تنمية ومجتمع

تحفيز التنمية: الخط الحديدي بين مصر وليبيا

في الثامن من نوفمبر 2020، أعلنت الدولة المصرية نيتها مد خط السكك الحديدية الواصل بين مرسى مطروح – السلوم والمنتهي عند معبر السلوم – مساعد الحدودي إلى مدينة بنغازي، ثاني أكبر مدن ليبيا والواقعة في القسم الشرقي من البلاد. ويأتي هذا الإعلان في ظل التفاؤل بقرب توصل الأشقاء الليبيين لحل سلمي للأزمة السياسية العميقة التي بدأت تداعياتها مع اندلاع أحداث 17 فبراير من عام 2011. حيث سيؤدي هذا الحل السياسي المنتظر إلى تهيئة الأجواء أمام مجهودات إعادة إعمار وتنمية الدولة الليبية، والتي عانت كافة مرافقها خلال السنوات العشر الماضية من انهيار شبه كامل بسبب تداعيات الأعمال العسكرية التي نفذتها الأطراف…

مصطفى عبداللاه
باحث ببرنامج السياسات العامة

في الثامن من نوفمبر 2020، أعلنت الدولة المصرية نيتها مد خط السكك الحديدية الواصل بين مرسى مطروح – السلوم والمنتهي عند معبر السلوم – مساعد الحدودي إلى مدينة بنغازي، ثاني أكبر مدن ليبيا والواقعة في القسم الشرقي من البلاد. ويأتي هذا الإعلان في ظل التفاؤل بقرب توصل الأشقاء الليبيين لحل سلمي للأزمة السياسية العميقة التي بدأت تداعياتها مع اندلاع أحداث 17 فبراير من عام 2011. حيث سيؤدي هذا الحل السياسي المنتظر إلى تهيئة الأجواء أمام مجهودات إعادة إعمار وتنمية الدولة الليبية، والتي عانت كافة مرافقها خلال السنوات العشر الماضية من انهيار شبه كامل بسبب تداعيات الأعمال العسكرية التي نفذتها الأطراف الداخلية والخارجية.

ترابط قوي بين البلدين

تتشارك مصر وليبيا بحكم الجوار الجغرافي في العديد من الملفات، وفي مقدمتها الملف الاجتماعي، حيث تستقر في مصر جالية ليبية يقدر قوامها بـ20,000 نسمة، كما يتردد على البلاد سنويًا 300,000 من المواطنين الليبيين، وهم غالبًا يأتون بهدف تقضية الإجازات والعلاج والتعليم. بالإضافة إلى ذلك، تتواجد في كافة أنحاء مصر، وبخاصة في محافظة مطروح، العديد من القبائل التي تنتمي بروابط القرابة مع القبائل المتواجدة بالداخل الليبي، مثل قبائل أولاد علي، وزويلة، وهوارة. كما اعتادت ليبيا قبل اندلاع أحداث 2011 استقبال مليون مواطن مصري سنويًا، وهم في غالب الأحوال من العاملين في المجالات التنموية كالبناء والنقل والصحة.

على جانب آخر، فإن الملف الاقتصادي له موضع جيد في العلاقات بين البلدين, حيث استطاعت الاستثمارات الليبية بمصر أن تُسجل قفزة بمقدار 86% خلال السنوات الخمس الأخيرة فقط (انظر الشكل التالي رقم 1), كما أن حجم التبادل التجاري بين البلدين ارتفع هو الآخر ليصل إلى 798 مليون دولار في 2019، وذلك وفق تقديرات هيئة الصادرات المصرية. وتُعتبر ليبيا من أكبر الدول المستوردة لعدد من أصناف المنتجات المصرية، وعلى رأسها مواد البناء, حيث بلغت قيمة مستوردات ليبيا من تلك الأخيرة خلال العام الماضي أكثر من 247 مليون دولار.

* المصدر: البنك المركزي المصري.

