وحدة الدراسات الاقتصادية

الاستثمار الأجنبي المباشر في ظل جائحة كورونا

تسبب فيروس كورونا في انتشار حالة من عدم اليقين حول آفاق الاقتصاد العالمي، مما أسفر عن تراجع حجم تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر خلال 2020، مع وجود توقعات باستمرار هذا التراجع ولكن بشكل أبطأ على مدار العام الجاري 2021. وسجل الاستثمار الأجنبي المباشر خلال 2020 أدنى مستوياته منذ تسعينيات القرن الماضي، حيث انخفض بنحو 30% مقارنة مع المستويات المسجلة عقب الأزمة المالية العالمية 2008-2009، كما هبط بحوالي 42% على أساس سنوي إلى 859 مليار دولار، مقارنة مع 1.5 تريليون دولار في 2019، وذلك بحسب أحدث التقارير الصادرة عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) في الرابع والعشرين من يناير. وقد توقعت…

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

تسبب فيروس كورونا في انتشار حالة من عدم اليقين حول آفاق الاقتصاد العالمي، مما أسفر عن تراجع حجم تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر خلال 2020، مع وجود توقعات باستمرار هذا التراجع ولكن بشكل أبطأ على مدار العام الجاري 2021.

وسجل الاستثمار الأجنبي المباشر خلال 2020 أدنى مستوياته منذ تسعينيات القرن الماضي، حيث انخفض بنحو 30% مقارنة مع المستويات المسجلة عقب الأزمة المالية العالمية 2008-2009، كما هبط بحوالي 42% على أساس سنوي إلى 859 مليار دولار، مقارنة مع 1.5 تريليون دولار في 2019، وذلك بحسب أحدث التقارير الصادرة عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) في الرابع والعشرين من يناير. وقد توقعت المنظمة انخفاضًا يتراوح بين 5% إلى 10% في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر خلال عام 2021.

الاقتصادات المتقدمة: الأكثر تضررًا من الجائحة

تركز انخفاض الاستثمار الأجنبي المباشر في الدول المتقدمة التي سجلت تراجعًا بنحو 69% إلى حوالي 229 مليار دولار، وهي مستويات لم تُسجل منذ حوالي 25 عامًا. وهو ما يوضحه الشكل الآتي:

الشكل (1): الاستثمار الأجنبي المباشر خلال 2019-2020

يتبين من الشكل السابق أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة المتدفقة للاقتصادات المتقدمة انخفضت بأعلى وتيرة سنوية مقارنة بباقي المناطق الأخرى بنحو 69%، في حين تراجعت لدى الاقتصادات الناشئة بأبطأ وتيرة سنوية عند 12% من 702 مليار دولار في 2019 إلى 616 مليار دولار بحلول نهاية 2020. أما عن الدول الأكثر تضررًا، فيُمكن عرضها من خلال الجدول التالي:

يتضح من الجدول السابق أن المملكة المتحدة وإيطاليا سجلتا انكماشًا في حجم الاستثمار الأجنبي المباشر بأكثر من مائة بالمائة، تليهما روسيا بنسبة انخفاض تُقدر بنحو 96%، فيما سجلت الولايات المتحدة تراجعًا بنسبة 49% إلى حوالي 134 مليار دولار بضغطٍ من انخفاض عدد عمليات الدمج والاستحواذ العابرة للحدود. وعلاوة على ذلك، تراجعت التدفقات إلى أستراليا بنسبة 46% إلى 22 مليار دولار، وكندا بنحو 34% إلى 32 مليار دولار، وكذلك في ألمانيا بحوالي 61% مسجلة نحو 23 مليار دولار خلال 2020 مقارنة مع 58 مليار دولار خلال العام السابق.

وفيما يتعلق بالقارة العجوز، أشار التقرير إلى تراجع الاستثمار الأجنبي المباشر في أوروبا بنحو 4 مليارات دولار، فيما انخفض في الاتحاد الأوروبي بنحو 71% إلى 110 مليارات دولار؛ إذ شهدت 17 دولة -من بين 27 دولة أعضاء الاتحاد- انخفاضًا في الاستثمارات خلال 2020.

الاقتصادات الناشئة تستحوذ على الحصة الأكبر من الاستثمارات

تمثل الاقتصادات الناشئة الآن أكثر من 70٪ من إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي على الرغم من انخفاض التدفقات إليها بنسبة 12٪ خلال 2020، مسجلة حوالي 616 مليار دولار، ولكن تفاوت الانخفاض عبر الدول النامية؛ إذ سجلت مجموعة بلدان أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي تراجعًا بحوالي 37% إلى 101 مليار دولار.

أما عن أمريكا الجنوبية، فانخفضت تدفقات الاستثمار في البرازيل بنسبة 46%، وفي بيرو بنحو 76%، وكولومبيا بحوالي 49%، كما شهدت الأرجنتين هبوطًا بنحو 47%، وأخيرًا تراجعت التدفقات في شيلي بنسبة 21% إلى 8.9 مليارات دولار.

إضافة إلى ما سبق، انخفض الاستثمار الأجنبي المباشر في رابطة دول جنوب شرق آسيا (الآسيان) بنحو 31% لتصل إلى 107 مليارات دولار، على الرغم من كونها إحدى المناطق المحركة لنمو الاستثمار الأجنبي المباشر طوال العقد الماضي، كما تراجع في الاقتصادات التي تمر بمرحلة انتقالية بنسبة 77% إلى 13 مليار دولار، وهو المستوى الأدنى منذ عام 2002.

