وحدة الدراسات الأفريقية

حكومة “حمدوك” الثانية .. الفرص والتحديات

بعد أكثر من 4 أشهر من المشاورات بين القوى السياسية السودانية، تم تشكيل الحكومة الجديدة، وقد جاء التشكيل من أجل تهيئة بيئة آمنة ومستقرة لدعم تنفيذ الاتفاقيات الشاملة من أجل السلام والانتقال السياسي في السودان. ولكنّ ثمة عددًا من الملفات الشائكة ربما تعرقل مهام الحكومة الجديدة، مثل عودة النازحين، والأزمة الاقتصادية، وعملية التطبيع مع إسرائيل، هذا ناهيك عن أنه على الرغم من مرور قرابة عامين على إسقاط نظام البشير، لا يزال يعاني السودان من تردٍّ بالأوضاع الاقتصادية، في الوقت الذي تجاوزت فيه معدلات التضخم 260%، وتراجعت قيمة الجنيه السوداني، فيما تقدر الديون الخارجية للسودان بنحو 60 مليار دولار أمريكي. تركيبة…

صلاح خليل
باحث بمركز الأهرام للدراسات الاجتماعية والتاريخية

بعد أكثر من 4 أشهر من المشاورات بين القوى السياسية السودانية، تم تشكيل الحكومة الجديدة، وقد جاء التشكيل من أجل تهيئة بيئة آمنة ومستقرة لدعم تنفيذ الاتفاقيات الشاملة من أجل السلام والانتقال السياسي في السودان. ولكنّ ثمة عددًا من الملفات الشائكة ربما تعرقل مهام الحكومة الجديدة، مثل عودة النازحين، والأزمة الاقتصادية، وعملية التطبيع مع إسرائيل، هذا ناهيك عن أنه على الرغم من مرور قرابة عامين على إسقاط نظام البشير، لا يزال يعاني السودان من تردٍّ بالأوضاع الاقتصادية، في الوقت الذي تجاوزت فيه معدلات التضخم 260%، وتراجعت قيمة الجنيه السوداني، فيما تقدر الديون الخارجية للسودان بنحو 60 مليار دولار أمريكي.

تركيبة الحكومة الجديدة

جاء حلّ الحكومة السابقة وتشكيل حكومة انتقالية جديدة نتيجة للاستحقاق الخاص باتفاق السلام الذي تم توقيعه في جوبا في أكتوبر الماضي بين الحكومة السودانية ومكونات الجبهة الثورية، وبموجبه تم إعادة تشكيل مجالس السلطة الانتقالية التي تستمر حتى يناير 2024، ويتقاسم السلطة من خلاله كل من المؤسسة العسكرية وائتلاف قوى إعلان الحرية والتغيير. وبالتالي جاء التشكيل الوزاري كالتزام بالاتفاق الذي أُعيد على أساسه تشكيل المجالس الانتقالية، وللسماح للموقعين عليه بالمشاركة في السلطة الانتقالية. وقد وافق مجلس شركاء الفترة الانتقالية في السودان، على إعلان تشكيلة الحكومة الجديدة. 

شملت الحكومة الجديدة 26 وزيرًا، بزيادة أكثر من 8 وزارات جديدة مقارنة بالحكومة الماضية، ووفقًا للوثيقة الدستورية التي تم بموجبها تكوين السلطة الانتقالية في أغسطس 2019، وإنشاء مجالس سيادة ووزراء، ومجلس تشريعي، بالإضافة إلى اتفاق جوبا للسلام الذي أُبرم في أكتوبر 2020، والذي بموجبه تم إشراك بعض الحركات المسلحة والقوى السياسية في الحكومة الانتقالية.

اعتمد التشكيل الجديد على المحاصصة، على عكس الحكومة السابقة التي تميزت بعناصرها التكنوقراط. وشهد التشكيل الجديد استحداث وزارات كالاستثمار والبترول، بالإضافة لفصل الصناعة عن التجارة. وشملت التشكيلة الجديدة وزراء من الحركات المسلحة والمعارضة تماشيًا مع اتفاق السلام الموقّع في أكتوبر الماضي. وجاء التشكيل بعد توافق سياسي هدفه الحفاظ على استقرار البلاد وعدم الانزلاق في الفوضى. وبموجب اتفاق السلام الذي أُبرم بين الحكومة السودانية والجبهة الثورية، تشارك الحركات في السلطة بنسبة 25%، كما تحصل على 7 حقائب وزارية، و75 مقعدًا في البرلمان من جملة 300 مقعد، إلى جانب 3 مقاعد في مجلس السيادة. وحصلت الحركات المسلحة على وزارات المالية والاقتصاد، والمعادن، والثروة الحيوانية، والتنمية الاجتماعية، والتعليم والتنمية العمرانية، والحكم الاتحادي. وشكلت نسبة الممثلين من القوى السياسية وحركات مسلحة أكثر مقارنة بالمجتمع المدني في حكومة السابقة. 

وجاءت تشكيلة الحكومة الجديدة على النحو التالي: الفريق ياسين إبراهيم ياسين وزيرًا للدفاع، الفريق أول عز الدين الشيخ وزيرًا للداخلية، خالد عمر يوسف لوزارة رئاسة مجلس الوزراء، إبراهيم الشيخ لوزارة الصناعة، مريم الصادق المهدي لوزارة الخارجية، جبريل إبراهيم لوزارة المالية، تيسير النوراني لوزارة العمل، حمزة بلول لوزارة الثقافة والإعلام، يوسف الضي لوزارة الشباب والرياضة، انتصار صغيرون لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، نصر الدين عبدالباري لوزارة  العدل، ياسر عباس لوزارة الري والموارد المائية، نصر الدين مفرح لوزارة الشئون الدينية والأوقاف، بثينة إبراهيم دينار لوزارة الحكم الاتحادي، طاهر محمد حربي لوزارة الزراعة، جادين على لوزارة الطاقة والنفط، محمد بشير لوزارة المعادن، عمر أحمد النجيب وزيرًا للصحة.

البرنامج والأهداف المعلن عنها

من أولويات الحكومة الانتقالية في السودان، وضع حد للحروب التي أنهكت ودمرت عددًا من الأقاليم الحدودية في السودان. ومن التحديات التي يجب على الحكومة الانتقالية تنفيذها كيفية محاسبة جماعات الإسلام السياسي على جميع الجرائم التي ارتكبوها على مدار ثلاثة عقود مضت في حق الشعب والدولة السودانية، بهدف وقف النشاط التخريبي للأمن والاقتصاد السوداني من تيار الإسلام السياسي الذي تمكن من توظيف رأس المال طوال فترة سيطرته على الاقتصاد بالسودان.

وتعمل الحكومة الحالية من خلال برنامج إسعاف أولي للعديد من الأزمات، كاستكمال عملية السلام وإنفاذ اتفاق السلام، والأزمة الاقتصادية، والعدالة للضحايا، وعلاقات خارجية متوازنة، وإصلاح مؤسسات الدولة، وأزمة سد النهضة، والأزمة الحدودية بين السودان وإثيوبيا. من ناحية أخرى، سوف يبحث المجلس التشريعي المقرر تشكيله في 25 من فبراير الحالي البت في  العلاقة السودانية الإسرائيلية.

التحديات التي تواجه الحكومة الجديدة

من التحديات التي تواجه الحكومة الجديدة في السودان، هو الارتفاع بوتيرة الصراعات المسلحة بين القبائل في ولايات دارفور الخمسة غرب السودان، وشهدت الفترة ما بين يوليو 2020 إلى يناير 2021 زيادة وتيرة الصراعات المسلحة، مما أثارت مخاوف في أوساط السودانيين من إمكانية عودة بلادهم إلى حالة من عدم الاستقرار خلال هجوم شنه مسلحون في منطقة (مستيري) بولاية (الجنينة) عاصمة ولاية غرب دارفور، أدى لمقتل 310 أشخاص وإصابة 254 شخصًا. إلى جانب تشريد 50.000 شخص بعد نحو شهر من انتهاء مهمة قوات الأممية والاتحاد الإفريقي لحفظ الأمن والسلام في دارفور بعد أن ظلت منتشرة في الولايات الخمسة حوالي ثلاثة عشر عامًا. وتسعى الحكومة الانتقالية بهذا الاتفاق لأن تُنهي 17 عامًا من الحرب الأهلية في السودان، وتخفيف حدة المواجهات المسلحة لضمان نجاح عملية التحول الديمقراطي، وبداية لسلام شامل ومستدام أثقل كاهل الدولة السودانية نتيجة للأزمات المستفحلة من حين إلى آخر، بالإضافة إلى مقاطعة بعض الحركات المسلحة. وتشير الإحصائيات لوجود أكثر من 80 حركة مسلحة بالسودان. وقد غاب فصيلان رئيسيان، هما: الحركة الشعبية قطاع الشمال بقيادة عبدالعزيز الحلو، أكبر الحركات المسلحة من حيث العتاد الحربي والمكون العسكري، وسيطرتها على مساحات وأراضٍ كبيرة في السودان، وجيش تحرير السودان بقيادة عبدالواحد محمد نور. 

ولكن ثمة ضغوطات أمريكية تمارس مع الحركتين بشأن الالتحاق بعملية سلام جوبا. وأيضًا من أبرز المعوقات التي تعرقل الاتفاق، هو التنافس بين المكون المدني والعسكري في أروقة الحكومة الانتقالية، خاصة بعد الانقسامات التي طالت بعض مكونات الحرية والتغيير. ومنذ تولي الحكومة الانتقالية السلطة في أغسطس 2019، واجهت عقبات كثيرة على رأسها الأزمة الاقتصادية التي جاءت نتيجة إرث كالح للفساد والإهدار والتبديد لموارد الدولة، والعزلة الاقتصادية لعقود طويلة نتيجة لسياسات نظام الإسلام السياسي في السودان.

وثمة تحديات أخرى في طريق الحكومة الجديدة منها: القوى التي لم توقع أو الرافضة لاتفاق السلام كالحركة الشعبية قطاع الشمال عبدالعزيز الحلو وجيش تحرير السودان بقيادة عبدالواحد محمد نور. وهناك تحدٍ مرتبط بتيار الإسلام السياسي، خاصة المنتمين إلى حزب المؤتمر الشعبي، فأغلبهم يعارضون ترتيبات المرحلة الانتقالية بسبب إقصائهم كليًا من المفاوضات. بالإضافة إلى ارتفاع أصوات المنتقدين بين مكونات قوى إعلان الحرية والتغيير بسبب غياب الثقة وتداخل السلطات.

كما تمثل القضايا المتعلقة بمعالجة الأزمة الاقتصادية في البلاد، المرتبطة بالتحديات الأمنية في ظل ظروف بالغة التعقيد، التي تتطلب الوضع في الاعتبار التحديات المتعلقة بعملية السلام وإصلاح مؤسسات الدولة بشقيها المدني والعسكري، لتحقيق الاستقرار، خاصًة في ولايات دارفور الخمسة، ومناطق الصراعات ذات الصلة بالبعد القبلي، بالإضافة إلى العودة الطوعية للنازحين واللاجئين، وجمع السلاح وتسريح القوات غير النظامية، وتنفيذ اتفاق جوبا للسلام في عملية انتشار قوات الحركات المسلحة والشرطة، والاضطلاع بدورها في مناطق النزاعات في دارفور، وقطع الطرق أمام الذين ينتحلون صفات للقوات النظامية لارتكاب مزيد من الجرائم خارج نطاق القانون، بغرض فرض هيبة الدولة.

ولا شك أن تولي الدكتور جبريل إبراهيم حقيبة المالية والاقتصاد، والذي يعد وجوده يمثل تيار الإسلاميين في الحكومة الجديدة ربما يواجه عقبة كبيرة في كيفية تعاطي المنظمات الدولية معه لخلفيته الإسلامية، بالإضافة إلى مسألة التطبيع مع إسرائيل، خاصة بعد تولية حقيبة الخارجية لحزب الأمة باعتباره من أشد المناهضين وغلاة الرافضين للتطبيع.

وهناك إشكالية فيما يتعلق بالعلاقة بين الجناح العسكري والمدني للسلطة، حيث هناك انقلاب يلوح في الأفق، في ضوء الأوضاع الداخلية المرتبكة والغضب الشعبي المتنامي، فضلًا عن الصراع والحرب المتوقعة مع الجارة إثيوبيا والذي يوفر فرصة للجيش لتعزيز مكانته وسلطته في مواجهة السلطة المدنية الانتقالية، لا سيما في ظل تنامي الخلافات بين مكوناتها وضياع بوصلة الثورة. هذا ناهيك عن موقف القوى الإقليمية والدولية من التطورات في السودان، وعدم التزام الأطراف الدولية والإقليمية بالمساعدات الاقتصادية التي وعدت بها لإخراج السودان من أزمته، وتدخلاتها التي تهدف إلى تحقيق مصالحها على حساب الاستقرار في السودان.

فرص النجاح

في الواقع فإن اتفاق الترتيبات الأمنية الموقع بين الأطرف السودانية في جوبا، يتطلب دعمًا قويًا من قبل الضامنين والشركاء الإقليميين والدوليين. وإذا نحجت هذه الترتيبات فسوف تجعل الحركات المسلحة جزءًا من الدولة السودانية، مما يتيح التوازن والأمن لولايات دارفور الخمسة، بالإضافة إلى ذلك سيؤدي إلى حشد قواتها في جبهة القتال مع إثيوبيا، وهو قد يمثل ردعًا للمليشيات والقوات الإثيوبية، فضلًا عن ذلك توحيد الرأي العام السوداني في الحشد والتعبئة ضد الأطماع الإثيوبية.

من الجوانب الإيجابية في التشكيل الجديد، مشاركة جميع الحركات المسلحة في إدارة التنوع الديني والأيديولوجي، وتحقيق العدالة الاجتماعية، ومبدأ المواطنة، والديمقراطية كنظام للتداول السلمي للسلطة، وإقامة جيش وطني موحد يعمل وفقًا لعقيدة عسكرية. لكن يبدو أن عملية دمج الحركات المسلحة في المؤسسة العسكرية لن تكون عملية سهلة، فربما تستغرق فترة أطول مما هو محدد لها في الاتفاق، لا سيما في ظل استمرار الصراعات القبلية والعرقية في بعض ولايات دارفور الخمسة.

ومن مكاسب التشكيل الجديد أنه خلق نوعًا جديدًا من التحالف بين قوى الهامش، مما يغير في معادلة السياسة بالسودان فيما يتعلق بكيفية وطريقة الحكم، بمشاركة أهل الهامش والأطراف، بعد أن ظلوا لعقود طويلة تحت حكم نخبة الوسط النيلي. وأيضًا من مخرجات التشكيل الوزاري، استعادة نظام الحكم الفيدرالي.

خلاصة القول، إن ثمة فرصة حقيقية لإخراج السودان من أزماته التاريخية المتعلقة بالاندماج الوطني والتهميش السياسي والاقتصادي، ومن أجل بناء دولة وطنية حديثة يمكن أن تتجاوز مرارات الماضي، وتعيد بناء السودان وتحافظ على وحدته وسلامة أراضية، وأن تحقق رضا شعبيًا وتوزيعًا عادلًا للسلطة والموارد، بحيث يتمكن السودان من مواجهة التحديات الحقيقية المرتبطة بالتنمية والتحديث، فضلًا عن الدفاع عن قضاياه المصيرية، وفي مقدمتها أزمة سد النهضة التي تهدد دولة السودان وشعبها، وكذلك استعادة السيادة والسيطرة على كامل أراضيه وترابه الوطني.

صلاح خليل
باحث بمركز الأهرام للدراسات الاجتماعية والتاريخية