وحدة الدراسات العربية والإقليمية

“خرائط الرمل”: إعادة رسم التوازنات الحرجة في سوريا

يعرف العسكريون جيدًا مصطلح “خرائط الرمل” باعتبارها إحدى الطرق المستخدمة في التخطيط العسكري للعمليات، والتي يجب أن تعكس عدة أبعاد منها: طبوغرافية الأرض، وطبيعة الوجود البشري عليها، وتكون عادة بمثابة الحقائق المستقرة غير القابلة للتغيير؛ إلا في حدود ضيّقة، لكن عندما يُستخدم هذا المصطلح في التحليل السياسي، فإنه يعني شيئًا واحدًا وهو هشاشة الموقف الاستراتيجي، وقابلية التحالفات على الأرض للتغيير في أي لحظة. وهذا هو المقصود من استخدام هذا المصطلح لتوصيف الموقف الاستراتيجي والسياسي والعسكري في سوريا خلال الفترة المقبلة، فالمتابعون للملف السوري خلال الفترة الأخيرة يدركون جيدًا أن هناك تغيرات قادمة في مواقع ونطاقات النفوذ، التي استقرت للفاعلين الدوليين…

د. أكرم حسام
باحث متخصص في الشؤون العربية والإقليمية

يعرف العسكريون جيدًا مصطلح “خرائط الرمل” باعتبارها إحدى الطرق المستخدمة في التخطيط العسكري للعمليات، والتي يجب أن تعكس عدة أبعاد منها: طبوغرافية الأرض، وطبيعة الوجود البشري عليها، وتكون عادة بمثابة الحقائق المستقرة غير القابلة للتغيير؛ إلا في حدود ضيّقة، لكن عندما يُستخدم هذا المصطلح في التحليل السياسي، فإنه يعني شيئًا واحدًا وهو هشاشة الموقف الاستراتيجي، وقابلية التحالفات على الأرض للتغيير في أي لحظة. وهذا هو المقصود من استخدام هذا المصطلح لتوصيف الموقف الاستراتيجي والسياسي والعسكري في سوريا خلال الفترة المقبلة، فالمتابعون للملف السوري خلال الفترة الأخيرة يدركون جيدًا أن هناك تغيرات قادمة في مواقع ونطاقات النفوذ، التي استقرت للفاعلين الدوليين والإقليميين والمحليين على الساحة السورية خلال السنتين الماضيتين، فهناك حركة غير عادية من كل الأطراف المؤثرة في مسارات الصراع، لإعادة رسم خرائط النفوذ على الأرض، في ظل مراجعات محتملة لسياسات بعض الدول المؤثرة في الصراع، تزامنًا مع السياقات الدولية الجديدة، التي انتعشت بمجيء إدارة أمريكية، لديها الرغبة في تغيير أولوياتها في سوريا، وفي المنطقة بشكل عام، إلى جانب التحركات الروسية الجديدة لإعادة رسم العلاقة بين النظام السوري وبعض القوى المحلية المعارضة له، خاصة مع القوى الكردية، فضلًا عما تقوم به تركيا وإيران خلال هذه الفترة من تحركات لإعادة التموضع في الفراغات المتاحة، بين أماكن النفوذ الروسية والأمريكية.

التحركات السياسية والعسكرية في الداخل السوري 

يمكن إجمال التحركات السياسية والعسكرية على مستوى الداخل السوري في مجموعة من التحركات:

أولها: ملف الانتخابات الرئاسية المزمع عقدها في أبريل القادم 2021، حيث تنشغل الحكومة السورية بالاستعداد لهذه الانتخابات، والترويج لها من خلال أفرع “حزب البعث الاشتراكي” في جميع المحافظات السورية الخاضعة لسيطرة النظام السوري، مع تحركات روسية خاصة في مناطق الجنوب السوري وفي بعض المناطق الخاضعة لسيطرة القوات الكردية في الحسكة والقامشلي وشرق الفرات، لتمهيد الطريق لإخراج المشهد الانتخابي بصورة مغايرة لانتخابات 2014، بما يُمكن من إجراء الانتخابات في معظم المحافظات السورية، لإضفاء أكبر قدر من المشروعية عليها. وتستهدف روسيا من ذلك إضعاف الموقف الأمريكي والأوروبي الرافض مُسبقًا لنتائج هذه الانتخابات، والداعي لعدم الاعتراف بنتائجها.