ولكن لم تسجل جميع الاقتصادات الناشئة انخفاضًا في حجم الاستثمارات المتدفقة إليها، حيث شهدت ارتفاعًا في الصين (أكبر متلقٍ للاستثمار الأجنبي المباشر في العالم) بنحو 4% إلى 163 مليار دولار، كما صعد في الهند بنحو 13% إلى 57 مليار دولار مدعومًا بالاستثمارات في القطاع الرقمي.

مصر وجهة الاستثمار الأولى في إفريقيا

ظلت مصر الوجهة الأولى للاستثمار الأجنبي المباشر في إفريقيا خلال 2020، على الرغم من الانخفاض الكبير في التدفقات الوافدة إليها بنحو 39% إلى 5.5 مليارات دولار.

وبشكل عام، هوت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في إفريقيا بحوالي 18% لتسجل 38 مليار دولار، كما تراجعت في شمال إفريقيا بنسبة 32% إلى 9.4 مليارات دولار مقارنة مع 14 مليار دولار خلال 2019. وعلاوة على ذلك، تراجعت التدفقات إلى إفريقيا جنوب الصحراء بنسبة 11% إلى 28 مليار دولار.

وبالرجوع إلى مصر، يلاحظ أنها شهدت انخفاضًا ملحوظًا في حجم الاستثمار الأجنبي المباشر خلال الربع الثالث من العام المالي 2019/2020 )يناير – فبراير- مارس 2020) في ظل انتشار فيروس كورونا وتأثيره على الاقتصاد العالمي، كما هو موضح بالشكل الآتي:

الشكل (2): الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر (مليار دولار)

المصدر: البنك المركزي المصري، النشرة الإحصائية الشهرية – أكتوبر 2020.

يتبين من الشكل السابق أن الاستثمار الأجنبي المباشر انخفض خلال الربع الأول من 2020 (الربع الثالث من العام المالي 2019/2020) بنحو 169% على أساس فصلي، وحوالي 58.5% على أساس سنوي مسجلة 0.97 مليار دولار. في حين أنه عاود الارتفاع مرة أخرى بحلول الربع الرابع بنحو 56.7% على أساس فصلي إلى 1.52 مليار دولار. 

عام 2021: استمرار تراجع الاستثمار الأجنبي المباشر

توقعت “الأونكتاد” في تقريرها أن يشهد عام 2021 نموًا بطيئًا في حركة الاستثمارات الأجنبية المباشرة في ضوء الوضع الراهن للاقتصاد العالمي، كما تتنبأ المنظمة بأن أي زيادة في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي في عام 2021 لن تأتي من الاستثمار الجديد في الأصول الإنتاجية ولكن من عمليات الاندماج والاستحواذ العابرة للحدود، لا سيما في قطاعي التكنولوجيا والرعاية الصحية، وهما من أبرز الصناعات المستفيدة من وباء كورونا.

ومن غير المُرجح أن يبدأ التعافي قبل حلول عام 2022 في ظل انتشار حالة من عدم اليقين لدى المستثمرين، مدفوعة باستمرار الموجة الثانية من الوباء مع توقعات ببدء موجة ثالثة، مما يلقي بظلاله على السياسات العالمية للاستثمار التي تتسم بسرعة تغيرها خلال فترة الأزمات.

ويُمكن أن تجتذب الشركات الأوروبية العاملة بقطاع التكنولوجيا أكثر من 60% من صفقات الاستثمار خلال 2021 من حيث القيمة، ومع ذلك سيكون هناك زيادة في نصيب الاقتصادات النامية كالهند وتركيا، لا سيما في منصات التجارة الإلكترونية ونظم معالجة البيانات وقطاع المدفوعات الرقمية.

وتستند توقعات “الأونكتاد” إلى اتجاهات عمليات الدمج والاستحواذ العابرة للحدود خلال 2020 التي شهدت ارتفاعًا ضخمًا في قيمة الصفقات المعُلن عنها في قطاعي التكنولوجيا والرعاية الصحية، وهو ما يوضحه الشكل التالي:

الشكل (3): قيمة صفقات الاندماج والاستحواذ فصليًّا خلال 2019 و2020

يتضح من الشكل السابق ارتفاع قيمة صفقات الاندماج والاستحواذ العابرة للحدود في قطاع التكنولوجيا بين عامي 2019 و2020، وكذلك بين الربعين الأول والأخير من العام الماضي؛ إذ قفزت من 34 مليار دولار إلى 115 مليار دولار، مما يمثل زيادة بنحو 238.2%. وبالمثل بالنسبة لقطاع الرعاية الصحية الذي شهد ارتفاعًا أيضًا في قيمة صفقات الاندماج والاستحواذ بنحو 200% من 25 مليار دولار خلال الفترة (يناير-مارس 2020) إلى 75 مليار دولار بحلول الربع الرابع من العام نفسه، وتعود هذه الزيادة إلى اتجاه المستثمرين للقطاعات الرابحة خلال أزمة كورونا مع وجود توقعات باحتمالية استمرار هذا الإقبال على مدار عام 2021.

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة