وحدة الدراسات الاقتصادية

بيتكوين: فقاعة كبيرة أم عملة المستقبل؟

تمر عملة البيتكوين بأوقات تجعلها محل اهتمام الجميع، حيث عادت تلك العملة لتجذب الأنظار إليها مرة أخرى بسبب التقلب الكبير في سعرها. كان الارتفاع الأول لها أواخر عام 2017 عندما وصل سعرها إلى 19000 دولار في غضون أسابيع، إلا أنه ما لبث وأن عاد في نوفمبر من عام 2018 إلى مستوى 3400 دولار. ارتفعت تلك العملة مجددًا خلال الفترة من سبتمبر 2020 وحتى فبراير 2021 لتصل إلى أعلى سعر في تاريخها وهو 58000 دولار للبيتكوين الواحد قبل أن تعود للانخفاض حتى مستوى 45200 دولار للبيتكوين الواحد بنهاية فبراير 2021. فما هو الأساس لتحرك أسعار تلك العملة؟ وهل تلك العملة هي…

أحمد بيومي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

تمر عملة البيتكوين بأوقات تجعلها محل اهتمام الجميع، حيث عادت تلك العملة لتجذب الأنظار إليها مرة أخرى بسبب التقلب الكبير في سعرها. كان الارتفاع الأول لها أواخر عام 2017 عندما وصل سعرها إلى 19000 دولار في غضون أسابيع، إلا أنه ما لبث وأن عاد في نوفمبر من عام 2018 إلى مستوى 3400 دولار. ارتفعت تلك العملة مجددًا خلال الفترة من سبتمبر 2020 وحتى فبراير 2021 لتصل إلى أعلى سعر في تاريخها وهو 58000 دولار للبيتكوين الواحد قبل أن تعود للانخفاض حتى مستوى 45200 دولار للبيتكوين الواحد بنهاية فبراير 2021. فما هو الأساس لتحرك أسعار تلك العملة؟ وهل تلك العملة هي فقاعة كبيرة ستنتهي قريبًا؟ أم هي عملة المستقبل؟

نشأة العملة

البيتكوين هي بروتوكول أو عملة أو نظام مدفوعات أو برنامج مفتوح المصدر (برنامج يتيح للمستخدمين أو المطورين بإجراء تعديل عليه دون مخالفة حقوق البرمجة)، يعتمد على دفتر عام غير مركزي تسجل فيه المعاملات، ومجموعة من البروتوكولات والبرامج التي تحافظ على الأمن المعلوماتي. يمتلك الفرد عملة البيتكوين إذا استطاع فك التشفير وتم إدخال بياناته في دفتر الأستاذ العام. من الشائع أن المُبرمج لتلك العملة يدعى “ساتوشي ناكاموتو”، وهو ياباني الجنسية، إلا أنه لا يوجد أي دليل على ذلك. تم تسجيل العملة على الإنترنت من خلال دومين Bitcoin.org في أغسطس 2008. بعد ذلك التاريخ بشهرين نشر “ساتوشي” ورقة بحثية بعنوان “بيتكوين: نظام نقدي إلكتروني من نظير إلى نظير”، أشار الباحث في مقدمة الورقة في شرحه لفكرته إلى التالي:

“إن إصدار النقد الإلكتروني البحت من نظير إلى نظير سيسمح بإرسال المدفوعات عبر الإنترنت مباشرة من طرف إلى آخر دون المرور عبر مؤسسة مالية توفر التوقيعات الرقمية. تضيع فوائد هذا النظام إذا تدخل طرف ثالث موثوق به لمنع الإنفاق المزدوج. ويتم تقديم حل لمشكلة الإنفاق المزدوج باستخدام شبكة نظير إلى نظير. تقوم الشبكة بتقسيم تلك المعاملات عن طريق تجزئتها في سلسلة، ثم تكوين سجل لا يمكن تغييره دون إعادة العمل مرة أخرى…”.

اعتمد “ناكاموتو” على العديد من المبررات لتقديم فكرة منها أن النظام المالي الحالي قائم على وجود وسيط بين المتعاملين، وهو أمر يزيد من تكاليف المعاملة، هذا فضلًا عن وجود احتمالية لوقوع احتيال نظرًا لسماح النظام المالي الحالي للمستخدمين بإمكانية عكس المعاملة (حتى ولو كان ذلك الاحتمال ضئيلًا). ولذلك فإن نظام “ناكاموتو” يعتمد على التشفير بدلًا من البحث عن وسيط، ولا يسمح بعكس المعاملات، وبذلك يحمي المتعاملين من الاحتيال. تلك المميزات دفعت شركات تسوية الأوراق المالية (المقاصة) لاستخدام تلك التكنولوجيا لنقل ملكية الأسهم، حيث تعمل NASDAQ على تطبيق مماثل لذلك منذ عام 2015، وتستخدمها البنوك لتسوية مدفوعاتها، حيث أشارت “ريبيل” (عملة إلكترونية أخرى) إلى أن 10 من أكبر 50 بنكًا يشتركون بها للحصول على خدمات مدفوعات متكاملة تشمل الدفع والتسوية[i].

