مقال تحليلي

تغيير قواعد اللعبة: هل تنجح المعارضة التركية في استثمار مأزق “أردوغان”؟

دخلت تركيا العام الجديد وسط عدد من التحولات المتسارعة على مستوى الداخل، وقد أدت هذه التحولات -في مُجملها- إلى تصاعد حدة الغضب والاستياء من قبل الرأي العام والمعارضة التركية ضد الرئيس التركي “أردوغان” وحزب العدالة والتنمية، إذ يتسم المشهد والحراك الداخلي بمزيدٍ من الاستقطاب وعدم الاستقرار، في ظل عددٍ من التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها تركيا في الوقت الراهن. تطورات متلاحقة ثمة ملامح تشكلت في الآونة الأخيرة تشير إلى أن الأوضاع في تركيا والمشهد الداخلي قد يطرأ عليه تحول جوهري فيما هو قادم، الأمر الذي يمكننا الوقوف عليه فيما يلي: ١. حراك أكاديمي لضمان استقلال الجامعات: استقبلت تركيا العام…

محمود قاسم
باحث بوحدة الإرهاب والصراعات المسلحة

دخلت تركيا العام الجديد وسط عدد من التحولات المتسارعة على مستوى الداخل، وقد أدت هذه التحولات -في مُجملها- إلى تصاعد حدة الغضب والاستياء من قبل الرأي العام والمعارضة التركية ضد الرئيس التركي “أردوغان” وحزب العدالة والتنمية، إذ يتسم المشهد والحراك الداخلي بمزيدٍ من الاستقطاب وعدم الاستقرار، في ظل عددٍ من التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها تركيا في الوقت الراهن.

تطورات متلاحقة

ثمة ملامح تشكلت في الآونة الأخيرة تشير إلى أن الأوضاع في تركيا والمشهد الداخلي قد يطرأ عليه تحول جوهري فيما هو قادم، الأمر الذي يمكننا الوقوف عليه فيما يلي:

١. حراك أكاديمي لضمان استقلال الجامعات:

استقبلت تركيا العام الجديد بحالة من التمرد والاستياء في الأوساط الأكاديمية، وذلك على خلفية تصاعد الاحتجاجات التي بدأت في الرابع من يناير، اعتراضًا على إصدار الرئيس التركي “أردوغان” مرسومًا رئاسيًا بتعيين “مليح بولو” عميدًا لجامعة جامعة “بوغازيتشي” في إسطنبول. وقد قوبل هذا القرار بردة فعل عنيفة، خاصة أن قرار التعيين يتعارض مع التقاليد والأعراف الراسخة التي تتبعها الجامعة والتي تقضي بضرورة ألا يكون رئيس الجامعة من خارج هيئتها التدريسية، مما يجعل هذا القرار الأول من نوعه منذ عام 1980، كما أن ارتباط “مليح بولو” بحزب العدالة والتنمية قد ساهم في تفاقم الأزمة ووصولها لمستوى غير مسبوق من التصعيد والاحتجاجات التي لم تشهدها تركيا منذ احتجاج “حديقة غيزي” 2013.

ويدخل هذا الإجراء ضمن السياق العام الذي فرضته حالة ما بعد 2016، ومحاولات “أردوغان” السيطرة على مفاصل الدولة، حيث كانت الجامعات التركية تنتخب ثلاثة مرشحين، ويقوم مجلس التعليم العالي بالاختيار فيما بينهم، قبل أن يصدر “أردوغان” مرسومًا يمنح الرئيس التركي حق تعيين رؤساء الجامعات، ومنذ ذلك الحين قام “أردوغان” بتعيين ما يقرب من 16 عميدًا لجامعات مختلفة، وقد اتسمت تلك التعيينات بالصلات القريبة من الحزب الحاكم والموالية للرئيس التركي، مما ينظر إليه باعتباره مقدمة لوصاية كاملة على الحياة الأكاديمية وانتزاع الاستقلال الجامعي.