ثانيها: مستقبل اللجنة الدستورية المشكلة التي تشكلت تحت رعاية الأمم المتحدة ووفق مرجعية جنيف وقرار مجلس الأمن رقم 2254، خاصة بعد فشل الدورة الخامسة للجنة، خاصة بعد إعلان المبعوث الأممي لسوريا عن إحباطه من المقاربات الحالية وعدم جدوها والحاجة لمقاربات جديدة. فالمعارضة السورية ترى أن إجراء الانتخابات قبل التوصل لصياغة دستور جديد للبلاد سيكون قفزًا على نتائج عمل اللجنة، بينما الحكومة السورية ماضية في طريقها لإجراء الانتخابات في موعدها، بينما تحاول روسيا وحلفائها في مسار أستانة (إيران وتركيا) تحقيق إنجاز سياسي كبير من خلال هذه اللجنة، التي تحتل مكانة بالغة الأهمية لدى مجموعة أستانة وسوتشي، لأنها بمثابة بوابة الحصول على الغطاء الدولي لإضفاء المشروعية على تحركاتهم في الملف السوري. بينما تعتبر الولايات المتحدة وحلفاؤها أن إجراء الانتخابات السورية في موعدها هو استباق للدستور الجديد المنتظر، وقفزة للأمام تفرغ عمل اللجنة الدستورية من مضمونها وأهدافها. 

ثالثها: التحركات العسكرية والأمنية، تنحصر في عمليات منخفضة المستوى بين القوات السورية وبعض الجماعات المدعومة من تركيا ودول أخرى، إلى جانب عمليات تمشيط ودوريات مشتركة تنفذها القوات الروسية مع القوات التركية في مناطق خفض التصعيد التي جرى التفاهم حولها ضمن مسار أستانة خاصة في إدلب وشرق الفرات، هذا بالإضافة لبعض العمليات التي ينفذها التحالف الدولي بين حين وآخر ضد تمركزات لتنظيم داعش “المزعوم” في مناطق البادية السورية، وضربات جوية تقوم بها إسرائيل بشكل استباقي ضد أماكن التمركزات الإيرانية في شمال شرق سوريا، بعد أن نجحت في إبعادها عن مناطق التماس الحدودية بين إسرائيل وسوريا، بالقرب من الجولان المحتلة.

اللاعبون الدوليون وإعادة رسم التوازنات

يمكن إجمال أهم تحركات اللاعبين الدوليين والإقليميين فيما يلي:

١. روســــــيا (المقاربات الجديدة): تتحرك روسيا خلال الفترة الحالية وفق مقاربتين: الأولى: إيجاد حل نهائي للأزمة السورية يضمن مصالح كل الدول المؤثرة، مثل الولايات المتحدة وتركيا وإيران، والمقاربة الثانية على مستوى الداخل السوري من أجل تقوية جبهة النظام السوري من ناحية، بما يساعده على النفاذ لمناطق ظلت خارج سيطرته طيلة السنوات الماضية، خاصة المناطق الخاضعة للأكراد في شمال وشمال شرق سوريا، وهي بذلك تضعف نفوذ الولايات المتحدة داخل سوريا، والتي تعتمد بشكل أساسي على تحالف مع القوات الكردية (قسد). لذلك تنخرط روسيا في جهود مستمرة لإعادة تفعيل الحوار بين الحكومة السورية وقوات “قسد”، بغرض استعادة سيطرة النظام على مدينتي الحسكة والقامشلي، كما تريد روسيا توسيع دائرة الحوار ليمتد إلى تفاهمات بشأن ملف “شرقيّ الفرات”، وتستغل روسيا حالة الارتباك الحالية لقوات “قسد” بعد إعلان البنتاجون تخلّيه عن مهمّة حماية آبار النفط، من أجل توقيع تفاهمات تضمن رفع العلم السوري على المناطق الخاضعة لقسد، والتأكيد على وحدة الأرضي السورية، مقابل إيجاد خصوصية لقسد ضمن جسم الجيش السوري، على شكل فيلق مماثل للفيلق الخامس الذي تُشرف عليه القوات الروسية، مع طلب احتساب مدّة خدمة عناصرها ضمن خدمة الجيش السوري النظامي، وبحث صيغ مقبولة للإدارة الذاتية للمناطق الكردية، لا تتقاطع مع وحدة الدولة السورية.

٢. الولايات المتحدة (إعادة رسم الأهداف الاستراتيجية والتكتيكية): تتحرك الإدارة الأمريكية الجديدة من أجل إعادة رسم سياساتها في سوريا، حيث ترى الإدارة الجديدة أن استراتيجية خنق النظام عبر العقوبات الاقتصادية والسياسية وعبر الضغط السياسي المتواصل لم تنجح في تحقيق أهدافها، بل إنها صبت في صالح دول أخرى كروسيا وإيران وتركيا، لذلك تتجه الولايات المتحدة خلال إدارة “بايدن” لتبني مقاربات مختلفة، من خلال الشروع في عملية دبلوماسية (تتشابه في بعض خطوطها مع الرؤية الأمريكية للتعامل مع الملف الإيراني)، تهدف إلى تقديم إطار عمل مفصّل لإشراك الحكومة السورية في مجموعة محدودة من الخطوات الملموسة والقابلة للتحقّق، والتي في حال تنفيذها ستقابلها مساعدة موجَّهة وإعادة نظر في العقوبات من طرف الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. والهدف من هذا الإطار الجديد هو استعادة السيطرة الأمريكية على زمام الموقف السياسي في سوريا، وحرمان روسيا من قدرتها على التحكم في وتيرة الموقف السياسي، وإعادة تنشيط الدبلوماسية الأمريكية بالتعاون مع الحلفاء (أوروبا ودول الخليج ومصر) من خلال تقديم نهج مرحلي يُمكّن من إحراز تقدّم في مختلف القضايا، ويمنح الحكومة السورية وداعميها مسارًا واضحًا للخروج من الأزمة الاقتصادية والإنسانية الحالية. ويتوقع أن تتجه إدارة “بايدن” من أجل تنفيذ هذه الرؤية نحو تنشيط قنوات التعاون مع تركيا وروسيا لحلّ بعض المشاكل العالقة، خاصة الملف الكردي وملف تنظيم “داعش”.