أما عن عدد تلك العملات ووفقًا للموقع الأبرز في تقديم الإحصاءات الخاصة بتلك العملات coinmarketcap يبلغ عددها 8697 عملة حتى تاريخ 05 مارس 2020، بقيمة رأس مال سوقي 1.458 تريليون دولار (عدد العملات مضروب في سعر العملة). ولبيان حالة الفوضى العارمة في إصدار تلك العملات، فقد تطور عدد العملات من 491 عملة في 2015 إلى 5392 عملة في 2020 ثم 8697 عملة في مارس 2021، وهو ما يعني أنه تم إصدار عدد 3305 عملات في أول شهرين فقط من عام 2021. يمثل نصيب عملة البيتكوين من رأس المال السوقي 884 مليارًا، تليها عملة إيثيريوم بقيمة 169 مليارًا، وتليها باقي العملات (8695) عملة بقيمة 405 مليارات دولار.

تسعير عملة البيتكوين

يتحرك سعر عملة البيتكوين مقابل العملات الورقية وفقًا لآليات العرض والطلب، ولا توجد أي مؤسسة حكومية مسئولة عن تلك العملة. يزيد المعروض من عملة البيتكوين بنسبة ثابته تقريبًا (وفقًا لمعادلة رياضية). ويتحدد سعر تلك العملة في معظم الأوقات وفقًا لحجم الطلب على تلك العملة لغرض الدفع أو تحويل الأموال (الهدف الأساسي من تلك العملة). وفي الأوقات التي يزيد فيها الحديث عن تلك العملة بالأخبار، أو تسود حالة من التفاؤل حول استمرارية تلك التكنولوجيا أو انتشارها، أو إعلان جهات جديدة عن قبول تلك العملة سواء كانت شركة أو دولة، يتولد طلب آخر مؤقت على تلك العملة بغرض الاستثمار، وهو ما يدفع السعر للارتفاع بشكل كبير لفترة مؤقتة ثم يعود السعر للاستقرار ليتحرك وفقًا لحجم المعاملات المستقرة (استخدام العملة في تسويه المدفوعات) على تلك العملة.

ويرى آخرون أن عملة البيتكوين ما هي إلا أموال خاصة “الأموال التي تصدرها جهة خاصة بدلًا من الحكومة المركزية، يتم تداولها بين مجموعة من التجار الذين لديهم استعداد لقبولها (على سبيل المثال عملة فليكس من شركة فودافون والتي يمكن استبدالها ببعض المنتجات أو الخدمات التي يمكن لجهات أخرى مستقبلًا إعلان أنهم يقبلون تلك العملة)، ومن ثم فإن إعلان شركة مايكروسوفت أو تسلا أو أي شركة أخرى قبول الدفع بتلك العملات هو أمر مرتبط بالشركة ولا يمكن تعميمه. فعلى سبيل المثال، قد تعلن فروع أبل مصر أو مايكروسوفت مصر قبولها لعمليات الشراء باستخدام نقاط فليكس من فودافون بمصر فهل ذلك يحول نقاط فليكس إلى عملة؟.

في حال تم أخذ النقاط السابقة في الحسبان عند احتساب سعر عملة البيتكوين فإن قيمة تلك العملة ستتحدد وفقًا لثلاثة متغيرات، وهي: الطلب المستمر (حجم المعاملات)، والعرض (يسير وفقًا لنسبة ثابتة)، وسرعة المعاملات (فترة الاحتفاظ بتلك العملة والتي تتناسب عكسيًا مع قبول تلك العملة). فعلى سبيل المثال، يحتفظ الأشخاص بعملة البيتكوين لفترات أطول في حال عدم وجود أماكن كثيرة تقبل صرف تلك العملة.

ونظرًا لما تقدمة تلك العملة من مزايا إخفاء البيانات، فقد استُخدمت تلك العملة بشكل رئيسي في تحويل الأموال دوليًا لتنفيذ مدفوعات غير قانونية. وقد أشارت العديد من الأبحاث إلى أن أغلب المتعاملين على تلك العملة يرغبون في إخفاء هوياتهم الشخصية، ولعل المثال الأشهر في تلك التعاملات هو موقع Silk Road الذي تم إغلاقه في أكتوبر 2013، وتلاه Silk road 2 الذي تم إغلاقه في نوفمبر 2014، Agora Market والذي تم إغلاقه في أغسطس 2015. وتشير التقديرات إلى أن تعاملات تلك المواقع كانت تمثل 9 مليارات دولار وكانت تتم من خلال عملة البيتكوين.

