وحدة الدراسات الأمريكية

التأثير المستمرّ: هل يؤثر “ترامب” على سياسة “بايدن” تجاه التعامل مع إيران؟

في أول ظهور له منذ تركه البيت الأبيض في 20 يناير 2021، ألقى الرئيس الأمريكي السابق “دونالد ترامب”، في 28 فبراير 2021، خطابًا في مؤتمر لاتحاد المحافظين الأمريكي (CPAC) في مدينة أورلاندو بولاية فلوريدا، تطرق خلاله إلى العديد من القضايا المحلية والخارجية. وكان من بين أبرز القضايا الخارجية التي أشار إليها تطورات العلاقات الأمريكية-الإيرانية في عهد إدارة الرئيس الحالي “جو بايدن” والترتيب لعقد المفاوضات المرتقبة حول الاتفاق النووي مع طهران، حيث انتقد “ترامب” طريقة تعامل الإدارة الحالية مع هذا الملف.  قال “ترامب” في حديثه، إن “الإدارة الجديدة سحبت بشكل أحادي عقوباتِنا القاسية على إيران، ما تسبب بتخلينا عن كل النفوذ…

علي عاطف

في أول ظهور له منذ تركه البيت الأبيض في 20 يناير 2021، ألقى الرئيس الأمريكي السابق “دونالد ترامب”، في 28 فبراير 2021، خطابًا في مؤتمر لاتحاد المحافظين الأمريكي (CPAC) في مدينة أورلاندو بولاية فلوريدا، تطرق خلاله إلى العديد من القضايا المحلية والخارجية. وكان من بين أبرز القضايا الخارجية التي أشار إليها تطورات العلاقات الأمريكية-الإيرانية في عهد إدارة الرئيس الحالي “جو بايدن” والترتيب لعقد المفاوضات المرتقبة حول الاتفاق النووي مع طهران، حيث انتقد “ترامب” طريقة تعامل الإدارة الحالية مع هذا الملف. 

قال “ترامب” في حديثه، إن “الإدارة الجديدة سحبت بشكل أحادي عقوباتِنا القاسية على إيران، ما تسبب بتخلينا عن كل النفوذ الأمريكي قبل بدء المفاوضات”. وشدد الرئيس الأمريكي السابق أكثر من مرة في خطابه على معارضته لرفع العقوبات عن طهران قبل التفاوض؛ لأنها -حسب تعبيره- أحد أسباب “النفوذ” أو الضغط الأمريكي على طهران قبل انطلاق عملية التفاوض المرتقبة بشأن العودة إلى الاتفاق النووي المبرم عام 2015 والذي خرجت منه واشنطن في 2018. وحذّر “ترامب” في خطابه من أن التفاوض مع إيران ربما يجعلها “تفعل ما تريد”، كما هاجم إدارة “بايدن” واتهمها بالفشل في التعامل مع إيران.

ويأتي خطاب “ترامب” ومعارضته التي بدأت تتبلور، قبل انخراط الطرفين -الولايات المتحدة وإيران- في عملية تفاوض يُتوقع أن تكون أشمل مما كانت عليه في عهد الرئيس الأسبق “باراك أوباما”، ما يدفع إلى التساؤل بشأن مدى وكيف يمكن أن تؤثر هذه المعارضة على سياسة الإدارة الأمريكية الحالية في التفاوض مع إيران.

ماذا يقصد “ترامب” بفشل إدارة “بايدن” في التعامل إيران؟

كانت رؤية الرئيس الأمريكي السابق “ترامب”، فيما يتعلق بإيران، تتمحور حول رفضه منحَ طهران نفوذًا قويًا قبل الجلوس على طاولة المفاوضات معها، وقد عبّر في أكثر من موقف عن قبوله للتفاوض نفسه ولكن من ذلك المنطلق المُشار إليه. ولذا، قام “ترامب” خلال مدة رئاسته للولايات المتحدة بفرض حزم قاسية ومتتالية من العقوبات على طهران، كان أحد أهدافه الرئيسية من ورائها هو الجلوس في النهاية على طاولة المفاوضات ولكن من دون أن تفرض إيران شروطًا. وأكد ترامب أكثر من مرة على رغبته في التفاوض مع طهران لا الحرب معها، ولكنه كان يرغب حسب تعبيره ومسئوليه، ومن بينهم وزير الدفاع الأسبق “مارك إسبر” في تصريحات له يوم 12 يناير 2020، في الانخراط في هذه المفاوضات من دون شروط إيرانية مسبقة.

وعلى الرغم من أن هذه العقوبات قد نتج عنها تعجيز حقيقي لمناحٍ كثيرة وحيوية في الاقتصاد الإيراني، إلا أن التفاوض بين إدارة ترامب السابقة وإيران لم يحدث. ويعود أحد أسباب ذلك إلى أن الحكومة الإيرانية كانت تعول كثيرًا على نجاح السيناتور الديمقراطي آنذاك “جوزيف بايدن” في الوصول إلى منصب الرئيس وفشل ترامب في الفوز بولاية ثانية، وإلا لاضطرت في النهاية إلى التفاوض، ما يعني أنه لا يمكن الجزم بأن الحكومة في طهران كانت ستصر على رفضها لهذه المفاوضات في حال فشل بايدن في دخول البيت الأبيض.

وعلى أي حال، كانت هذه نظرة الرئيس السابق الخاصة تجاه التعامل مع إيران وإجبار الأخيرة على الجلوس على طاولة المفاوضات وهو الأساس الذي انطلق منه ترامب في خطابه يوم 28 فبراير 2021 حين هاجم سياسة بايدن واتهمها بالفشل في التعامل مع طهران. 

