الدراسات الفلسطينية والإسرائيلية

أزمة مركّبة: “نتنياهو” يواجه كورونا والأحزاب الدينية في الانتخابات

يواجه رئيس الحكومة وزعيم حزب الليكود الحاكم “بنيامين نتنياهو” مأزقًا سياسيًا في إسرائيل وذلك قبل انتخابات عامة ستُجرَى في 23 مارس 2021، يتمثل في عدم قدرته على جمع عددٍ كافٍ من المقاعد الحزبية لتشكيل ائتلاف حكومي مستقر، إذ يقدر مقاعد معسكره في أكثر التقديرات تفاؤلًا بعدد 58 مقعدًا، وهو ما لا يسمح بتشكيل حكومة مستقرة، إذ يحتاج تشكيل ائتلاف حكومي -قانونيًا- إلى 61 مقعدًا (50%+1) على أقل تقدير. ويعود الأمر إلى جملة معقدة من الأسباب لا تنحصر فقط في تصاعد أرصدة الأحزاب الإسرائيلية التي تعارض “نتنياهو” بشكل شخصي، وتنوي إقصاءه من المشهد السياسي إلى الأبد؛ بل تتعداها إلى أبعد من…

شادي محسن
باحث بوحدة الدراسات الإسرائيلية

يواجه رئيس الحكومة وزعيم حزب الليكود الحاكم “بنيامين نتنياهو” مأزقًا سياسيًا في إسرائيل وذلك قبل انتخابات عامة ستُجرَى في 23 مارس 2021، يتمثل في عدم قدرته على جمع عددٍ كافٍ من المقاعد الحزبية لتشكيل ائتلاف حكومي مستقر، إذ يقدر مقاعد معسكره في أكثر التقديرات تفاؤلًا بعدد 58 مقعدًا، وهو ما لا يسمح بتشكيل حكومة مستقرة، إذ يحتاج تشكيل ائتلاف حكومي -قانونيًا- إلى 61 مقعدًا (50%+1) على أقل تقدير. ويعود الأمر إلى جملة معقدة من الأسباب لا تنحصر فقط في تصاعد أرصدة الأحزاب الإسرائيلية التي تعارض “نتنياهو” بشكل شخصي، وتنوي إقصاءه من المشهد السياسي إلى الأبد؛ بل تتعداها إلى أبعد من ذلك، إذ يتنافس الجميع على تفكيك القاعدة الانتخابية لنتنياهو وضمها إلى أحزابهم، مما يضعه في ضغط إعادة ترتيب الأوراق والارتكان إلى تحركات تكتيكية.

أزمة “نتنياهو”.. شواهد وتفسيرات

هناك أحداث لم يأخذها “نتنياهو” في حسبانه، يبدو أنها مثّلَت عوامل الأزمة السياسية التي يمر بها، وهي:

أولًا: تناقص عدد مقاعد حزب الليكود في استطلاعات الرأي، إذ لم ينجح الحزب في الحفاظ على 30 مقعدًا في استطلاعات الرأي الأخيرة، وتراوح العدد بين 29 و28، وهو عدد لا يساعد الحزب في تشكيل ائتلاف حكومي متماسك؛ بسبب أن مجمل عدد مقاعد الأحزاب اليمينية المتحالفة مع “نتنياهو” لا يزيد على 58 مقعدًا.

وتتعلق صدمة حزب الليكود في ضياع التأثير الإيجابي لاستقدام لقاحات فيروس كورونا إلى إسرائيل رغم تلقيح أكثر من نصف الإسرائيليين. يفسر ذلك تغيير خطابات “نتنياهو” حول مسألة كورونا من “تم القضاء على كورونا في إسرائيل” (سابقًا)، إلى “كورونا لا تزال وباقية معنا”؛ وذلك من أجل خلق حاجة سياسية في استمرار استقدام اللقاحات وارتهانه ببقاء “نتنياهو”. كما زعم أن اللقاح مدة صلاحيته ستة أشهر إلى عام واحد فقط. أما تفسير ذلك، فيعود إلى:

١. فشل “نتنياهو” في إدارة أزمة كورونا على المستوى الاقتصادي المنشود، وكانت النتيجة ارتفاع نسب البطالة والتضخم، مما خفّض الإنفاق الاستهلاكي في السوق. علاوة على إصراره بعدم التصديق على ميزانية العام الماضي، فبدا أن الليكود بدون رؤية اقتصادية متماسكة، في حين اهتّم حزب “هناك مستقبل” بتقديم برنامج اقتصادي مفصل على نحوٍ ما (15 صفحة)، وهو ما يفسر احتلاله المركز الثاني في عدد المقاعد بعد الليكود (19 مقعدًا). أما حزب ميرتس فقد فهم أهمية تقديم رؤية مستقبلية، فاجتمع مع معاهد أبحاث اقتصادية لصياغة برنامج اقتصادي لرفع تداعيات أزمة كورونا، وسيتم نشرها الأسبوع المقبل.

٢. تزايد أعداد الأحزاب الدينية التي وجدت في أزمة كورونا فرصة للإطاحة بنتنياهو (المثقل بقضايا الفساد) من المشهد، وإمكانية تشكيل ائتلاف حكومي بعيدًا عن الليكود (مثل حزبي “أمل جديد” و”يمينا”). ونتج عن هذه الأحزاب أن بدأت في اجتذاب ناخبين من قلب القاعدة السياسية التقليدية لليكود، وهي الطبقة المتوسطة في المجتمع الإسرائيلي. ورغم أنها طبقة اقتصادية إلا أن هذه الأحزاب لم تقدم أيضًا برنامجًا اقتصاديًا واضحًا، وهو ما يدفع للقول إن “نتنياهو” يمكن أن يستعيد هؤلاء الناخبين مرة أخرى إذا استدرك موقفه وقدّم رؤية اقتصادية متماسكة لهذه الطبقة التي خسرت مدخراتها بسبب أزمة كورونا.

ثانيا : استقلال الأحزاب الدينية عن “نتنياهو”

يُنسَب لنتنياهو نجاحه في تشكيل تحالف سياسي قوي يجمع الأحزاب اليمينية الدينية المتطرفة في إسرائيل لأكثر من عقد من الزمان. ولكن مؤخرًا رفض حزبا “الصهيونية الدينية” و”يهودات هاتوراة” توقيع اتفاق مسبق على دعم تشكيل حكومة يكون رئيسها “نتنياهو”، تاركين لأنفسهم الفرصة في الانضمام لأي حكومة تحت أي رئيس. بروز هذه الظاهرة يعود للأسباب التالية:

١. رغبة هذه الأحزاب في أن تصبح رقمًا فاعلًا في المشهد السياسي الإسرائيلي، يمكنهم من فرض شروط استراتيجية في مستقبل إسرائيل، وبالتالي لا يرتهن نشاطهم السياسي بوجود “نتنياهو”. ساعدهم في ذلك زيادة ديمُغرافيتهم اليهودية المتشددة إلى ما يزيد على 16% من المجتمع الإسرائيلي.

٢. التباين الملحوظ بين اليهودية “الدينية” (مثل: حزب يهودات هاتوراة) واليهودية “القومية” (مثل: الليكود) حول بعض المسائل: أهمها ملف ضم غور الأردن. إذ تعتزم الأحزاب اليمينة “الدينية” تحقيق مسار ضم غور الأردن بسرعة وتصميم أكبر من الأحزاب اليمينة “القومية”، لذلك من المنصف القول إن الأحزاب الدينية ستفرض على الائتلاف الجديد أجندة استيطانية محددة يأتي في مقدمتها ضم غور الأردن.

إدارة تكتيكية

غلب على نهج إدارة “نتنياهو” لأزمته السياسية في الداخل طابع الإدارة التكتيكية التي تستهدف التأثير على قطاعات مجتمعية محدودة، ولمدد وقتية بسيطة؛ فكانت النتيجة هو تذبذب عدد مقاعد حزب الليكود بين (28، 29، 30 مقعدًا). 

