وحدة التسلح

رسائل متعددة: الضربة العسكرية الأولى لـ”بايدن” في سوريا

للوهلة الأولى ركزت أغلب التقديرات التي تناولت الضربة العسكرية الأمريكية على موقع للمليشيات العراقية الموالية لإيران داخل الحدود السورية (الخميس 25 فبراير 2021) على أنها مجرد رسالة أمريكية تمت بدافع الانتقام ردًا على الهجمات التي شنتها تلك المليشيات على ثلاثة مواقع بها وجود أمريكي في العراق (مطار أربيل، قاعدة بلد، مجمع السفارات في المنطقة الخضراء) خلال الأسبوعين الماضيين. والحقيقة أن حسابات التوقيت ليست هي المؤشر الوحيد الذي يدعم هذا الدافع، إذ إن هناك مؤشرات أخرى تتعلق بأبعاد الضربة ربما تنطوي على حسابات جديدة للإدارة الأمريكية التي تسعى لتقويض التمدد الإقليمي لإيران كأحد استحقاقات العودة للتفاوض بشأن الملف النووي. أولًا- معادلة…

أحمد عليبة
رئيس وحدة التسلح

للوهلة الأولى ركزت أغلب التقديرات التي تناولت الضربة العسكرية الأمريكية على موقع للمليشيات العراقية الموالية لإيران داخل الحدود السورية (الخميس 25 فبراير 2021) على أنها مجرد رسالة أمريكية تمت بدافع الانتقام ردًا على الهجمات التي شنتها تلك المليشيات على ثلاثة مواقع بها وجود أمريكي في العراق (مطار أربيل، قاعدة بلد، مجمع السفارات في المنطقة الخضراء) خلال الأسبوعين الماضيين. والحقيقة أن حسابات التوقيت ليست هي المؤشر الوحيد الذي يدعم هذا الدافع، إذ إن هناك مؤشرات أخرى تتعلق بأبعاد الضربة ربما تنطوي على حسابات جديدة للإدارة الأمريكية التي تسعى لتقويض التمدد الإقليمي لإيران كأحد استحقاقات العودة للتفاوض بشأن الملف النووي.

أولًا- معادلة اشتباك جديدة:

يمكن القول إن حسابات الضربة الأمريكية تعكس بالأساس متغيرًا في معادلة الاشتباك الأمريكي في المنطقة تجاه ملفات وليس أطرافا بالدرجة الأولى، حتى وإن كان التعامل مع إيران هو القاسم المشترك في معادلة الاشتباك الجديدة، لكن ساحة معادلة الاشتباك في العراق وسوريا تضم قوى أخرى ستتقاطع مع هذه المعادلة، وهو ما يمكن تناوله على النحو التالي: 

1. المقاربة الأمريكية تجاه التمدد الإيراني في الإقليم:

باعتبارها أحد الاستحقاقات الأمريكية للعودة إلى طاولة المفاوضات بشأن الملف النووي، فقد حاولت طهران حصر حسابات المواجهة المباشرة مع واشنطن في الدائرة العراقية، لكن يبدو أن وجهة النظر الأمريكية أعادت توجيه الحسابات في إطار تلك الضربة إلى الساحة الإقليمية بتوجيه ضربة عسكرية خارج السياق المتوقع الذي كان يميل وفقًا لحسابات منطق “الدافع الانتقامي” إلى استهداف مواقع المليشيات في العراق على نحو ما سبق في ضربات متكررة على هذا النحو بغض النظر عن تداعيات الموقف العراقي الرافض لتصفية حسابات القوى الخارجية على أراضية، لكن بحسب تحليل الخرائط التي وزعها البنتاجون فإن الضربة الأمريكية استهدفت الجانب السوري من نقطة حدودية مشتركة مع العراق عند معبر “القائم” القريب على مدينة “البوكمال” السورية التي تشكل بدورها موقعًا مركزيًا لهذه المليشيات، ونقطة عبور استراتيجية للأسلحة الإيرانية إلى سوريا.

وبالتالي فإن عامل اختيار موقع الضربة يسلط الضوء مرة أخرى على أن الهدف الأساسي هو تقويض التمدد الإيراني على الساحة السورية، فإن كانت هذه هي الضربة الأولى في عهد الرئيس “بايدن”، فإنها ليست الأولى من نوعها لاستهداف هذا الموقع على وجه التحديد، فخلال العامين الماضيين شنت الولايات المتحدة عدة ضربات على نفس المنطقة (من البوكمال وحتى دير الزور)، مبررةً ذلك باستهداف تنامي البنية العسكرية الإيرانية هناك، وكان أحد نقاط التحول اللافتة بالنسبة للضربات الإسرائيلية التي استهدفت نفس الموقع للمرة الأولى في 13 يناير من العام الجاري، حيث بررت هي الأخرى ضرباتها باستهداف البنية العسكرية الإيرانية.

2. إعادة الانخراط الأمريكي في الساحة السورية:

يعكس الانعقاد الطارئ لمجلس الأمن القومي الروسي في أعقاب الضربة الأمريكية داخل الحدود السورية حسابات مختلفة من وجهة النظر الروسية تجاه الانخراط الأمريكي في سوريا في عهد إدارة الرئيس “بايدن”، وهو ما ألمح إليه بشكل واضح وزير الخارجية الروسي “سيرجي لافروف” في أعقاب هذا الاجتماع، وإن كان البيان الرسمي ركز على أن الضربة تأتي خارج سياق القانون الدولي لدولة عضو في الأمم المتحدة، وهو رد لافت في واقع الأمر قد يُفهم ظاهريًا على أنه اعتراض دبلوماسي على الموقف الأمريكي، لكن في الوقت نفسه لم توجه روسيا نفس الاعتراضات التي وجهت من قبل حينما استهدفت إسرائيل مؤخرًا هذه المواقع، بل على العكس من ذلك عملت موسكو على احتواء تلك الضربات التي كانت تعتبرها “مثيرة للتوتر”، كما سعت إلى لعب دور الوسيط متعدد الأطراف لخفض التصعيد، ونشرت قوة من الشرطة العسكرية على نقاط قريبة من الانتشار الإيراني في تلك المنطقة.

لكن على الأرجح تبدو مخاوف موسكو في محلها، فبعد 8 أيام فقط من تولّي الإدارة الجديدة بدأت القوات الأمريكية في بناء قاعدة عسكرية جديدة في منطقة “اليعربية” بريف الحسكة الشرقي -حسب وكالة “سانا” السورية- في حين أنه في يناير الماضي (2020) كان قد تم الإعلان عن إخلاء القاعدة الأمريكية (قاعدة خراب الجير) في موقع مجاور تقريبًا، في دلالة على متغير أمريكي جديد تجاه طبيعة ونمط الانتشار العسكري في سوريا، الذي تركز في وقت سابق على الحليولة دون عودة تنظيم “داعش” إلى نسج شبكاته مرة أخرى على الساحة السورية، لكنه في إطار الحسابات الجديدة يبدو أن هناك مهام مختلفة ترتبط بالترتيبات الأمنية في شرق الفرات بشكل عام، بما يسمح لها للضغط على أكثر من طرف ليس إيران فقط، وإنما الجانب الروسي والتركي وحتى النظام السوري.

ثانيًا- حسابات جديدة تجاه الملف العراقي:

كان الاتجاه المتصور خلال العام الماضي، وفقًا للحوار الاستراتيجي الأمريكي-العراقي، هو تقليص حجم التواجد العسكري الأمريكي في العراق (5 آلاف عسكري أمريكي) خلال عامين، مع الاحتفاظ بقوة محدودة للتدريب. وفي المقابل طلب العراق تعزيز تواجد قوات حلف الناتو كبديل لتولي مسئولية أوسع في عمليات التدريب والإسناد في مكافحة الإرهاب ودعم أمن الحدود، وتم التوصل أخيرًا إلى اتفاق لمضاعفة قوات الناتو (من 500 إلى 400 عسكري) وفق ما تم الإعلان عنه في قمة وزراء دفاع الحلف الأسبوع (17- 18 فبراير الجاري)، لكن على ما يبدو فإن هناك متغيرًا في هذا السياق، ففي أعقاب استهداف مطار أربيل، أشار وزير الدفاع الأمريكي “لويد أوستن” إلى أن الجماعات الخارجة عن القانون (في إشارة إلى المليشيات) ربما تدفع واشنطن إلى “مراجعة وتقييم مسألة الانسحاب، إنها تؤكد أهمية التواجد في العراق”، وبشكل أكثر وضوحًا للمقاربة الإقليمية في التعامل مع الأنشطة الإيرانية قال الجنزال “كينث ماكينزي” قائد سينت كوم (القيادة المركزية الأمريكية) في لقاء مع معهد الشرق الأوسط مؤخرًا، إن “إيران تستعمل العراق كساحة معركة ضد الولايات المتحدة، وهي مصدر أساسي للاضطراب في سوريا واليمن”. وأوضح أن “الحضور الأمريكي في المنطقة يردع إيران، وأن القدرات العسكرية الأمريكية موجودة للدفاع عن المصالح الأمريكية والشركاء والأصدقاء”، مضيفًا أن “إيران تفهم هذه الرسالة”.

في المقابل؛ لا تزال الأدوات الأمريكية محدودة في مواجهة قدرة المليشيات على استهداف التواجد الأمريكي في العراق، على الرغم من زيادة عامل تقوية الدفاعات العسكرية هناك. فبعد عملية استهداف إيران بشكل مباشر لقاعدة عين الأسد ومطار أربيل العام الماضي بعد عملية اغتيال “قاسم سليماني” قائد فيلق القدس، زادت واشنطن من بطاريات “الباتريوت” في هاتين القاعدتين، لكن خلال عملية مطار أربيل وقاعدة بلد تم استخدام صواريخ كاتيوشا على مستوى منخفض تمكنت من تجاوز مدى الاعتراض. الأمر الآخر أن إحكام عملية مراقبة الحدود فنيًا تظل مجرد آلية لاستشكاف التحركات الحدودية، لكن في ظل تواجد فصائل موالية لإيران ستتمكن الأخيرة من تعزيز بنيتها العسكرية في سوريا، ومن ثم فالمتوقع أن الإدارة الأمريكية ستغير حساباتها بشكل اضطراري، ربما ليس فقط تجاه التحركات الإيرانية في العراق وسوريا، حتى في اليمن قد يختلف السياق بعد أن ترجم الحوثيون رسائل واشنطن لرفع اسم الحركة من لائحة الإرهاب بأن زادت الأخيرة من مستوى التصعيد. 

لقد عملت القوات الأمريكية بالتعاون مع الجانب العراقي في تعزيز التقنيات العسكرية لمراقبة الحدود العراقية – السورية في الفترة الماضية، لكن يظل من المهم الإشارة إلى أن المليشيات العراقية الموالية لإيران تلعب الدور الرئيسي في إدارة الحدود لصالح الجانب الإيراني وفق التقديرات الأمريكية، وبالتالي لم تقلل جهود المراقبة من تنامي العمليات الإيرانية باتجاه العمق السوري عبر الحدود العمق العراقي، حيث يتم السيطرة على الطريق الدولي والمعابر الرئيسية من جانب تلك المليشيات، وعلى الرغم من أن بيان وزارة الدفاع العراقية حول الضربة يلمح إلى أن الضربة في العمق السوري وليست في نقطة حدوديه، إلا أن بيان حركة “كتائب حزب الله” العراقي أشار إلى مقتل أحد عناصره المنتمي إلى اللواء 46 المنضوي تحت الحشد الشعبي، ويتولى عمليات منطقة (الجزيرة والبادية) في منطقة القائم من الجهة العراقية. لكن التقديرات السورية تشير إلى مقتل نحو 22 عنصرًا من تلك المليشيات (حزب الله العراقي – كتائب سيد الشهداء) داخل الخط الحدودي من الجهة السورية.

كذلك، هناك نقاط اشتباك أخرى على الساحة العراقية بين الحكومة والمليشيات العراقية، فعلى المستوى السياسي، اتجهت المليشيات العراقية إلى تحميل الحكومة المسئولية عن تلك الضربات، وهو ما ظهر في توعد المليشيات العراقية للحكومة، أبرزها رد فعل حركة “النجباء” التي شنت هجومًا لاذعًا على وزير الخارجية العراقي “فؤاد حسين”، الذي اعتبر في مقابلة إعلامية مع قناة “السومرية” المحلية تلك الفصائل “إرهابية”، وأنه لا توجد فصائل “مقاومة” في البلاد. ويضاعف هذا المشهد من المأزق التي تواجهه الحكومة العراقية، التي تعتبر من جهة أن الضربات التي تشنها القوى الخارجية في العراق تشكل انتهاكًا لسيادة البلاد، لكنها على الجانب الآخر ترى أن هناك ضرورة لمواجهة “السلاح المنفلت”، وضرورة حصر السلاح بيد الدولة فقط، وهي إشكالية عميقة في المشهد الأمني العراقي، خاصة من منظور عملية إعادة الهيكلية الأمنية التي سعت إلى دمج قوات الحشد الشعبي كقوة نظامية، إلا أن أغلب التقديرات تعتبر أن منظومة الحشد تم إدماجها تحت القيادة لكنها ليست تحت السيطرة بشكل كامل. 

ثالثًا- السيناريو القادم: 

يبدو أن الاتجاه الأمريكي بصدد إعادة تقييم حسابات الانخراط الأمريكي في المنطقة بشكل عام تجاه الأنشطة الإيرانية التي تشكل تهديدًا للمصالح الأمريكية وللشركاء والأصدقاء، كما أشار إلى ذلك قائد القيادة المركزية الأمريكية. ففى المحصلة الأخيرة يمكن القول إن شعار “قوة الدبلوماسية” الذي رفعه الرئيس الأمريكي “جو بايدن” في بداية عهده لن يكون الخيار الوحيد الذي سيعتمد في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه مناطق الصراع، بل على العكس من ذلك، توجهات الرئيس الأمريكي نحو تعزيز الشراكة مع الناتو الذي يوسع نطاق حضوره في العراق، بالإضافة إلى إلغاء قرار سلفه “ترامب” من الانسحاب الأمريكي من إحدى القواعد الرئيسية في ألمانيا، بالإضافة إلى تلمحيات بشأن “الحاجة إلى البقاء في العراق” وتمديد مهمة حلف الناتو في أفغانستان بعد موعدها بحلول نهاية أبريل المقبل تشكل إرهاصات عامة، على أن الإدارة ستتبنى أيضًا خيار القوة العسكرية.

كذلك فإن الرسائل المتعددة التي تحملها الضربة الأولى في سوريا رغم محدودية آثارها؛ إلا أنها تظل نقطة فاصلة بين توجهات الإدارة السابقة والرؤية التي تبنتها الإدارة الجديدة، التي تفرض معادلة اشتباك أوسع مع إيران في المنطقة، لكن في الوقت ذاته تبقى هناك العديد من التحديات التي ستواجهها الإدارة الأمريكية وحلفاؤها وشركاؤها الإقليميون في المرحلة المقبلة في إطار دفع إيران إلى مسار تقبل فيه بتغيير قواعد اللعبه الإقليمية كجزء من استحقاقات العودة إلى طاولة التفاوض.

أحمد عليبة
رئيس وحدة التسلح