وعلى الجانب الآخر، يجعل إصرار إدارة بايدن على إيقاف طهران أنشطتها النووية وتلك الأخرى المزعزعة للاستقرار في الشرق الأوسط قبل الدخول في المفاوضات حديثَ ترامب عن الفشل سابقًا لأوانه بعض الشيء؛ إذ إن عملية التفاوض ذاتها بين الإدارة الحالية في واشنطن وطهران لم تبدأ، ولا يزال الطرفان يحاولان كسب المزيد من أوراق الضغط في الوقت الحالي قبل انطلاق هذه المفاوضات المرتقبة التي ترغب حكومة الرئيس الإيراني حسن روحاني في بدئها قبل الانتخابات الرئاسية الإيرانية المقبلة في يونيو 2021 كي تساهم في فوز أحد من التيار الإصلاحي بها. 

ويمكن القول إجمالًا، إن تفاوض إيران بعد إزالة بعض العقوبات عنها سيعزز من موقفها التفاوضي أمام إدارة بايدن على خلاف الوضع الذي كان قائمًا في عهد إدارة ترامب، كما أن الموقف التفاوضي كان سيختلف بشكل جوهري إذا ما نجح ترامب في الفوز بولاية ثانية؛ إذ إن طهران من المرجح بشكل كبير أنها كانت ستضطر للتفاوض مع ترامب في هذه الحالة؛ نظرًا لصعوبة استمرار تحمل العقوبات المفروضة عليها لأربع سنوات إضافية، وفي هذه الحالة فإن أغلب أوراق الضغط والقوة كانت ستصب في صالح الولايات المتحدة. ولذا، فقد تنفّست إيران الصعداء بعد فوز بايدن.

ضغوط “ترامب” ومستقبل عملية التفاوض

يمثل الرئيس الأمريكي السابق “ترامب” شاغلًا كبيرًا للإدارة الأمريكية الحالية؛ إذ يبدو من خطاب 28 فبراير 2021 أنه سيكثف من أنشطته وتحركاته السياسية خلال الفترة المقبلة في ظل تضارب الأقاويل حول إمكان ترشحه في انتخابات الرئاسة الأمريكية لعام 2024. وبرغم عدم تأكيد ترشحه بعد رحيله عن البيت الأبيض، إلا أن ترامب قد ألمح في حفل بمناسبة عيد الميلاد بالبيت الأبيض في الأول من ديسمبر 2020، إلى أنه قد يترشح لولاية جديدة في انتخابات عام 2024، حيث قال آنذاك: “كانت 4 سنوات رائعة. نحاول أن نكمل 4 سنوات أخرى، وإلا سأراكم من جديد بعد 4 سنوات“. وبعد رحيله، ألمح في خطابه الأخير إلى إمكانية الترشح. 

ومع خضوعه لإجراءات العزل مرتين، لا يزال لدى ترامب أنصارٌ وشعبية داخل المجتمع الأمريكي والحزب الجمهوري. وفي هذا الصدد، كشف استطلاع رأي أمريكي أجراه مؤخرًا مركزُ الدراسات السياسية الأمريكية في جامعة “هارفارد” بمشاركة مؤسسة “هاريس” لاستطلاعات الرأي ونشرت صحيفة “ذا هيل” الأمريكية جزءًا منه أن أغلب الناخبين الجمهوريين في الولايات المتحدة سيدعمون الرئيس السابق دونالد ترامب كمرشح للحزب في انتخابات الرئاسة عام 2024. 

وبحسب الاستطلاع، أظهر 52% من الناخبين الجمهوريين دعمًا لترامب، وبدا الأخيرُ الأوفرَ حظًا للترشح لانتخابات الرئاسة المقبلة عن حزبه. وشغل مايك بنس، نائب ترامب السابق، المرتبة الثانية في الاستطلاع من حيث نسبة الدعم بحوالي 18%.

يشير ما سبق إلى أن ترامب يشكل ما يشبه جبهة معارضة داخلية في الوقت الحالي لسياسات بايدن بشكل عام، ومن بينها ما يتعلق بالعلاقات مع إيران بشكل خاص. ومع أنه لا يُعتقد أن تؤثر بشكل جوهري على نهج إدارة بايدن، إلا أن هذه “الجبهة”، مجازًا، التي تتشكل من مواطنين وسياسيين سابقين وحاليين وأعضاء داخل الحزب الجمهوري، سوف تمثل ضغطًا على إدارة بايدن بشأن طريقة تعاملها مع الملف الإيراني وربما يهدد إيقاع حركتها على الأقل؛ وذلك أخذًا في الحسبان تأثير الرأي العام الأمريكي ومختلف المؤسسات السياسية الأمريكية التي يشكل الجمهوريون جزءًا كبيرًا منها. 

وإجمالًا، يتوقف مدى تأثير هذه المعارضة على حجم أنشطة وتحركات “جبهة” معارضة ترامب في الشارع وداخل المؤسسات السياسية الأمريكية، ولكنها في جميع الأحوال ستمثل أحد الضغوط على إدارة “بايدن” فيما يتعلق بالملف الإيراني والمفاوضات المرتقبة. وسوف يتسع حجم هذا الضغط على إدارة “بايدن” إذا ما أقدمت إيران في المستقبل على القيام بأي عمل ضد المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، كما أنه إلى جانب هذا العامل لا يجب إغفال تأثير نتيجة الانتخابات الرئاسية الإيرانية على مستقبل عملية التفاوض التي يمكن أن تشكل مع معارضة “ترامب” عائقًا أمام انطلاق المفاوضات.

علي عاطف