١. نية ضم عرب إلى الحكومة الجديدة: يحتاج “نتنياهو” إلى دعم الفلسطينيين العرب في إسرائيل في التصويت لحزب الليكود في الانتخابات، وقد اتضح ذلك في تسريب أنباء تفيد بالتفاوض بين الليكود والسلطة الفلسطينية من أجل أن تؤثر الأخيرة على العرب للتصويت لليكود. في مقابل ذلك أعلن “نتنياهو” نيته منح أحد قيادات عرب 48 منصب وزير في الحكومة المستقبلية.

يساوم “نتنياهو” المجتمع العربي في إسرائيل على أمرين مهمين: 1) رغبة العرب في الحفاظ على الطابع المحافظ لمجتمعهم بعيدًا عن تداعيات ثقافية مزعجة مثل تقرير مصير المثليين، وبالتالي في حالة تقارب سياسي مع الليكود سيمكنهم ذلك من ضمان الطابع المحافظ. 2) رغبة المجتمع العربي في الحفاظ على العزلة الأمنية والسياسية لهم في قلب إسرائيل، إذ كان دافع “نتنياهو” من تسيير حملة أمنية مداهمة لبيوت العرب الإسرائيليين في الناصرة مؤخرًا هو تذكيرهم بيد إسرائيل الثقيلة عليهم وقدرتها على فرض تقييد أمني عليهم.

لذا يمكن القول إنه في حالة رغب “عرب 48” في ضمان الملفين السابق ذكرهما فعليهما التعاون مع الليكود، والرهان على مستقبله السياسي؛ أي التصويت له.

٢. جذب المجتمع الحريدي: خسر “نتنياهو” كثيرًا من دعم الناخبين المنتمين للطبقة المتوسطة، بسبب تداعيات أزمة كورونا الاقتصادية الحادة، كما خسر بعض الدعم السياسي بعد توالي قضايا الفساد ضده حتى تم وصفه بـ”المجرم”؛ لذا يلجأ إلى تدعيم قاعدته الانتخابية السياسية من خلال جلب ناخبين منتمين إلى المجتمع الحريدي. يُفسر ذلك تقديمه معونات مالية للعائلات اليهودية من أصول يمنية، كما يفسر تقديم “نتنياهو” ميزانية عامة تستهدف تقديم مُخصصات مالية للمجتمعات الأصولية في إسرائيل؛ مما دفع شريكه في الائتلاف “بيني جانتس” لرفضه ووصفه بأنه “رشوة انتخابية”.

٣. التلويح بالفوضى: نجح “نتنياهو” طيلة عقود سلطته على إسرائيل في أن يفرض على الأحزاب السياسية مبدأ التشكيك (فرق تسد)، اتضح على سبيل المثال في عقده تحالفًا مع “بيني جانتس” (حزب أزرق أبيض) مما اضطر الأخير لتفكيك تحالفه مع حزب “هناك مستقبل” (الوسط-يسار)، وكانت النتيجة أن المعسكر المناهض لنتنياهو أصبح لا يثق في بعضه ويؤمن بعدم قدرته على تشكيل ائتلاف حكومي متماسك، يستدل على ذلك أن زعيم حزب “يمينا” “نفتالي بينت” أشرَس المنافسين أمام “نتنياهو” والرافض لسياساته صرّح بأنه يميل إلى تشكيل ائتلاف مع “نتنياهو” لأنه لا يثق في نجاح تشكيل ائتلاف بدونه. كما يُستدل على ذلك بمبادرة 130 جنرالًا عسكريًا إسرائيليًا بتوقيع وثيقة تطلب من زعيم أزرق أبيض “بيني جانتس” باعتزال السياسة حتى لا تدخل إسرائيل في فوضى سياسية، ويُعرضها للضعف أمام التهديد الإيراني.

٤. التلويح بالتهديد الإيراني: حسب استطلاع رأي لمعهد أبحاث الأمن القومي (ديسمبر 2020) يؤمن 36% من الإسرائيليين بأن المعضلة الأمنية هي أكثر الملفات حساسية أمام الحكومة الإسرائيلية. وهو ما استغله “نتنياهو” وبات ينتهج إدارة هجومية حادة في مواجهة إيران (حتى باتت هناك محاولة لخلق استقطاب إقليمي ضد إيران)؛ من أجل البعث برسالة إلى الإسرائيليين مؤداها أن حكومة إسرائيلية برئاسة “نتنياهو” هي القادرة على تصريف مشهد أمني مستتب على المستويين المحلي والإقليمي.

