ماذا سيفعل العالم مع إثيوبيا؟ “1”

مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

الحديث عن تفكك وشيك للدولة الإثيوبية الفيدرالية المتعارف عليها أصبح يتجاوز التحذير النظري الذى انطلق في الفترة الأخيرة من العديد من المتابعين ومن إثيوبي الداخل، ليصبح واقعًا تؤكده الأحداث، حيث يدفع الأخير منها بسرعة تجاه هذا المنحدر، مما نقل المهتمين والمعنيين إلى مرحلة إعداد السيناريوهات لما بعد السقوط، في محاولة لتفادى مغبة التشظي الذى بدأت أماراته وشواهده تلوح على الأرض.وأجمع من يهمهم أمر إثيوبيا، حتى أعداؤها أو منافسوها، أن هذا مآل خطر يحمل انكشافًا استراتيجيًا كبيرًا للقرن الإفريقي الكبير بالمسمى الدولي، والذى يضم فيه المشرق الإفريقي الذى يبدأ من السودان وجنوبه وصولًا إلى سواحل البحر الأحمر والمحيط فيما تضم هذه…

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

الحديث عن تفكك وشيك للدولة الإثيوبية الفيدرالية المتعارف عليها أصبح يتجاوز التحذير النظري الذى انطلق في الفترة الأخيرة من العديد من المتابعين ومن إثيوبي الداخل، ليصبح واقعًا تؤكده الأحداث، حيث يدفع الأخير منها بسرعة تجاه هذا المنحدر، مما نقل المهتمين والمعنيين إلى مرحلة إعداد السيناريوهات لما بعد السقوط، في محاولة لتفادى مغبة التشظي الذى بدأت أماراته وشواهده تلوح على الأرض.
وأجمع من يهمهم أمر إثيوبيا، حتى أعداؤها أو منافسوها، أن هذا مآل خطر يحمل انكشافًا استراتيجيًا كبيرًا للقرن الإفريقي الكبير بالمسمى الدولي، والذى يضم فيه المشرق الإفريقي الذى يبدأ من السودان وجنوبه وصولًا إلى سواحل البحر الأحمر والمحيط فيما تضم هذه المساحة من دول، حيث تتشابك هذه الدول مع إثيوبيا في كثير من مفردات الأمن والاتزان الاستراتيجي الذى صار مهددًا أكثر من أي وقت مضى.

ملامح التفكك الماثلة منذ سنوات التي جاءت التطورات الراهنة بالداخل الإثيوبي وعلى خطوط تماسها الحدودية لتعمقها وتجعل هذا الهاجس له اليوم ما يبرره- تبدأ من مساحات الاقتتال الداخلي التي تدور ما بين الأقاليم والعرقيات المختلفة، وحاولت إدارة الحكم الفيدرالي في أديس أبابا تصوير صراعها مع «التيجراى» عرقيًا وإقليمًا، باعتباره شكلًا من أشكال فرض السيطرة على الأمن المنفلت.

لكن تداعى الأحداث وانكشافها أخذا المشهد برمته إلى أبعاد أخرى، لم يقف عند حد الانتهاك الإنساني الفادح لأبناء العرقية، بل وصل لحد فتح الباب أمام قوات أجنبية «الجيش الإريتري»، كي تقوض كل مقومات العيش للإقليم وتحطم بنية الحكم المحلى برمته. واليوم هذا الإقليم وما جرى فيه تصدر يوميًا بحقه تقارير مساءلة حقوقية وإنسانية، تشير بأصابع الاتهام بوضوح لمرتكبي «جرائم الحرب» بحق المدنيين وتطالبهم بالخروج، في حين يجرى إعداد ملفات للمحاسبة الدولية بدت أنها ستخرج للنور في فترة وجيزة قادمة. على جانب آخر يخضع إقليم «أوروميا» الكبير الذي ينتمي رئيس الوزراء الحالي «أبى أحمد» لعرقيته، إلى حكم عسكري غير معلن منذ منتصف عام ٢٠١٨، في حين اندلعت منذ هذا التاريخ حرب خفية عن أعين العالم في المناطق النائية للإقليم، تقوم فيها قوات الأمن بترهيب الأسر على نطاق واسع، عبر سجن واغتصاب الأمهات والبنات. كما يتعرض الآباء والأبناء للضرب والقتل، كما تتعرض المحاصيل والمنازل إلى الحرق والهدم متى شاءت هذه القوات القمعية، وأدى ذلك الانتهاك الواسع إلى تشكيل مقاومة محلية لهذا القمع المتصاعد، وتنامت الرغبة في التحرر من هذا الكابوس، ليقوم شباب الإقليم بتكوين جيش تحرير أورومو «OLA» الذى شهد عمليات انضمام بشكل جماعي خلال العامين الأخيرين على الأقل. وعلى هامش ذلك جرت عمليات اعتقال واسعة للقادة السياسيين للإقليم، لكل من تحوم حوله شبهات إدارة أو دعم «OLA»، وهو ما يجعل التوصيف الأكثر دقة أن «أوروميا» اليوم صارت غير قابلة للحكم.