القبول الدولي

بالنظر إلى الخريطة العامة للعالم للتعرف على مدى القبول الدولي لتلك العملة فإنه ووفقًا لتقرير منشور في مكتبة الكونجرس الأمريكي بنهاية عام 2018 [i]، تحظر ثماني دول التعامل بتلك العملة بشكل تام، بينما يأتي عدد 14 دولة في تطبيق حظر ضمني من خلال الإشارة إلى عدم قانونية تلك العملة في استخدامها لتسويه المدفوعات على أرض البلاد، والإشارة إلى المخاطر الكبيرة المرتبطة بتلك العملات واستخداماتها الأساسية غير القانونية. وتوجد 16 دولة تتعامل مع البيتكوين على أنها سلعه تخضع للضرائب، إلا أنها ليست عملة. يوجد أيضًا 13 دولة أخرى تعتبر العملات الرقمية غير قانونية، إلا أنها لم تسن قوانين تخص تلك العملة، وتم إخضاعها لقوانين أخرى مثل قوانين مكافحة غسل الأموال أو قوانين مكافحة تمويل الإرهاب. وتوجد 5 دول أخرى أخضعت العملات المشفرة لقانون الضرائب، وسمحت بتداولها، وأصدرت قوانين تنظم تعاملات تلك العملة. أما 13 دولة الباقية فهي دول تمتلك عملات رقمية أو في طريقها لامتلاك عملاتها، هذا فضلًا عن أن بعضها يسمح بتداول تلك العملات الرقمية على أراضيها. ويوضح الجدول التالي طريقة تعامل الدول مع تلك العملات المشفرة.

الخلاصة

لا يمكن القول إن العملات المشفرة هي عملات عامة يمكن استخدامها في الدفع أو الشراء، حيث إنها تفتقر للاطار القانوني، وليس لأحد الحق في التعرف على أطراف عملية الدفع المختلفين، وبالتالي يمكن اعتبارها عملات خاصة أو سلعًا افتراضية مثلما تعاملت معها بعض الدول التي أتاحت تداول تلك العملات على أرضها. وتُعد الارتفاعات الأخيرة في سعر تلك العملة ارتفاعات مؤقتة نتيجة لبعض التصريحات من شركات جديدة بقبول الدفع بتلك العملة أو نتيجة لوجود آمال باستمرار تلك التكنولوجيا ونموها في المستقبل. لكن في ظل وجود عدد كبير من الدول التي تمنع إصدار أو التعامل بتلك العملة، فلا يزال عدد الجهات التي تقبل الدفع بتلك العملات محدودًا حتى الآن، ومن ثمّ فإن من يمتلك تلك العملة لن يجد بدائل لصرفها، هذا فضلًا عن أن بعض الجهات التي كانت قد أعلنت عن قبول التعامل بتلك العملة في وقت سابق قد أوقفت قبولها في وقت لاحق نتيجة التذبذب الكبير في سعر صرفها مثل شركة مايكروسوفت. فهل يمكن تخيل أن تذهب بعملتك إلى التاجر لتشتري منتجًا ليقول لك أنا لا أقبل عملتك الآن؟ ومن ثم فإن ما يحدث في عملة البيتكوين في الوقت الحالي ما هو إلا فقاعة ناجمة عن طلب مؤقت نشأ عن إقدام المستثمرين على الاستثمار بها نظرًا لوجود تفاؤل حول تلك التكنولوجيا واستعداد جهات أخرى لقبول الدفع بها.

لكن وفي حال النظر من أعلى على الفوائد التي تتيحها تكنولوجيا البلوكتشين التي تعتبر الأساس لتكوين تلك العملة، فمن المتوقع أن يستمر عدد تلك العملات في النمو عبر الزمن، حيث إن كل شركة جديدة ستنشأ وتستخدم تكنولوجيا البلوكتشين سينتج عنها عملة إلكترونية. وحيث إنه لا مفر من استخدام تلك التكنولوجيا نظرًا لإمكانياتها الهائلة، خاصة في مجال نقل الملكية، فمن المتوقع أن تتولى الحكومات وضع قوانين تضمن حقها الأصيل في توفير البنية التحتية لتلك التكنولوجيا للجميع، مقابل إصدار عملة إلكترونية واحدة (جنيه رقمي، دولار رقمي)، أو أنهم سيعتمدون على التكنولوجيا المقدمة من جانب إحدى العملات القائمة فعليًا مع الحصول على حق الاطلاع على بيانات المتعاملين بها، ومن ثم يصبح الأمر أكثر تنظيمًا، وفي ذلك الوقت يمكن لتلك العملات الرقمية أن تصبح عملة المستقبل.

المصادر

[1] Meghan Elison. New world, new rules. Ripple Insights, 2016. [1] Global Legal Research Center. (2018). Regulation of Cryptocurrency around the World. Washington Dc: The Law Library of Congress, Global Legal Research Center.

أحمد بيومي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة