاصيل كل ذلك إلى قانون خاص بالمحكمة يتم تشريعه لاحقًا، إلا أن النص على مشاركة من سماهم بالخبراء في الفقه الإسلامي كان مؤشرًا واضحًا على نوايا الطبقة السياسية الشيعية في أسلمة الدستور والقوانين من خلال تسليم مستقبلها لرجال الدين الذين سيكون لهم دور في سن القوانين وفي الشهادة على دستوريتها ومطابقتها لأحكام الشريعة.

وخلال السنوات الثماني عشرة الماضية ظلت المحكمة الاتحادية التي تشكلت مؤقتًا بموجب أمر من سلطة الاحتلال تعمل من غير القانون الذي نص عليه الدستور، كما لم تستطع جماعات الإسلام السياسي الشيعية الدفع لتمرير تشريع للمحكمة الاتحادية بسبب عدم ملاءمة الظروف السياسية والأزمات الأمنية والحكومية المتلاحقة مما أدى إلى تأجيل الأمر حتى تتهيأ الفرصة المناسبة لذلك. أدى حدثان إلى توفر تلك الفرصة مؤخرًا؛ الأول هو وفاة وتقاعد عدد من أعضاء المحكمة الحالية وتعذر اختيار بدائل لهم في ظل عدم وجود القانون، مما أدى إلى تعطل نصابها وشل عملها، ما ترك حالة فراغ دستوري. أما الثاني فكان قرار إجراء انتخابات برلمانية مبكرة في شهر أكتوبر القادم والذي يتطلب حسب الدستور مصادقة المحكمة الاتحادية على نتائجها قبل إعلانها وتشكل مجلس نواب جديد.

لكن على غرار التسويات السياسية التي تجري في عراق ما بعد الاحتلال من خلال الصفقات والمساومات على أساس المحاصصة الطائفية كان لا بد من أن يتوفر لتمرير القانون فرصة مثل هذه، وهو ما وفرته الموازنة المالية للحكومة التي ظلت محاولات إقرارها متعثرة منذ بداية العام بسبب خلافات مع إقليم كردستان بشأن حصة الإقليم من الموارد الاتحادية. وبما أن تمرير قانون المحكمة الاتحادية يتطلب تصويت ثلثي أعضاء البرلمان البالغ عددهم 328 عضوًا، فإن الأغلبية الشيعية ستحتاج إلى أصوات من النواب الأكراد والعرب السنة لتأييد مشروع القانون الذي قدموه والذي تضمن إضافة إلى الفقرة الإشكالية الخاصة بخبراء الفقه فقرة أخرى مثيرة للجدل استثنتهم من ضرورة ألا يكونوا من حملة جنسية أخرى غير الجنسية العراقية أسوة برئيس المحكمة الاتحادية ونائبه. وفي الوقت الذي تم تأجيل التصويت على الموازنة مرارًا خلال الأشهر الماضية، فإن الأكراد قد يكسبون ما يريدون منها إذا ما حصلوا على صفقة مناسبة من الموارد المالية، إضافة إلى ما طرحوه دائمًا من ضرورة تمرير قانون للنفط والغاز يتيح لهم الحرية في التصرف بمصادر الطاقة المتوفرة في الإقليم. لكن في المحصّلة النهائية فإن موقف القيادات الكردية التي تدير إقليمًا شبه مستقل هو عدم اكتراثها بما يجري في بغداد ومناطق الوسط والجنوب طالما أن مشروعها القومي الذي تمضي به قدمًا هو إقامة الدولة الكردية المستقلة، ومن ثم فإن أية تصدعات تحدث في الكيان العراقي جراء أزماته المزمنة سيساعد في التسريع بإقامة تلك الدولة.

ليس من المعروف موقف النواب من العرب السنة بشأن إقرار قانون المحكمة الاتحادية في البرلمان حتى الآن، لكن ما بدا من خلال تصريحات العديد من نوابهم أنهم يدركون المخاطر التي يمكن أن يمثلها إصدار قانون كهذا يتقاطع مع مصالح وتطلعات المكون العربي السني في دولة عراقية لا يسيطر على شئونها الأحزاب الإسلامية الشيعية القريبة من إيران. هناك انقسامات شديدة في وسط النواب السنة الذين يتطلعون إلى دعم الحكومة وأجهزتها والقوات الأمنية والمليشيات المدعومة من إيران في معركة الانتخابات القادمة، مما قد يضطرهم إلى التوافق مع الجماعات الشيعية على صيغة ما لتمرير القانون دون أن يبدوا متواطئين فيه. ما كشف عن هذه الإمكانية هو صيغة الحل الوسط التي طرحها مجلس القضاء الأعلى الذي يعتقد على نطاق واسع أن أعضاء بارزين فيه مقربون من الأحزاب الشيعية التي اقترح فيها أن يقتصر عمل الفقهاء على النظر في دستورية القوانين التي “تتعلق بثوابت أحكام الإسلام”، في حين يعمل القضاة الآخرون على بقية القضايا التي يتطلب نظر المحكمة في دستوريتها.

