وحدة الدراسات الاقتصادية

الاقتصاد الأخضر: مصر وطريق التنمية المستدامة

يُعرَّف الاقتصاد الأخضر (Green Economy) بأنه الاقتصاد الذي يهدف إلى تحقيق التنمية المستدامة مع مراعاة المعايير البيئية والحدّ من مخاطرها. ومن أهم ملامحه تعزيز فرص النمو الاقتصادي وتنويع مصادر الإنتاج، وخلق نمو في فرص العمل، والتخفيف من حدة الفقر، وفتح وتوسيع مجالات استثمار جديدة. لذا أصبح التحول إلى الاقتصاد الأخضر ضروريًا، حيث قامت العديد من دول العالم مؤخرًا باتخاذ إجراءات عديدة تدعم التحول إلى الاقتصاد الأخضر، والتي تضمنت منح قروض وتقديم إعفاءات ضريبية توجه إلى مشروعات النقل المستدام والاقتصاد الدوار والطاقة النظيفة والأبحاث المتعلقة بالاستدامة. وفي السياق ذاته، تسعى مصر للتحول نحو تطبيق الاقتصاد الأخضر وذلك استجابة لما نص عليه…

سالي عاشور
باحثة متخصصة في قضايا التنمية الإقتصادية

يُعرَّف الاقتصاد الأخضر (Green Economy) بأنه الاقتصاد الذي يهدف إلى تحقيق التنمية المستدامة مع مراعاة المعايير البيئية والحدّ من مخاطرها. ومن أهم ملامحه تعزيز فرص النمو الاقتصادي وتنويع مصادر الإنتاج، وخلق نمو في فرص العمل، والتخفيف من حدة الفقر، وفتح وتوسيع مجالات استثمار جديدة. لذا أصبح التحول إلى الاقتصاد الأخضر ضروريًا، حيث قامت العديد من دول العالم مؤخرًا باتخاذ إجراءات عديدة تدعم التحول إلى الاقتصاد الأخضر، والتي تضمنت منح قروض وتقديم إعفاءات ضريبية توجه إلى مشروعات النقل المستدام والاقتصاد الدوار والطاقة النظيفة والأبحاث المتعلقة بالاستدامة.

وفي السياق ذاته، تسعى مصر للتحول نحو تطبيق الاقتصاد الأخضر وذلك استجابة لما نص عليه الدستور المصري في المادة 32 التي تنص على الحفاظ على الموارد الطبيعية ومراعاة حقوق الأجيال القادمة، كما تؤكد رؤية مصر 2030 على البُعد البيئي كمحور أساسي في كافة القطاعات التنموية بشكل يحقق أمن الموارد الطبيعية ويدعم عدالة استخدامها والاستغلال الأمثل لها والاستثمار فيها، وبما يضمن حقوق الأجيال القادمة. فضلًا عن تكليفات القيادة السياسية بالتركيز على الاقتصاد الأخضر، ومراعاة الأبعاد البيئية في المشروعات التنموية.

الواقع المصري للتوجُّه نحو الاقتصاد الأخضر

بهدف تحقيق تنمية مستدامة من دون تدهور بيئي، اتجهت مصر إلى “الاقتصاد الأخضر”، عبر تدشين مشاريع خضراء عدة، لاستخدام الطاقة الجديدة والمتجددة والنظيفة، فقد تم توجيه 14% من إجمالي الاستثمارات العامة لهذه المشروعات بموازنة 2020/2021، حيث بلغت تكلفة تنفيذ 691 مشروعًا أخضر في خطة العام المالي 2020/2021، نحو 447.3 مليار جنيه .

هذا وقد بلغت قيمة محفظة مصر من المشروعات الخضراء المؤهلة 1.9 مليار دولار حتى سبتمبر 2020، منها 16% في مجال الطاقة المتجددة، و19% في مجال النقل النظيف، و26% في مجال المياه والصرف الصحي، و39% في مجال الحد من التلوث. وفيما يلي أبرز الإجراءات التي اتخذتها مصر للتحول نحو الاقتصاد الأخضر في الفترة الأخيرة:

  • في مجال التمويل الدولي: تم إصدار السندات الخضراء السيادية الحكومية بالأسواق العالمية بقيمة 750 مليون دولار لأجل 5 سنوات، وتعد بذلك مصر أول دولة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تصدر هذه السندات، وذلك بهدف توفير التمويل للمشروعات الصديقة للبيئة، وكذلك خفض تكلفة التمويل على الأوراق الحكومية، فضلًا عن تشجيع الاستثمارات النظيفة بالمنطقة.
  • في مجال الطاقة المتجددة: تم تنفيذ مشروع مجمع بنبان للطاقة الشمسية بإجمالي استثمارات أكثر من 2 مليار دولار، وبإجمالي قدرة إنتاجية 1465 ميجا وات، كما يجري تنفيذ مشروع توليد الكهرباء بتكنولوجيا الضخ والتخزين “عتاقة”، بإجمالي تكلفة 2.7 مليار دولار، وبإجمالي قدرة إنتاجية 2400 ميجا وات، بالإضافة إلى توقيع عقد بقيمة 4.3 مليارات جنيه لتنفيذ مشروع محطة توليد الكهرباء من طاقة الرياح بخليج السويس، وبإجمالي قدرة إنتاجية 250 ميجا وات.
  • في مجال النقل: جارٍ تنفيذ مشروع القطار الكهربائي بإجمالي تكلفة 1.2 مليار دولار، و7 مليارات جنيه، سيستفيد منه نحو 500 ألف راكب يوميًا، بالإضافة إلى أنه يجري تنفيذ مشروع خطي مونوريل العاصمة الإدارية و6 أكتوبر بإجمالي تكلفة 2.7 مليار يورو، سيستفيد منه نحو 650 ألف راكب يوميًا .