أداة “نتنياهو” الترجيحية

يتبقى أمام الانتخابات أيام قليلة، ويبدو أن فرص “نتنياهو” في تشكيل ائتلاف حكومي بـ61 مقعدًا هو احتمال محدود؛ ويعود ذلك إلى عامل رئيسي مهم ضمن عدة عوامل وهي تفكك القاعدة السياسية الرئيسية الأهم لليكود وهي “الطبقة المتوسطة”. وبسبب تداعيات أزمة كورونا على المستوى الاقتصادي عانت هذه الطبقة وأدركت فشل “نتنياهو” في تحجيم التأثيرات السلبية، لذا يتبقى لنتنياهو خطوة هامة لترجيح كفته وهي تقديم برنامج اقتصادي محدد وواضح حتى يمكنه استعادة ثقة قطاع ضخم في المجتمع الإسرائيلي، وبمجرد أن يوضح “نتنياهو” كيفية معالجة أزمة البطالة، وتعويض رواد الأعمال الذين خسروا مدخراتهم ومشاريعهم الاقتصادية، فسيعني ذلك تعاظم فرص نجاح “نتنياهو”، وزيادة عدد مقاعده.

أما في حالة عدم تقديم هذا البرنامج، فسيظل تذبذب عدد مقاعد الليكود هو السمة الغالبة على موقف “نتنياهو” من الانتخابات. وفي هذه الحالة سيتبقى أمام “نتنياهو” توظيف ملف التصعيد مع إيران في الواجهة السياسية لحكومته في الداخل الإسرائيلي، وهو ما ظهر في تصريحات “نتنياهو” الأخيرة باتهام إيران بالإضرار البيئي لإسرائيل بعد حادثة التسرب النفطي على شواطئها، والتأكيد على اعتبار إيران العدو الأول لإسرائيل وإلحاق الهزيمة لها بعد أن اتهمت تل أبيب طهران بالتسبب في ضرب السفينة الإسرائيلية في الخليج العربي، وسينتج عن هذا المسار تصاعد التوتر بين إسرائيل وإيران على المستويين الثنائي (أي بين إيران وإسرائيل)، والإقليمي (أي يشمل دولًا عربية)، وبالتالي يرسم مشهدًا أمنيًا مضطربًا تضطر معه الأحزاب الإسرائيلية لتشكيل حكومة طوارئ من خلال اتفاق سياسي (على غرار الاتفاق بين “نتنياهو” وجانتس في إبريل 2020).

الخلاصة، يمكن القول إنه للوهلة الأولى يتبين أن “نتنياهو” يقع في أزمة سياسية، خاصة أن البعض ينسبها إلى إعلان محاكمته في قضايا فساد، وفي حقيقة الأمر فإن إعلان المحاكمة لا يمثل مؤشر أزمة إلا في حالة تسمية مذكرة اتهام ضده من قبل مستشار الحكومة القانوني “أفيخاي مندلبلت” وهو ما لا يظهر حياله مؤشر قوي على حدوثه، ورغم شواهد أزمته وتفسيراتها إلا أن “نتنياهو” يمتلك من أوراق اللعب القوية التي سترجح كفته وتضعه في قلب المشهد السياسي، أهمها هو تسييس مشهد المواجهة بين إسرائيل وإيران إلى حد إمكانية حدوث احتكاك مسلح بين الطرفين من أجل حشد الداخل، أما في حالة تقديم “نتنياهو” برنامجًا اقتصاديًا واضحًا يخدم المتأثرين سلبًا من كورونا، فسيعني الأمر أن بمقدور “نتنياهو” تحديد مسارات المشهد السياسي مستقبلًا في إسرائيل.

شادي محسن
باحث بوحدة الدراسات الإسرائيلية