٢. غضب شبابي مُتصاعد:

يزداد تمرد الشباب وغضبهم ضد سياسة الرئيس التركي وحكومته، في ظل حالة التضييق على الحريات والقمع الذي يتعرض له الشباب على خلفية مشاركتهم في الاحتجاجات الجامعية، والتي نجم عنها اعتقال مئات الطلاب واتهامهم بالإرهاب والخيانة من قبل الحكومة التركية. يتزامن ذلك مع الإحباط المتزايد في الأوساط الشبابية بسبب الأوضاع الاقتصادية، وارتفاع معدلات البطالة بين الشباب والتي وصلت لنحو 25% وفقًا للبيانات الرسمية. وقد بدت ملامح الرفض الشبابي لسياسات الرئيس التركي وحكومته في عدد من المؤشرات من بينها: ما أظهره عدد من استطلاعات الرأي التي أُجريت مؤخرًا والتي انتهت إلى ارتفاع نسبة الشباب غير الراضين عن حياتهم في تركيا من 28.9% خلال عام 2017 إلى 41.9% خلال عام 2020. من ناحية أخرى، عبر تفاعل الشباب مع خطاب الرئيس التركي الذي ألقاه عبر الإنترنت (26 يونيو 2020) عن مدى الاستياء والغضب داخل هذه الفئة العمرية، حيث أبدى أكثر من 400 ألف عدم إعجابهم بحديث “أردوغان”، ناهيك عن ارتفاع نسبة الشباب الراغب في مغادرة تركيا.

ويثير هذا التوجه تحديًا كبيرًا لدى الرئيس التركي وحكومته، وهو ما قد يؤدي إلى عدد من التبعات السياسية التي قد تظهر صداها في الانتخابات القادمة 2023، حيث سيصبح من حق 7 ملايين شاب تركي (12% من نسبة الناخبين) التصويت في تلك الانتخابات، مما يعني أن استمرار الوضع على ما هو عليه قد يؤدي إلى خسارة الرئيس التركي وحزبه لهذه الأصوات مستقبلًا.

ويشير موقف الشباب من النظام الحالي إلى إخفاق “أردوغان” في احتواء الشباب وفشل استراتيجيتها في تربية أجيال خاضعه له، فحسب “فورين بوليسي” فقد عمد “أردوغان” منذ 2012 إلى تبني مشروع يسعى من خلاله لتربية أجيال متدينة عبر ضخ مليارات الدولارات في التعليم الديني، وزيادة عدد المدارس والمؤسسات المهنية لتخريج أئمة وخطباء؛ إلا أنّ هذا النهج بات يُلاقي رفضًا كبيرًا من الشباب وتمردًا واسعًا، مما يعني فشل “أردوغان” في بلوغ هدفه، وضمان تأييد ودعم هذه الشريحة العمرية التي نشأت في ظل سيطرته على السلطة كرئيس وزراء ثم رئيس للدولة.

٣. مساعٍ دائمة للهيمنة على السلطة:

أضفى إعلان الرئيس التركي (فبراير 2021) حول حاجة البلاد لدستور جديدة زخمًا كبيرًا وردود فعل تدور أغلبها حول الرفض التام للمقترح فيما عدا التأييد والدعم المتوقع من قبل حزب الحركة القومية الشريك في الائتلاف الحاكم. وقد تشكلت الاتجاهات المناهضة لهذا التوجه في ضوء أن كتابة دستور جديد سيؤدي إلى مزيدٍ من الهيمنة، وتعزيز سلطة وصلاحيات الرئيس التركي بما يرسخ لحكم الفرد، حيث أكد الرئيس التركي أن “الدستور الجديد سيُبنى على القفزات التاريخية التي حققناها في تركيا، وخاصة نظام الحكم الرئاسي”.

 ويسعى “أردوغان” لتحقيق جملة من المكاسب من وراء هذه الدعوة من بينها: مواجهة تطلعات المعارضة ومساعيها لطرح مسودة دستور للعودة للنظام البرلماني بديلًا للنظام الرئاسي الذي استحدثه “أردوغان” 2017، ناهيك عن حاجته لضمان استمراره في الحكم عبر محاولة طرح مقترح يلغي من خلاله شرط الحصول على الأغلبية المطلقة من الأصوات (50+1) للفوز بمقعد الرئاسة، بحيث يصبح الفائز هو من يحصل على أكثرية الأصوات في الجولة الأولى من الانتخابات. كما لا يمكن تجاهل السياق العام الذي طُرحت فيه قضية كتابة دستور جديد في ظل أزمات عاصفة على كافة المستويات الاقتصادية والصحية والسياسية، ما يعني أن الرئيس التركي يستهدف إلهاء الداخل وصرف انتباه الرأي العام عن تلك التحديات.

رغم ذلك تصطدم هذه المساعي بعدد من العراقيل والقيود الدستورية، حيث إن كتابة دستور جديد يمكن أن تتم عبر وسيلتين: الأولى، موافقة ثلثي أعضاء البرلمان التركي، بمعنى قبول نحو 400 عضو من أصل 600 على إقرار دستور جديد. أما الطريقة الثانية فتتم عبر الاستفتاء الشعبي، وفي ظل التركيبة البرلمانية الحالية فمن الصعب على تحالف الشعب (حزب العدالة والتنمية، الحركة القومية) اللجوء للوسيلة الأولى نظرًا لسيطرته على 337 مقعدًا فقط، مما يعني عدم قدرته على الوفاء بالنصاب القانوني اللازم لوضع دستور جديد. من ناحية أخرى، تواجه الوسيلة الثانية قيودًا مماثلة، إذ إن اللجوء للاستفتاء الشعبي يحتاج لموافقة نحو 367 عضوًا، مما يعني أن تحالف الشعب بحاجة لحشد 30 عضوًا من داخل البرلمان، الأمر الذي يصعب تحقيقه في ظل تنامي حدة المعارضة في الآونة الأخيرة، وفي حالة نجاح تحالف الشعب في حشد تلك الأصوات فقد يصطدم التعديل المطلوب بالصناديق الانتخابية في ظل الاحتقان داخل الرأي العام وحالة الاستياء والرفض لسياسيات النظام الحالي.

٤. مغامرات الخارج: توظيف محفوف بالمخاطر:

اتّبع الرئيس التركي في السنوات الماضية نهجًا يقوم على توظيف التدخلات الخارجية في شئون الدول في حشد واستنفار الداخل التركي، خاصة أصحاب النزعة القومية، عبر دعوات إحياء الإرث العثماني؛ إلا أن استمرار هذا النمط بات محفوفًا بالمخاطر، خاصةً في ظل ارتفاع التكلفة البشرية واستنزاف المزيد من الأرواح، سواء الضباط أو المدنيين الأتراك في تلك المغامرات الخارجية، الأمر الذي عبر عنه عدد من القوى المعارضة وذلك في أعقاب الإعلان عن تصفية نحو 13 تركيًا في شمال العراق تزامنًا مع عملية “مخلب النسر2” التي نفذها الجيش التركي في منطقة “جبل غارا” ضد عناصر حزب العمال الكردستاني، وينظر لتداعيات هذه العملية وما نجم عنها من مقتل وتصفية مواطنين أتراك باعتباره مشهدًا متكررًا وضريبة يدفعها الشعب التركي بسبب رغبات “أردوغان” وطموحاته الفردية، إذ إنها تأتي بعد نحو عام تقريبًا من مقتل نحو 33 جنديًا تركيًا في إدلب شمال سوريا (فبراير 2020)، الأمر الذي أثار جدلًا كبيرًا وانتقادًا واسعًا للرئيس التركي في الداخل. وعلى الرغم من ذلك، يبدو أن “أردوغان” لن يتراجع عن تحركاته التوسعية ومغامراته العسكرية، حيث أكد خلال المؤتمر الاعتيادي لحزب العدالة والتنمية (16 فبراير) “أن بلاده ستوسع عملياتها العسكرية في المناطق التي تكثر فيها التهديدات الإرهابية، كما أنها ستبقى بالمناطق التي دخلتها”.