ما تشير إليه أزمة تمرير قانون المحكمة الدستورية هو أبعد كثيرًا من قضية الانتخابات المبكرة والنزيهة التي طالب بها نشطاء الحراك الشعبي الذي انطلق في أكتوبر عام 2019 ولا يزال مستمرًا في بعض المحافظات والتي تم تأجيلها بانتظار إصدار قانون المحكمة الاتحادية. كما أنها أبعد أيضًا من موضوع المحاصصة الطائفية والإثنية التي أصبحت هي القاعدة التي تسير على هداها العملية السياسية المتعثرة في العراق والتي دائمًا ما تنتهي إلى تقسيم مغانم وتوزيع حصص بين زعماء الكتل والجماعات السياسية. إذ يتعلق الأمر أولًا بالدستور العراقي الذي أقام توازنًا في مادته الثانية بين الاحتكام إلى “ثوابت أحكام الإسلام” وبين “مبادئ الديمقراطية” كما منع سن أي قانون “يتعارض مع الحقوق والحريات الأساسية” الواردة فيه. كان ذلك التوازن ضروريًا للحد من تطلعات جماعات الإسلام السياسي الشيعي في إقامة دولة ولاية الفقيه في عراق ما بعد صدام، وأيضًا إقناع الأكراد والسنة العرب بالتصويت لصالح الدستور والانخراط في العملية السياسية، بل وكان ضروريًا أيضًا للحد من مخاوف الأغلبية الشيعية التي ترفض الدولة الدينية وتتطلع إلى دولة مدنية.

إذا نجحت محاولات تمرير مشروع قانون المحكمة فسيكون للعراق محكمة دستورية سوف يعين قضاتها من قبل قادة الكتل الطائفية والإثنية وفق صفقات المحاصصة المعهودة، وبما يضمن ولاءهم لهم. وسيكون هناك رجال معممون سيوصفون بالفقهاء يحملون جنسيات أجنبية، إضافة للجنسية العراقية، بإمكانهم أن يوقفوا العمل بأي قانون أو نظام أو إجراء سيتعبرونه منافيًا لأحكام الشريعة الإسلامية. ووفق نموذج المحاكاة الإيراني فإن المحكمة الاتحادية التي سيقرر سير عملها رجال دين مرتبطون بالأحزاب والمليشيات المسلحة ستؤسس نظامًا أشبه بـ”مجمع تشخيص مصلحة النظام ومجلس صيانة الدستور” في إيران مجتمعين، مما سيحول العراق إلى دولة ثيوقراطية بامتياز، كما سيضرب بعرض الحائط أية إمكانية لتحول العراق إلى بلد تعددي ومتنوع الأجناس والأديان والمذاهب وديمقراطي، بل سيهدد العراق ذاته كدولة وكيان.

لا تجري محاولات تمرير قانون المحكمة الاتحادية بمعزل عن مجمل الأوضاع في العراق والتي بدأت تستقر على تنامي دور إيران في النواحي السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية، وكذلك تصاعد دور الجماعات السياسية المتحالفة معها وبما فيها أجنحتها العسكرية والمليشيات المسلحة الأخرى. إذن ما كان واضحًا، ولكن في أغلب الأحيان مسكوتًا عن البوح فيه، هو أن ما يجري هو مشروع متكامل يسير باتجاه إضفاء طابع إسلامي شيعي على الدولة وأجهزتها ومؤسساتها وقوانينها وعلى البيئة الروحية والثقافية في المجتمع العراقي، مما سيؤدي بشكل تدريجي إلى تناغم مع نظام ولاية الفقيه في إيران، وهو الأمر الذي عبر عنه قادة إيرانيون مرارًا وتكرارًا.

إن الصيغة التوفيقية التي عرضها مجلس القضاء الأعلى قد تمر عبر الصفقات وفي ظل غياب مقاومة حقيقية من قبل التيار العريض من دعاة الدولة المدنية الديمقراطية التي عبر عنها الحراك الوطني منذ أكتوبر 2019، وكذلك عدم اكتراث كردي وتهافت موقف السنة العرب، ولربما سيكبح ذلك جماح الاندفاع في تأسيس دولة إسلامية في العراق على هوى قوى الإسلام السياسي الشيعي إلى حين، قبل أن تواصل هذه القوى مساعيها مرة ثانية لإتمام المشروع، وربما حينها في عراق غير هذا الذي نعرفه اليوم.

صلاح النصراوي
كاتب عراقي - خبير في الشئون الإقليمية والعربية