وتُشارك مصر على المستويات السياسية بدور فاعل في جهود حل الأزمة الليبية، حيث استضافت خلال السنوات الماضية عددًا من الفاعليات الهادفة لتوحيد الصف الليبي، مثل ملتقى مشايخ وأعيان القبائل والمدن الليبية في مايو 2015، وملتقى شيوخ وأعيان القبائل الليبية في يوليو 2020، والجولة الثالثة من المفاوضات العسكرية بين طرفي الصراع الليبي في سبتمبر 2020.

كما أصدرت مصر الإعلان المعروف بإعلان القاهرة في يونيو 2020, والذي اقترح وقف كافة أشكال الأعمال العدائية بين المتحاربين على التراب الليبي, وإجراء انتخابات ديمقراطية وطنية تكون سببًا في استقرار الوضع العام في دولة ليبيا, وهو ما لقي العديد من الإشادات الدولية، خاصة من الدول الكبرى كالولايات المتحدة وروسيا وألمانيا, حيث رأت تلك الدول في إعلان القاهرة توجهًا رصينًا لتسوية الصراع الليبي-الليبي بشكل سلمي.

تاريخ مشروع الربط الحديدي بين الدولتين

تعود فكرة ربط السكك الحديدية بين مصر وليبيا إلى عهد نظام العقيد “معمر القذافي”، ففي عام 1992 أعلنت الحكومة الليبية عن رغبتها في تشييد منظومة السكك الحديدية، والتي ستمتد على عرض البلاد بمحاذاة ساحل البحر المتوسط، لتبدأ من الحدود المصرية الليبية عند معبر السلوم/مساعد شرقًا، وتنتهي عند الحدود الليبية التونسية عند معبر رأس جدير غربًا. وكان أحد أهداف هذا المشروع الليبي هو تحقيق ترابط السكك الحديدية بين الدول الثلاث مصر وليبيا وتونس.

لكن إجراءات تنفيذ هذا المشروع تأخرت حتى عام 2003 حينما بدأت حكومة ليبيا في وضع المخطط العام لشبكة السكك الحديدية الليبية, ولقد قدرت تكلفة هذا المشروع في حينها بسبعة مليارات من الدولارات الأمريكية, ثم في عام 2008 تم التوقيع على بروتوكولات التشييد بين الحكومة الليبية وشركتين أجنبيتين، إحداهما روسية والأخرى صينية, حيث تولت الأولى مهام تشييد القسم الشرقي من الخط في المسافة بين السلوم شرقًا ومدينة سرت غربًا بطول 1148 كم, فيما تولت الشركة الصينية عمليات تشييد القسم الغربي من الخط في المسافة بين سرت شرقًا وحتى معبر رأس جدير الحدودي غربًا بطول 616 كم، بالإضافة إلى توليها عملية تشييد الخط الحديدي الممتد جنوبًا حتى مدينة سبها بطول 900 كم.

ولقد بدأت الشركتان منذ هذا التاريخ في عمليات تمهيد الأرض وشق المسار استعدادًا لمد القضبان الحديدية، كما قامت الحكومة الليبية خلال شهري يناير وفبراير من عام 2011 بعقد عددٍ من الاجتماعات مع الشركات الدولية الراغبة في توريد الوحدات المتحركة التي ستعمل على الخط الليبي الجاري تشييده في حينها، لكن كافة الأعمال في هذا الملف تم تعطيلها مع تصاعد الأحداث منذ بداية مارس 2011، لتعاني كافة ممتلكات الدولة الليبية المتعلقة بمشروع السكك الحديدية منذ ذلك الحين من حالة كبيرة من الخراب والإهمال.

فوائد منتظرة من مد الخط الحديدي 

من المتوقع أن يكون الخط الحديدي المصري-الليبي سببًا في جلب العديد من الفوائد على الدولتين الشقيقتين, فوجود السكك الحديدية بين مدينتي الإسكندرية المصرية وبنغازي الليبية يساعد على اختصار زمن رحلة الركاب من 14 ساعة بالطرق البرية إلى 8 ساعات فقط باستخدام القطار, كما سيسهل استخدام السكك الحديدية على المواطن الليبي مشقة التنقل الداخلي بين مدن الساحل الشرقي للبلاد, فالمسافة بين مدينتي طبرق وبنغازي يمكن اختصارها بفضل السكك الحديدية بنسبة 45%، أي أقل من 3 ساعات للرحلة, كما سيساعد الخط الحديدي على تجنيب المواطنين الليبيين مخاطر استخدام الطريق البري الساحلي الليبي الذي يوصف بضيقه الشديد في المسافة بين معبر السلوم/مساعد شرقًا وبنغازي غربًا, حيث لا يتسع الطريق في أغلب قطاعاته إلا لعبور مركبة واحدة من كل اتجاه, وهو ما يؤدي إلى وجود تزاحم مروري يسفر عن وقوع المئات من الحوادث الدامية سنويًا.

على جانب آخر، ستكون حركة القطارات بين مصر وليبيا سببًا في انتعاش وازدهار حركة التجارة البينية، حيث تقدم القطارات ميزات لوجستية تسهل عمليات نقل البضائع، فالقطار الواحد يمكنه أن يحمل ما يعادل 1500 طن على أقل تقدير، وهو ما يساوي حمولة 17 شاحنة ثقيلة، كما تساعد السرعة التي تتميز بها القطارات على إيصال البضائع بين الإسكندرية وبنغازي في أقل 13 ساعة, وهو ما يمثل 10 %من الوقت الذي تستغرقه الشاحنات في ذات المسافة. وتنعكس تلك الميزات التي يوفرها النقل بالقطار على رخص تكاليف النقل، والتي تنطبع بدورها على تنافسية وسعر المنتجات المتبادلة بين الدولتين. كما تساعد الفترة الزمنية القصيرة لرحلات القطارات على إتاحة الإمكانية أمام تصدير واستيراد البضائع سريعة التلف، خاصة المحاصيل الزراعية من الخضروات والفواكه.

وبالإضافة إلى ما سبق، سيكون خط السكك الحديدية المزمع تشييده بين البلدين سببًا في تسهيل مشروعات إعادة الإعمار في ليبيا, فالبلاد تعاني حاليًا من دمار واسع تقدر تكاليف إصلاحه بمائتي مليار دولار، وذلك وفق ما ورد في أحد تقارير البنك الدولي عام 2016, ومن المحتمل أن تشهد تلك التقديرات زيادات أخرى بسبب استمرار أعمال الاقتتال بين الفرقاء الليبيين خلال الفترة من 2016 إلى 2020, لكن استقرار الأوضاع في الشطر الشرقي من البلاد والذي يسيطر عليه الجيش الوطني الليبي, يفتح المجال أمام الشركات الدولية من أجل المشاركة في عمليات إعادة إعمار في ليبيا, وسيكون خط السكك الحديدية المصري-الليبي بمثابة الشريان الذي يمد ليبيا باحتياجاتها من العمال ومواد البناء والمعدات الإنشائية اللازمة لتنفيذ مشروع إعادة الإعمار المنتظر.

أخيرًا، يمكن القول إن مشروع مد خطوط السكك الحديدية بين معبر السلوم الحدودي ومدينة بنغازي الليبية, سيكون بمثابة رابط جديد لدعم أواصر التعاون بين البلدين الشقيقين, لكن لا بد من توسيع ذلك المشروع، وذلك بإعادة التفكير في تمديد الخط الحديدي المصري-الليبي إلى الغرب من مدينة بنغازي باتجاه العاصمة طرابلس, لخلق محور نقل مباشر بين مدينة الإسكندرية المصرية والعاصمة الليبية طرابلس, وهو ما سيعود بالنفع على حركة الاقتصاد الوطني الليبي، وأيضًا على المجتمعات المحلية في كامل منطقة الساحل الليبية, وربما تكون تلك المبادرة الهادفة لربط السكك الحديدية بين شرق ليبيا وغربها عاملًا جديدًا لتحفيز التوافق والسلام بين الفرقاء الليبيين.

مصطفى عبداللاه
باحث ببرنامج السياسات العامة