هل ما زال أحد يتذكر سوريا؟!

مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

وكأن كافة الأطراف، بمن فيهم النظام السوري والسوريون، قد استكانوا وارتضوا بهذا الوضع الحالي الموجود على حاله منذ عامين تقريباً، حيث يمكن تأريخ بداية الجمود الذي يلف المشهد الراهن باعتباره بدأ منذ الإعلان عن هزيمة «داعش» في مارس من العام 2019. حينها تسابق الجميع للفوز بحيازة الانتصار الذي لم يكن كاملاً على أرض الواقع، لا سيما أن التداعيات وإشكاليات ما بعد إزاحة التنظيم بقيت على حالها، فكل طرف هناك دون استثناء لديه تقاطعات وتشابكات مع كافة الأطراف الأخرى الحاضرة بالمشهد السوري، والذي يزيد الأمر تعقيداً أنه لا يوجد طرف ليس لديه من يمثله من القوة المسلحة، إما بشكل مباشر عبر…

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

وكأن كافة الأطراف، بمن فيهم النظام السوري والسوريون، قد استكانوا وارتضوا بهذا الوضع الحالي الموجود على حاله منذ عامين تقريباً، حيث يمكن تأريخ بداية الجمود الذي يلف المشهد الراهن باعتباره بدأ منذ الإعلان عن هزيمة «داعش» في مارس من العام 2019. حينها تسابق الجميع للفوز بحيازة الانتصار الذي لم يكن كاملاً على أرض الواقع، لا سيما أن التداعيات وإشكاليات ما بعد إزاحة التنظيم بقيت على حالها، فكل طرف هناك دون استثناء لديه تقاطعات وتشابكات مع كافة الأطراف الأخرى الحاضرة بالمشهد السوري، والذي يزيد الأمر تعقيداً أنه لا يوجد طرف ليس لديه من يمثله من القوة المسلحة، إما بشكل مباشر عبر القواعد العسكرية مثل الولايات المتحدة وروسيا أو بغيرها من الأشكال والوكلاء، مثلما الحال فى نموذج تركيا وإيران اللذين لهما أكثر من وجه على مسرح الأحداث. ويبقى أصحاب الأرض من النظام السوري وأكراد الشمال، وهما على ذات الشاكلة لهما عديد من أوجه الوجود والسيطرة بعضها مسلح وآخر بأمر الواقع أو الاستحواذ.

مشهد عنكبوتي بامتياز، فمن يحاول تتبع طرف واحد من هؤلاء وحجم ارتباطاته، قد يجد نفسه في متاهة لا أول لها من آخر، حيث سيلاقي التنظيمات الإرهابية التي تشكلت مع بداية الحراك الشعبي 2011، وظلت تتشظى وتتحور حتى صارت اليوم بالعشرات، ومن التنظيمات القاعدية والداعشية الانتماء، إلى غيرها من الفصائل المناطقية التي تحمل السلاح هي الأخرى، لمعارضة معتدلة وأخرى غير معتدلة، ناهيك عن الجيوش الصغيرة التي بعضها سني وآخر شيعي، ويظل لكل من مكونات هذا الموزاييك الكبير أجندته ومرجعيته وكفيله الذي يغذيه ويحركه. المثير أن حدة ونمط الصراع ما بين تلك الأطراف صارا غائمين وأكثر غموضاً من ذي قبل، فالأهداف بقدر ما تغيرت عما بدأ الأمر عليه، تظل الإجابات اليوم حول مآلاته عصية حتى على أصحابها، لينتقل المشهد حتى أمام المراقبين إلى ما يشبه إدارة الأمر الواقع، الذي صار يحمل من التوافق أكثر مما يحفزه التنافس، وهي معادلة خطرة على تفرُّدها بالنظر إلى أنها تدور بين ستة أطراف على الأقل، بينهم النظام الذي يحكم سوريا افتراضاً حتى الآن، أو ما تبقى من أرضها وقرارها السيادي الذى لا يعلم أحد أين يتم إنفاذه!