كما يجري تنفيذ خطة لتبديل وإعادة تدوير السيارات، بالتعاون مع القطاع الخاص وبعض البنوك التجارية وشركات التأمين بهدف تسهيل عملية التبديل وإعادة تدوير السيارات، وذلك للعمل على زيادة عدد السيارات المحولة للعمل بالغاز الطبيعي.

  • في مجال المياه والصرف الصحي: جارٍ التوسع في مشروعات تغطية الصرف الصحي للقرى، وإجراء توسعات بمحطات معالجة مياه الصرف الصحي القائمة، وتحلية مياه البحر، ومنها تنفيذ محطة معالجة مياه مصرف بحر البقر بإجمالي تكلفة استثمارية للمشروع تبلغ مليار دولار، وتنفيذ محطة تحلية مياه البحر بالعلمين بإجمالي 150 مليون دولار، وبطاقة إنتاجية تصل إلى 150 ألف م3 يوميًا .
  • في مجال الحد من التلوث: وذلك خلال الفترة من يوليو 2014 حتى يونيو 2020، تنفيذ مصر لمشروع الإدارة المستدامة للملوثات العضوية الثابتة، كما بلغت تكلفة تنفيذ مشروعات لتقليل تأثر القطاعات المختلفة بالتغيرات المناخية وحماية طبقة الأوزون 42.1 مليون دولار.

 المستقبل المأمول حول الاقتصاد الأخضر في مصر

  • التوسع فيما يعرف بـ”التمويل الأخضر”، مع إصدار السندات الخضراء وهي سندات ترتبط بالاستثمارات الصديقة للبيئة، وتصدر لتعبئة أموال لمساندة مشروعات خاصة بالمناخ وغيرها من الأمور المتعلقة بالشئون البيئية، وشهدت الفترة الأخيرة إصدار ماليزيا لما يعرف بالصكوك الخضراء فى خطوة جديدة نحو الاتجاه لتمويل مشروعات صديقة للبيئة التي تشمل إنتاج رياح وطاقة شمسية، ومن المتوقع أيضًا أن تتجه عدد من الدول العربية إلى الاستثمار بالسندات الخضراء، ومنها إمارة دبي بالإمارات العربية المتحدة، حيث تخطط لتمويل مزارع شمسية ومحطات للغاز الحيوى ومعدات تتميز بكفاءة الطاقة. وستتجه مصر أيضًا إلى هذا النوع من الاستثمار بعد توقيعها على إعلان مراكش لدعم أسواق المال الخضراء بإفريقيا.
  • إنتاج الهيدروجين الأخضر: تولِي مصر اهتمامًا بتكنولوجيا “الهيدروجين الأخضر” لتوليد الطاقة الكهربية للسيارات، وقد التقى رئيس الوزراء المصري مسئولي الشركات البلجيكية لبحث إمكانية الاستثمار مع تلك الشركات في مجال توليد الطاقة الكهربية بواسطة الهيدروجين.
  • التوسع في إنتاج مصر من الطاقة المتجددة التي تشمل طاقة الرياح والطاقة الشمسية، والذي يأتي في إطار خفض أسعار بيع الكهرباء، سواء للمستهلكين أو المُصنّعين لدعم الاقتصاد الوطني. تنويع مصادر الطاقة باستخدام كافة المصادر المتاحة لإنتاجها للوصول بالطاقات الجديدة والمتجددة إلى نحو 20 في المئة من إجمالي الطاقة المولدة في 2022، وتصل إلى 42 في المئة من إجمالي الطاقة المولدة في مصر عام 2035.
  • التوسع في انتاج الطاقة الشمسية: حيث تتفاوض وزارة الكهرباء حاليًا مع ثلاثة تحالفات الأول “سيمنز – جاميسا”، والثاني “تويوتا – أوراسكوم”، والثالث “إنجى – النويس – إيطاليجين” لشراء 1820 ميغاوات من طاقة الرياح، إضافة إلى التفاوض على شراء 750 ميغاوات من الطاقة الشمسية من تحالف يضم “إيني الإيطالية، النويس الإماراتية، سكاي باور الأمريكية”، إضافة إلى تدشين 570 محطة توليد طاقة شمسية فوق أسطح المباني الحكومية التابعة للوزارة أو الشركات القابضة بقدرة إجمالية 36 ميغاوات. 

متطلبات التحول إلى الاقتصاد الأخضر

استنادًا إلى ما سبق يتطلب الانتقال إلى الاقتصاد الأخضر جهدًا وعملًا مكثفًا من كافة الأطراف والفاعلين، يشمل:

  • مراجعة السياسات الحكومية وإعادة تصميمها لتحفيز التحولات في أنماط الإنتاج والاستهلاك والاستثمار.
  • الاهتمام بالتنمية الريفية بهدف تخفيف الفقر في الريف مع زيادة الموارد.
  • الاهتمام بقطاع المياه وضبط استخدامها وترشيدها ومنع تلوثها.
  • العمل على الاستثمارات المستدامة في مجال الطاقة وإجراءات رفع كفاءة الطاقة.
  • اعتماد المعايير البيئية في البناء والتصدي لمشكلة النفايات وتدويرها بما هو مفيد وصديق للبيئة.
  • دعم اتفاقيات التعاون الثنائية أو متعددة الأطراف وتعزيز الاستثمار في بناء القدرات لصقل مهارات العاملين.
  • وضع استراتيجيات منخفضة الكربون للتنمية الصناعية واعتماد تكنولوجيـات الإنتـاج الأنظف.

سالي عاشور
باحثة متخصصة في قضايا التنمية الإقتصادية