كورونا وإعــــادة الاعتبار للتخطيط

على الرغم مما أحدثه فيروس كورونا من أزمة اقتصادية عالمية وتقلص غير مسبوق في النشاط الاقتصادي وتراجع النمو والوظائف وغيرها من الآثار السلبية، فإنه، وعلى الجانب الآخر، قد نجح في إظهار خطورة الاستمرار في السياسات الاقتصادية المطبقة حاليا. وكان وبحق كاشفا لسوءات النظام الاقتصادي العالمي، وأسقط القناع عن الوجه الحقيقي له، وبعبارة أخرى فإن الجمع بين فيروس قاتل وسياسات اقتصادية خاطئة وقيادات غير كفؤة قد وضع البشرية بأكملها على مسار جديد ومثير للقلق. وهو ما أشار إليه تقرير التنمية البشرية عن عام 2020 الصادر أخيرا حين ذكر: نحن نعيش في زمن لم يسبق له مثيل في تاريخ البشرية وفي تاريخ…

عبد الفتاح الجبالي

على الرغم مما أحدثه فيروس كورونا من أزمة اقتصادية عالمية وتقلص غير مسبوق في النشاط الاقتصادي وتراجع النمو والوظائف وغيرها من الآثار السلبية، فإنه، وعلى الجانب الآخر، قد نجح في إظهار خطورة الاستمرار في السياسات الاقتصادية المطبقة حاليا. وكان وبحق كاشفا لسوءات النظام الاقتصادي العالمي، وأسقط القناع عن الوجه الحقيقي له، وبعبارة أخرى فإن الجمع بين فيروس قاتل وسياسات اقتصادية خاطئة وقيادات غير كفؤة قد وضع البشرية بأكملها على مسار جديد ومثير للقلق. وهو ما أشار إليه تقرير التنمية البشرية عن عام 2020 الصادر أخيرا حين ذكر: نحن نعيش في زمن لم يسبق له مثيل في تاريخ البشرية وفي تاريخ الأرض وجائحة كورونا هي آخر ما جنيناه من الاختلالات المتفشية التي أظهرتها الأزمة الحالية، مثل اختلالات توزيع الإنفاق العام وإهمال الجوانب الأساسية للتنمية مثل الصحة والتعليم والاختلالات الشديدة فى توزيع الدخول بين الأفراد وبين البلدان والمناطق المختلفة. بل وأثبت فشل الأعمدة الأساسية للسياسات المطبقة، فالاعتقاد الجازم بأن السوق يجب أن يقرر ما يتم إنتاجه وكيفية تطويره، قد سقط حينما بحثت الدول عن أساسيات العلاج فلم تجدها وظهرت ظواهر غريبة كقيام الدول بالاستيلاء علي الشاحنات الطبية المرسلة لدول اخري، وأصبحت السوق الدولية فوضوية تماما حيث تدافعت الحكومات من جميع أنحاء العالم للحصول علي أجهزة التنفس ومعدات الحماية والوقاية الأخرى, وتحولت كل شعارات المرحلة لنقيضها تماما فالعولمة أضحت الدولة القومية، والتواصل الاجتماعي أصبح التباعد الاجتماعي-الخ -وتم تقويض المبادئ الأساسية للتصنيع العالمي من خلال سلاسل القيمة المرتبطة بعدة دول، ووضعت كل دولة مصلحتها الوطنية أولا-  بل والأهم أن بعض هذه البلدان لم تجد أي غضاضة في التضحية بكبار السن في سبيل الخروج من الأزمة. وهكذا ظهر الوجه الحقيقي للعولمة المتوحشة، وهو ما أشار إليه جون جالبرث في كتابه “اقتصاد الاحتيال البريء” قائلا إن التقدم الإنساني الذي تحقق يهيمن عليه موت ووحشية غير متخيلة إذ قطعت الحضارة شوطا هائلا في العلم والفنون ولكنها أعطت وضعا متميزا لتطوير الأسلحة والحروب والمجازر الجماعية التي اعتبرت المنجز الجوهري لهذه السياسات. أن آلية السوق لا تخدم بدقة الأهداف التي تدعى أنها تحققها، مثل تزويد المجتمع بتقييم دقيق للتكاليف النسبية للإنتاج وغيرها. إذ تعاني الأسواق اختلالات عديدة يعود بعضها الى الأوضاع الاحتكارية، والبعض الآخر ناجم عن الاعتبارات القصيرة الأجل في العمل، والتي تجعل السوق أقل قدرة على المنافسة أو أقل كفاءة أو أقل اهتماما بالأوضاع البيئية في المجتمع. وثانيا هناك تشوهات في شكل تفاوتات بين الأفراد الداخلين للسوق إما لافتقارهم الى التعليم أو المهارات اللازمة للمنافسة. وثالثا كثيرا ما لا يعبر السوق عن التكاليف والفوائد الخارجية (سواء كان التلوث او الوقاية من بعض الامراض المتوطنة). أثبتت الأزمة الحالية فشل العولمة وأعادت الأزمة الاعتبار للدولة القومية، بدلا من السوق العالمية. فكل البلدان تقريبا أغلقت حدودها أمام البضائع والأفراد، حتى داخل الاتحاد الأوروبي نفسه، ناهيك عن استدعاء الجيوش الوطنية للمساعدة، وقيام الاتحاد الأوروبي بإزالة القيود علي عجز الموازنات القطرية حتي تتمكن كل دولة من إنفاق ما تراه مناسبا لمكافحة الفيروس. ناهيك عن حزم الإنقاذ المالية التي قامت بها معظم البلدان لدعم الرعاية الصحية والمستشفيات وتطوير اللقاحات وشراء وتوزيع الأدوية وغيرها، والتي بلغت قيمتها نحو 14 تريليون دولار، منها ٧٫٨ تريليون في شكل إنفاق إضافي. وكلها أمور ساعدت على تقوية دور الدولة وتراجع العولمة – وأصبح هناك تحد كبير للمعتقدات التقليدية الخاصة بالإنفاق العام أو دور البنوك المركزية أو حدود التدخل الحكومي.. الخ من المسلمات التي ظلت معمولا بها حتى الآن. كل هذه الأمور وغيرها تشير الى أننا نعيش في مرحلة غير مسبوقة من التاريخ البشرى، أي اننا في خضم أزمة اقتصادية عالمية كبرى، لم يتمكن النموذج الاقتصادي السائد لعلم الاقتصاد من التنبؤ بها أو يستطيع معالجتها. وأصبح من غير المحتمل العودة مرة أخري للحديث عن العولمة المفيدة لكل الأطراف. ويمكننا استخلاص نتيجة واحدة بكل يقين وهي ضرورة إعادة النظر كلية في المبادئ الأساسية التي يعتمد عليها علم الاقتصاد بشكله الحالي. خاصة في ظل الجغرافيا السياسية الحالية الي جانب التحولات الهيكلية المرتبطة بها. كما أن الاقتصاد العالمي لم يعد يدور، كما كان من قبل، وفقا لقواعد وأسس محسوبة أو يمكن توقعها. بل على العكس من ذلك تماما. إذ زادت بشدة كمية الأحداث الفجائية والتي تخرج عن أى توقعات ممكنة. وكلها أمور توفر أدلة على أن الافتراضات المفرطة التبسيط بشأن ما الذي يستند إليه كثير من علم الاقتصاد الكلى الحديث ليست مفيدة في تفسير التطورات الجارية في عالمنا المعاصر.

وبالتالي فإن الفهم السليم للسلوك الاقتصادي يتطلب هجر الكثير من الأفكار التقليدية السائدة حاليا وترى أن النظام الرأسمالي يمثل نهاية التاريخ على حد تعبير فوكوياما أي أن هناك نظاما اقتصاديا واحدا يحكم العالم وهو الرأسمالية الليبرالية باعتباره الطريق الوحيد لتنظيم الإنتاج والتوزيع أو ما أشار إليه ميلتون فريدمان في كتابه الرأسمالية والحرية الى أن التجربة أثبتت أن التخطيط المركزي هو فعلا الطريق الى العبودية كما ذكر فردريك هايك، وهى أفكار ثبت خطؤها تماما. فالبون شاسع بين افتراضات السوق الكفء والأداء الفعلي للأسواق، وهكذا فإنه لا غنى عن دور نشيط للدولة لإصلاح الأسواق ومن ثم تحسين قدرتها على العمل ولمواجهة الآثار الاجتماعية لأداء السوق، مع ايماننا الكامل بما ذهب إليه كينز من أن المشكلة الأساسية للبشرية تشمل في الجمع بين ثلاثة أشياء (الفعالية الاقتصادية، العدالة الاجتماعية، الحريات السياسية) والإصلاحات العميقة التي تحقق تلك الاهداف. وكلها أمور لن تتم إلا عبر أداة أساسية هي التخطيط الاقتصادي السليم وامتلاك بوصلة هادية لنمط التحولات المنشودة للنهوض من خلال رؤية مستقبلية لتحديات العصر معتمدة على المنهج العلمي الخلاق الذي يجمع بين الواقعية والخيال العلمي في آن واحد.

نقلا عن جريدة الأهرام، ٣ مارس ٢٠٢١.

عبد الفتاح الجبالي

مقالات أخرى للكاتب