طبيعة الخطر الذى يلوح اليوم بعد عامين كاملين أن ذريعة محاربة «داعش» باعتباره المكون الإرهابي المسلح الذى أعلن يوماً عن تأسيس «دولة إسلامية» اتخذ من إحدى المدن السورية «الرقة» عاصمة لها، قد انقضت وأصبحت من الماضي الذى لن تسمح الأحداث ولا الأطراف بالعودة إليه، ليبدأ المشهد الغرائبي يتسلل إليه قدر من التوافق بين الأطراف المتنازعة، ومساحة لا تقل غرابة من الرضا بدأت بداخل سوريا وامتدت للمجتمع الدولي الذى فقد البوصلة أمام تلك الأزمة، فالأحداث تجرى بوتيرة نزعت الاهتمام من الكافة وهى مكمن أصيل للخطورة، فى حال تصور أو انتظر البعض مساراً للحل، يصطدم سريعاً بوجود الشىء وعكسه ليقلص أى محاولة للفهم، فلكل حادثة أو تطور جديد يقع فى سوريا عشرات الزوايا التى يُروى بها. حتى انتظار التطورات التى يمكن تسويقها لشهور بأنها ستكون ذات ارتباط بما يجرى، سرعان ما تأتى فارغة لا تحمل جديداً يُذكر، مثلما الحال فى انتظار الإدارة الأمريكية الجديدة التى ساهم انتظار قدومها فى تسكين الأوضاع لنحو عام كامل ظل يتردد خلاله أنه مع الإدارة القادمة سينجلى حتماً ضباب هذا الانتظار الفادح.

المضحك والمبكى فى آن واحد أن الإدارة الأمريكية الجديدة «كلياً» بالأشخاص والتوجهات وبالرؤية الاستراتيجية، جاءت لتقدم للسوريين ولبقية الأطراف وجبة لا تخلو من الغرابة الجاثمة على مكونات المشهد. فمؤخراً المتحدث باسم الخارجية الأمريكية «نيد برايس» خرج ليتحدث عن المصالح المشتركة التى تجمع إدارته بالشركاء الأتراك بشأن سوريا، وتعهّد بالعمل البنّاء مع أنقرة فى المستقبل لتحقيق هذه المصالح. بل وذهب الأمر إلى أبعد من ذلك الحديث، حين بدأ الإعلام الأمريكى يروج لخطة سماها بـ«الجديدة»، تهدف إلى الإطاحة بنظام بشار الأسد، وتدلل المنصات التي تناولت هذا الأمر بالضربة الأخيرة التى قامت بها القوات الأمريكية في سوريا، باعتبارها مقدمة لاستئناف الخطط التي كان «باراك أوباما» قد انتهجها سلفاً. ما خرج للنور من رؤية الإدارة الجديدة لمستقبل سوريا ربما أفصح عن مكوناتها المبعوث الأمريكي لسوريا الذي يستعد لمغادرة منصبه «جويل ريبورن»، حين ذكر أن هناك استراتيجية أمريكية جديدة ستدفع النظام السوري وحلفاءه إلى التخلي عن الحل العسكري للأزمة، وأن لدى واشنطن القدرة على إجبارهم على وقف الحرب، عبر مواصلة العقوبات ضد النظام لتضييق الخناق عليه وتقليص قدراته على المناورة، مما سيصل به حتماً إلى الانهيار السريع الذى تراه واشنطن قريباً!

هذه الرؤية الأمريكية التي تعتبرها «جديدة»، هكذا تبدو بحروفها وإشاراتها دون زيادة أو تدخل منا، ربما في طياتها جاء ما هو أكثر عبثاً حول تمويل وتسليح المعارضين، والذي رأينا العبور عليها لما فيه من غموض لهوية هؤلاء المعارضين وإغفال تسميتهم، ليظل المشهد على هذا النحو من الاستخفاف بأعوام مضت وأحداث كثيرة تغيرت، ينتظر هذه العودة لإدارة بايدن التي يبدو أنها فقدت الإحساس بالزمن، خاصة مع الحديث عن المصالح المشتركة مع الأتراك. فربما غفل عنها أو تتغافل كون تركيا تنسق اليوم مع الروس بأكثر مما يهمها المصالح الأمريكية، أم أن الاستخبارات الأمريكية لم ترصد بعدُ حجم التوافقات التي تجرى ما بين الأتراك والميليشيات الموالية لإيران في تحركات الأخيرة ما بين سوريا والعراق وعمليات الحشد الواسع، الذي تمرره المجموعات الموالية لتركيا بتعليمات مباشرة من أنقرة، بل هناك من العناصر الكردية من يتشارك في هذا الأمر، علماً بأن هدف تلك الميليشيات هو القوات الأمريكية تحديداً. هذا ملمح واحد فقط من المفاجآت القاسية، وغيرها كثير مما ينتظر إدارة جو بايدن المترهلة من قبل أن تبدأ.

نقلا عن “جريدة الوطن”، ٨ مارس ٢٠٢١.

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

مقالات أخرى للكاتب