٥. تعسف متزايد وإقصاء للمعارضة:

تعاني المعارضة التركية مؤخرًا من التضييق والإقصاء الممنهج؛ إذ عمدت الحكومة التركية إلى اتباع إجراءات تعسفية، ومواصلة النيل من المعارضة، والعمل على إسكات الخصوم بكافة الأشكال، وذلك من خلال تبني خطاب تآمري يعمل على اتهام المعارضة بالعمالة والترويج لدعمها تنظيمات وجماعات إرهابية، وقد تزايد الاعتماد على هذا النهج في ظل تراجع شعبية الرئيس التركي وحزبه مقابل بروز نجم عدد من القوى المعارضة والأحزاب الناشئة، في دلالة على رفض النظام الحاكم لمبدأ التعددية الحزبية والقيم الديمقراطية.

ويعتبر التضييق على حزب الشعوب الديمقراطي مثالًا واضحًا لهذا التعسف؛ إذ تعمل الحكومة التركية بشكل دائم على إقصاء الحزب والتنكيل برموزه والقبض على قياداته، والعمل على حظره وإنهاء دوره من الحياة السياسية، واتهامه بالصلات الوثيقة بحزب العمال الكردستاني. ففي أعقاب واقعة تصفية 13 تركيًا شمال العراق، شنّت السلطات التركية حملة اعتقالات موسعة ضد سياسيين وأشخاص ينتمون لحزب الشعوب الديمقراطي، نجم عنها اعتقال أكثر من 700 شخص خلال الأيام الماضية، علاوة على المطالبة برفع الحصانة عن نواب الحزب في البرلمان. وتشير هذه الإجراءات إلى رغبة “أردوغان” في تقديم حزب الشعوب الديمقراطي كــ”كبش فداء” لتحويل أنظار الداخل، وتجنب الانتقادات الموجهة إليه على خلفية هذا الحادث.

بوادر خلاف قد يتعمق

يمر تحالف الشعب بمرحلة من عدم التوافق أو الانسجام في ظل تباين وجهات النظر بين الطرفين في عدد من القضايا، سواء في الداخل أو الخارج، ما يمكن رصده في عدد من المؤشرات من بينها: وعود الرئيس التركي بإدخال إصلاحات قضائية مما اعتبره البعض توجهًا قد ينتج عنه الإفراج عن عدد من المعتقلين السياسيين ومن بينهم السياسي الكردي “صلاح الدين دميرتاش”، الأمر الذي يتعارض مع موقف الحركة القومية التي تتبنى نهجًا أكثر تشددًا ضد الأكراد. من ناحية أخرى، أثارت لقاءات الرئيس التركي مع عدد من الأحزاب السياسية (حزب السعادة) كمحاولة لتوسيع التحالف القائم لمواجهة تحركات المعارضة الرامية للتنسيق فيما بينها، حفيظة الحليف القومي، على اعتبار أن توسيع التحالف قد يحد من نفوذ الحركة القومية، علاوة على ما أُثير حول تباين وجهات النظر فيما يتعلق بهندسة القوانين الانتخابية. ورغم ذلك، تظل درجة حاجة الطرفين لبعضهما مبررًا كافيًا لتجاوز تلك الخلافات والتباينات الهامشية من أجل الاستعداد لتحولات قد تكون أكثر شراسة في المراحل القادمة.
في الأخير، يبدو أن الأوضاع في الداخل التركي تسير نحو مزيد من التأزم والتعقيد، وذلك في ظل تفاقم الأوضاع الاقتصادية، فضلًا عن التحولات المتسارعة في المشهد التركي والتي تشير إلى أن الأمور قد تتجه مستقبلًا في الاتجاه المعاكس لما يسعى إليه الرئيس التركي، وقد تتوقف التفاعلات المستقبلية ومسار تلك الأحداث على عدة عوامل، أهمها قدرة تحالف الشعب على تجاوز ذلك المأزق، والعمل على إزالة الخلافات فيما بينهما، والحيلولة دون وصولها لمستوى حاد من التباين، كما أن قدرة المعارضة على استثمار المأزق الراهن والتراجع المستمر في شعبية الرئيس التركي قد تؤدي إلى تعميق خسائره، ومن ثم حيازة المعارضة لأدوات التأثير وحشد الرأي العام ضد سياسات النظام الحالي بهدف تغيير قواعد اللعبة على المدى البعيد.

محمود قاسم
باحث بوحدة الإرهاب والصراعات المسلحة