وحدة الدراسات الأفريقية

التعاون العسكري المصري السوداني.. رسائل ودلالات

شكلت زيارة رئيس أركان الجيش المصري إلى السودان، في الثاني من مارس الجاري، نقطة جوهرية في خضم تطور العلاقات العسكرية المصرية السودانية، تعكس تطلعات البلدين لتوطيد العلاقات الثنائية في صورها المختلفة. ولعل تلك الزيارة وما نتج عنها من توقيع اتفاقية للتعاون العسكري المشترك تستهدف بصورة كبيرة تأمين الحدود والإعلان عن تدريب عسكري مشترك، تبرهن على نمط التحول في التعاطي بين القاهرة والخرطوم، وبصورة أقرب في ضوء الملف الأمني والعسكري. وانطلاقًا من دوائر الأمن القومي المصري، جاءت السودان لتكون محطة ضرورية لتوثيق التعاون العسكري معها، خاصة في ظل المتغيرات الإقليمية المتباينة التي باتت تُلقي بظلالها على الأمن القومي المصري والسوداني. تعاون…

عبد المنعم على
باحث بوحدة الدراسات العربية والإقليمية at

شكلت زيارة رئيس أركان الجيش المصري إلى السودان، في الثاني من مارس الجاري، نقطة جوهرية في خضم تطور العلاقات العسكرية المصرية السودانية، تعكس تطلعات البلدين لتوطيد العلاقات الثنائية في صورها المختلفة. ولعل تلك الزيارة وما نتج عنها من توقيع اتفاقية للتعاون العسكري المشترك تستهدف بصورة كبيرة تأمين الحدود والإعلان عن تدريب عسكري مشترك، تبرهن على نمط التحول في التعاطي بين القاهرة والخرطوم، وبصورة أقرب في ضوء الملف الأمني والعسكري.

وانطلاقًا من دوائر الأمن القومي المصري، جاءت السودان لتكون محطة ضرورية لتوثيق التعاون العسكري معها، خاصة في ظل المتغيرات الإقليمية المتباينة التي باتت تُلقي بظلالها على الأمن القومي المصري والسوداني.

تعاون عسكري متنامٍ

شهدت العلاقات المصرية السودانية منذ عام 2014 تحولًا نوعيًا بصورة عامة، وتزايد بشكل ملحوظ مؤخرًا في إبان نجاح الثورة السودانية التي تمخض عنها تحولات في البيئة السياسية السودانية، مما تتطلب معه تعاونًا جديدًا يكسر حاجز الفتور في العلاقات البينية بين القاهرة والخرطوم التي اتسمت بها خلال الفترات الماضية.

إن التعاون العسكري بين كل من مصر والسودان قد وصل لمرحلة تعاون غير مسبوقة تبرهن بشكل كبير على رغبة الدولتين في تحقيق قدر من الاستقرار والأمن الداخلي، وإعادة التوازن في خضم المشهد الإقليمي المضطرب، وتجلت صور التعاون العسكري بشكل كبير في تأسيس لجنة عسكرية مشتركة بين البلدين تنعقد بصورة دورية بين البلدين، إدراكًا لأهمية التنسيق الأمني المشترك وبحث قضايا تأمين الحدود ومواجهة المخاطر المشتركة.

وتأكيدًا على نقل الخبرات وتعزيز التفاعل العسكري، وتسريعًا لوتيرة التعاون بين الجانبين، جاءت زيارة رئيس الأركان المصري إلى الخرطوم في مطلع نوفمبر 2020، لتنفيذ أجندة التوافق بين القيادة السياسية المصرية والسودانية، وتحقيق مسار تنفيذي لنتائج زيارة الفريق أول “عبدالفتاح البرهان” رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني إلى القاهرة، بما يعكس حرص الدولتين على حتمية الإسراع بتطوير مجالات التعاون في جانبها العسكري والأمني لمواكبة التغيرات الإقليمية ومواجهة التحديات المختلفة.

وقد مثّلت التدريبات العسكرية المشتركة بين الخرطوم والقاهرة في نوفمبر 2020 والتي عُرفت باسم “نسور النيل- 1” التي استضافتها السودان بالقرب من قاعدة “مروي” الجوية السودانية، أول تدريب عسكري جوي مشترك من نوعه وبدايات ثمار التنسيق والتعاون بين الجانبين، حيث تُعد المناورات والتدريبات العسكرية المشتركة إحدى أهم الأدوات العسكرية بينهما، وقد ضم هذا التدريب عددًا من القوات الجوية المصرية والسودانية والقوات الخاصة، ولعل ذلك التدريب المشترك جاء في غضون أيام من زيارة رئيس أركان الجيش المصري للعاصمة السودانية الخرطوم مطلع نوفمبر من العام الماضي.

كما أكد الرئيس “السيسي” على أن أمن واستقرار الخرطوم هو جزءٌ لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، خلال اللقاء الذي عقده مع وزيرة الخارجية السودانية “مريم الصادق المهدي” مطلع مارس الجاري، وهي الرسالة التي كررها الرئيس المصري في زيارته للخرطوم، لتدلل بصورة كبيرة على حجم التعاون الاستراتيجي بين البلدين، وإدراك القيادة السياسية حتمية التعاون بين البلدين، خاصة في ضوء المرحلة الحرجة والتحديات التي تواجهها السودان، سواء كان ذلك على صعيد الجبهة الداخلية أو في ضوء سياقها الإقليمي.

دلالات متباينة

إن المتأمل لزيارة رئيس أركان القوات المسلحة المصرية يجد أنها تتزامن مع عدد من المتغيرات تتمثل في اقتراب “أديس أبابا” من الانخراط في مرحلة الملء الثاني لسد النهضة، وهو ما يُسبب تهديدًا واضحًا للأمن المائي لدولتي المصب، ولعل هذا الخطر انعكس بصورة كبيرة في تزامن زيارة رئيس الأركان إلى الخرطوم مع زيارة وزيرة الخارجية السودانية “مريم الصادق” إلى القاهرة، لإجراء مباحثات سياسية ودبلوماسية حيال الإجراءات الأحادية التي تتخذها أديس أبابا، وحالة التعنت المتبعة في خضم المفاوضات الثلاثية، مما يعني أن هناك موقفًا موحدًا بين الجانبين في ظل اعتزام إثيوبيا استكمال مرحلة الملء في يوليو القادم، وهو ما يؤثر بصورة كبيرة على الأمن المائي لمصر والسودان.

إن المتأمل للزيارات المتبادلة للقيادات العسكرية المصرية والسودانية تؤكد أن هناك توجهًا لتحقيق قدر من التكامل الأمني القومي بينهما، وهذا النهج الاستراتيجي تفرضه المتغيرات الإقليمية المتزايدة مما يستدعي معه التنسيق بينهما، وتكمن الأهداف وراء ذلك في تحقيق قدر من التعاون العسكري للحفاظ على الأمن القومي للبلدين، وهو راجع بصورة كبيرة إلى كون أن محددات الأمن القومي لهما مشتركة، حيث إنهما يقعان في محيط أمني واحد، سواء أكان ذلك متعلقًا بملف المياه أو بملف أمن البحر الأحمر، ويُمثل هذا الهدف توجهًا نحو الربط الأمني المشترك بين القاهرة والخرطوم.

ولعل التحوّل النوعي في العلاقات المصرية السودانية بشقها العسكري، يحمل في طياته جملة من الرسائل والأهداف الهامة، وتكمن في مساعي القاهرة لدعم المرحلة الانتقالية السودانية، وتثبيت أركان الدولة والتنسيق الاستراتيجي العسكري لمواجهة التهديدات المحتملة للبلدين، وهو في حد ذاته سياسة ردع للقوى المناوئة لاستقرار وأمن السودان، وهو الأمر الذي سينعكس بالضروة بصورة إيجابية على السودان خاصة في ظل تسارع الأحداث على حدودها الشرقية.

فضلًا عن السابق؛ هناك رغبة حقيقية في نقل الخبرات المصرية للجانب السوداني في مجالات التدريب والتأهيل وتأمين الحدود وكذلك مكافحة الإرهاب والتأمين الفني، وكذلك توطين الصناعات العسكرية بين الجانبين، بما يتماشى مع التطورات المختلفة، وهو -في مجمله- يساهم في تغير خريطة التفاعلات الإقليمية، ويحد بصورة كبيرة من التحديات الراهنة، ويُعزز من فرض الأمن والاستقرار في المنطقة.

علاوة على ذلك، فإن الرسالة الأكثر وضوحًا في هذا المسار تتجلى بصورة كبيرة في أن الحفاظ على الأمن المائي لدولتي المصب قد يستدعي كل الاحتمالات، خاصة في ظل الإعلان عن فشل تحقيق قفزة في المفاوضات تحول دون تأزم الموقف، واعتزام أديس أبابا استكمال إجراءات الملء.

خلاصة القول، تؤسس التحركات المصرية تجاه السودان لمرحلة جديدة تتميز بالشراكة الاستراتيجية غير المسبوقة بين البلدين، تستهدف بصورة جوهرية الحفاظ على الأمن القومي المصري والسوداني في ضوء التهديدات المتنامية المشتركة، خاصة فيما يتعلق بملف المياه واستمرار النهج الإثيوبي لفرض سياسة “الأمر الواقع”، فضلًا عما تشهده السودان من اضطراب على خط الحدود، إلى جانب التهديدات المتنامية على طول البحر الأحمر، وجميعها ملفات تحتاج إلى تعاون مستمر بين القاهرة والخرطوم ليس فقط من خلال النافذة الدبلوماسية، بل والعسكرية أيضًا.

عبد المنعم على
باحث بوحدة الدراسات العربية والإقليمية at