ما بين القاهرة وواشنطن

عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

مياه كثيرة جرت في نهر العلاقات المصرية الأمريكية خلال الأسابيع القليلة الماضية، تستدعى التوقف عندها بالتأمل والتحليل، وقد تحمل إجابات للسؤال الذي يتردد في ذهن الكثيرين حول مستقبل العلاقات بين القاهرة وواشنطن في ظل إدارة بايدن. البداية كانت إعلان وزارة الخارجية الأمريكية عن موافقة الولايات المتحدة على صفقة لبيع صواريخ بقيمة 197 مليون دولار لمصر، وذكر بيان الخارجية أن البيع المقترح للصواريخ «سيدعم السياسة الخارجية والأمن القومي للولايات المتحدة من خلال المساعدة في تحسين أمن دولة حليفة رئيسية من خارج الناتو والتي لا تزال شريكا استراتيجيا مهما في الشرق الأوسط». ولكن البيان ذكر أيضا أن الولايات المتحدة ستدخل ما تسميه…

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

مياه كثيرة جرت في نهر العلاقات المصرية الأمريكية خلال الأسابيع القليلة الماضية، تستدعى التوقف عندها بالتأمل والتحليل، وقد تحمل إجابات للسؤال الذي يتردد في ذهن الكثيرين حول مستقبل العلاقات بين القاهرة وواشنطن في ظل إدارة بايدن.

البداية كانت إعلان وزارة الخارجية الأمريكية عن موافقة الولايات المتحدة على صفقة لبيع صواريخ بقيمة 197 مليون دولار لمصر، وذكر بيان الخارجية أن البيع المقترح للصواريخ «سيدعم السياسة الخارجية والأمن القومي للولايات المتحدة من خلال المساعدة في تحسين أمن دولة حليفة رئيسية من خارج الناتو والتي لا تزال شريكا استراتيجيا مهما في الشرق الأوسط». ولكن البيان ذكر أيضا أن الولايات المتحدة ستدخل ما تسميه بموضوع القيم «في كل علاقة لدينا بجميع أنحاء العالم، وهذا يشمل علاقاتنا مع شركائنا المقربين، بما فيهم مصر».

أعقب ذلك زيارة قام بها الجنرال فرانك ماكنزى قائد القيادة المركزية الأمريكية (المسؤولة عن العمليات العسكرية في الشرق الأوسط) إلى القاهرة، التقى فيها مع الرئيس عبد الفتاح السيسي وعدد من القادة العسكريين المصريين، وجاء في البيان الذي صدر عن القيادة المركزية «ناقش القادة المخاوف الأمنية المشتركة واتفقوا على أن الطبيعة الاستراتيجية للعلاقة الدفاعية بين الولايات المتحدة ومصر تجعلها بالغة الأهمية للأمن والاستقرار الإقليميين». وقال ماكنزى «كان من دواعي سروري أن التقي بالرئيس السيسي وكبار القادة العسكريين في القاهرة لتحديد سبل تعزيز العلاقات الأمريكية المصرية». وأضاف «لقد استمرت علاقتنا الدفاعية – وستستمر – لصالح كلتا الأمتين العظيمتين». وأشار السفير الأمريكي في مصر إلى أن «زيارة الجنرال ماكنزى تعزز الشراكة الاستراتيجية الدائمة بين الولايات المتحدة ومصر، والتي من خلالها نحارب الإرهاب معًا ونحمى التجارة ونضمن الأمن الإقليمي».

الحدث الثالث كان الاتصال الهاتفي بين وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن مع نظيره المصري، سامح شكري، وجاء في بيان وزارة الخارجية الأمريكية، أن بلينكن وشكري «شددا على أهمية الشراكة الاستراتيجية القوية بين الولايات المتحدة ومصر، خاصة في مجال الأمن والتعاون الجاري في مكافحة الإرهاب، كما تبادلا الآراء بشأن قضايا إقليمية»، وبحثا «دعم مفاوضات السلام برعاية الأمم المتحدة في ليبيا وعملية السلام في الشرق الأوسط والتعاون في مكافحة الإرهاب في سيناء». ولكن أضاف البيان أن بلينكن «أعرب عن مباعث قلق من قضية حقوق الإنسان، التي شدد على أنها ستكون مركزية في العلاقات الأمريكية المصرية، وكذلك من احتمال شراء مصر مقاتلات من نوع سوخوى 35 من روسيا».

في خلفية هذه الأحداث استمر عدد من الصحف الأمريكية ذات التوجه الليبرالي، وخاصة الواشنطن بوست، في نشر مقالات تنتقد مصر، ولكن يلاحظ أيضا أن أحد كبار كتاب هذه الصحيفة وهو «ديفيد إجنيشيوس» كتب منذ أيام قليلة- وأثناء زيارة له للقاهرة- مقالا تضمن قدرا كبيرا من التوازن بالمقاييس الأمريكية ومقاييس الواشنطن بوست، وبالرغم من أن إجنيشيوس أشار في مقاله للقضايا الحقوقية، إلا أنه ذكر «نظرًا لأن النقاش في واشنطن يركز على قضايا حقوق الإنسان، غالبًا ما يفوت المراقبين حقيقة أن الاقتصاد المصري يتسارع، ونمت الدولة بشكل صحى بنسبة 2.7 % العام الماضي، وفقًا لمسؤول أمريكي مقيم في القاهرة، على الرغم من جائحة فيروس كورونا، وتزدهر شركات التكنولوجيا وتنمو بمعدل سنوي 17%، وهناك العديد من القصص الجيدة للتعاون في التجارة والتعليم والمياه والصحة والأمن والقضايا الإقليمية.. لكن غالبًا ما يتم تجاهل هذه الجوانب من الشراكة». وأضاف إجنيشيوس «لقد حقق الرئيس السيسي إصلاحات استعصت على أسلافه، وخفض الدعم عن الطاقة والأساسيات الأخرى، وشجع الاستثمار في البنية التحتية الجديدة والتنمية الاقتصادية». كما أشار إلى التقدم في بعض القضايا الاجتماعية، وأوضاع الأقباط وحقوق المرأة. واختتم مقاله بطرح مجموعة من المقترحات للحوار والتعاون بين البلدين، وذكر أن الولايات المتحدة تحتاج إلى مصر قوية وناجحة. باختصار حاول الكاتب الكبير بالواشنطن بوست أن يعرض صورة متوازنة من وجهة نظره للأوضاع في مصر.

محصلة التطورات السابقة والتي حدثت في الأسابيع الأخيرة، ومنذ وصول بايدن للبيت الأبيض، هي أن العلاقات بين مصر والولايات المتحدة لن تكون أسيرة قضية واحدة، أو ستنفرد مؤسسة واحدة بصياغتها، بل ستكون علاقة مركبة ومتشابكة. فبجانب الفريق والمؤسسات التي ترفع شعارات حقوق الإنسان، هناك الفريق والمؤسسات التي تسعى لتعزيز التعاون في العديد من القضايا وعلى رأسها الأمنية والاقتصادية. وكما هو واضح من التصريحات أعلاه، فإن كلا الفريقين يتحدث عن أهمية مصر كشريك استراتيجي على المستويين الثنائي والإقليمي، وهي نقطة انطلاق جيدة لنا، ويجب أن تدفعنا أيضا إلى تبنى إطار جديد ومركب للعلاقات مع الولايات المتحدة، يضع في الاعتبار أولوية مصالحنا القومية، ويتعامل بحكمة مع الوضع الجديد والمركب في واشنطن.

نقلا عن جريدة المصري اليوم، الإثنين ١ مارس ٢٠٢١.

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

مقالات أخرى للكاتب

img

رأي

خبراء مصر

img

رأي

التوك شو

img

رأي

مكانة مصر