على ذات النسق تشهد المنطقة الجنوبية حالة تغيير وسيولة غير محدودة، فقد تعرضت «سيداما» و«ولايتا» اللتان طالبتا بـ«الحكم الذاتي» وفق قواعد الدستور الفيدرالي، إلى مقابلة ذلك من أديس أبابا بالقوة الغاشمة التي واجهت مظاهرات سلمية شهدتها الساحات العامة، وأعقبها خلع قادتهم المحليين على شاكلة ما جرى مع «التيجراى» وقيادات جبهة التحرير الحاكمة.

إقليم «الأمهرة» ليس بأفضل حال مما سبق، بل ربما هو المكون الرئيسي الذي يشارك حكومة «أبى أحمد» فى صناعة هذا المشهد المعقد، فبداية الإقليم على الأرض في حالة حرب مع جميع جيرانه، في الداخل مع إقليم «أوروميا» تحت مزاعم مختلطة ومرتبكة تطال قيادات الإقليم وتبرز إشكاليات الحيازة حول المدن والأراضي، ما يجعل إمكانية الحديث عن العيش المشترك بعيدًا، بل ويتراجع اليوم أكثر، على خلفية ما جرى خلال الشهور الماضية، حيث أعطت لـ«الأمهرة» سطوة إضافية أمام أعدائها. في إقليمي «التيجراى» و«بنى شنقول قموز» يتجاوز الأمر بالنسبة لـ«الأمهرة» حد الخلاف أو النزاعات، فهناك تورط كبير وواسع المدى بالوقائع ارتكبه الأمهريون بحق هذين الإقليمين، يوصف اليوم في عشرات من التقارير الدولية باعتباره «جرائم حرب» قد تدفع ثمنها الدولة الإثيوبية بكاملها.

فالأمهرة شكلوا القوة الضاربة لأديس أبابا في حربها ضد «التيجراى»، وأمام هذا التكليف والإسناد الذي قدمته الأمهرة بحماس تجاوز المهمة، قامت سريعًا بتحصيل الثمن بنفسها عبر ضم منطقة «غرب التيجراى» إلى أراضيها بالقوة المسلحة، وتعد اليوم من غنائم الحرب التي تمارس فيها أكبر عملية تطهير عرقي لإحلال أبناء عرقية «الأمهرة» محل التيجرانيين أصحاب الأرض الأصليين.

في إقليم «بنى شنقول» الإشكالية تتمثل على ذات النحو تقريبًا من الترويع المسلح والتهام الأراضي، وربما الإقليم له خصوصية انفراد الأمهرة بارتكاب جرائم مزدوجة بحق اللاجئين والفارين من حرب التيجراى، لتجري مذابح واسعة بحقهم على أراضي «بنى شنقول», هذا يمثل إشارة عامة لحجم التفكك ومهددات الانزلاق لما هو أسوأ، لعل الأبرز فيه أنه يؤسس لمراحل تالية ممتدة من العداء بين شعوب الأقاليم والعرقيات الإثيوبية المتنوعة، خاصة مع تفشى جرائم الإبادة الجماعية والتهجير القسري عن الأراضي والممتلكات، وهى من الجرائم- عبر الموروث الإفريقي التي يستتبعها فصول من الثأر المتبادل التي قد تفتح النزاعات المسلحة لعقود.

وبالنظر لإيمان رئيس الوزراء وزمرته الحاكمة بأن الفيدرالية هي أم الشرور كما يصفها، ويسعى منذ توليه الحكم لتقويضها عبر انقلاب بدأ يتكشف حجم خشونته، يضفى على الصورة العامة ومستقبل معادلة الأمن الإقليمي قتامة حادة- فالمشهد له ارتباطاته خارج نطاق الحدود الإثيوبية وهو ما يمكن رصده بوضوح في حالتي السودان وإريتريا، الأولى طالتها شظايا الخلل الأمني والاقتتال المسلح بضغط كبير لأعداد اللاجئين الإثيوبيين على أراضيها، قبل الدخول في فصل الانزلاق الإثيوبي التالي لمعارك الحدود مع الخرطوم، التي في طياتها يقبع المزيد من عوامل التهديد والضغط على الاستقرار الهش بالمنطقة.

هذا عن السودان، أما إريتريا وما تأثرت وشاركت به فيما يجرى وهل سيقف الأمر عند حد هاتين الدولتين، أم أن التهديد بتفكك حقيقي يطال القرن الإفريقي بكامله، فهو أمر حساباته صارت خارج سيطرة المركز الإثيوبي بعد ٤ أشهر فقط من بداية الدخول في هذا النفق المظلم المحفوف بالمخاطر الجدية.. هذا ما سنتناوله الأسبوع المقبل بمشيئة الله.

ـــــــــــــ

نقلا عن جريدة الدستور، الأربعاء ١٠ مارس ٢٠٢١.

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

مقالات أخرى للكاتب