ولتنفيذ هذه الاستراتيجية يتوقع أن تعمل إدارة الرئيس “بايدن” على المستوى التكتيكي، ضمن خمسة محاور هي: العودة لدعم الأكراد شرقي الفرات بشكل أكبر من سلفه “ترامب”، للضغط على تركيا من ناحية والضغط على النظام من ناحية أخرى، ودعم ملف الوجود العسكري الأمريكي في سوريا بعد أن أضعفه الرئيس “ترامب” بقرارات متتالية، سواء بتقليص عدد القوات أو بتغير أماكن تمركزها. والمحور الثالث سيكون مواصلة الحرب على الإرهاب، من خلال إعادة إحياء المخاوف حول “داعش” ونشاطها في سوريا. والمحور الرابع سيكون ربط الملف السوري بملف الاتفاق النووي مع إيران، ضمن عملية مقاربة أو مقايضة جديدة. والمحور الخامس إعادة تنشيط مجموعة “أصدقاء سوريا” تحت إطار تحالف دبلوماسي يعمل بصورة أكثر حزمًا، من أجل المضيّ قدمًا في سبيل تحقيق الأهداف المنصوص عليها في قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254.

٣. تركيا (التحول من القوة الصلبة للتفاهمات): ترى الدوائر التركية أن أنقرة حققت أهدافها العسكرية في سوريا من خلال العمليات المتعددة التي نفذتها خلال السنوات الثلاث السابقة، وأنه قد حان الوقت لقطف ثمار الجهد العسكري، خاصة مع وضوح تحفظات روسية وأمريكية وأوروبية على أي فرص مستقبلية لتوسيع الوجود العسكري في شمال سوريا، وهذا لا يمكن له أن يتحقق دون تعديل المقاربة التركية نحو سوريا من الإطار الخشن إلى الإطار الناعم عبر خيارات الدبلوماسية والتهدئة والتفاهمات مع كل الأطراف بما فيها النظام السوري نفسه، مع الاستمرار في لعبة إعادة ترتيب التوازنات الداخلية في المناطق التي تسيطر عليها، حيث تعمل تركيا على إعادة تنظيم الجماعات المعارضة في إدلب بشكل يخدم الاستقرار من وجهة نظرها. ولعل الخيط الذي ينظم كل القضايا المذكورة أعلاه والتي تهتم بها تركيا بشكل خاص هو موقف الإدارة الأمريكية الجديدة، فأي تغيير في سياسة الإدارة سيكون مهمًا جدًا بالنسبة لاستراتيجية تركيا في سوريا. وتراهن أنقرة على أن إدارة “بايدن” ستكون معنية بشكل خاص بتحجيم الدور الروسي في سوريا (خاصة أن روسيا تقف حاليًا عقبة أمام تحقيق الأهداف التركية في إدلب)، لذلك ستحاول الاقتراب بشكل أكبر والتجاوب مع المقاربات الأمريكية التي ستطرح خلال الفترة المقبلة، مع الاستمرار الهادئ في محاولات تغيير ديموغرافي وثقافي في المناطق الخاضعة لسيطرتها (تداول العملة التركية بدلًا من العملة السورية/ افتتاح مراكز تعليمية تركية وجامعات/ استيعاب انتقائي لبعض السوريين المتواجدين في تركيا… إلخ). 

٤. إيران (الممر البحري بديل للممر البري): عدلت إيران من تموضعها الاستراتيجي من جنوب سوريا (بالقرب من مناطق الحدود السورية اللبنانية والسورية مع كل من إسرائيل والأردن) لتسحب نفوذها لمناطق شمال شرق سوريا بالقرب من الحدود العراقية، تحت الضغط الإسرائيلي الأمريكي عليها، وتجنبًا للاعتراضات الروسية التركية غير المباشرة عن بعض التحركات الإيرانية في سوريا، والتي انعكست بصورة واضحة على مسار عملية أستانة، لكن على ما يبدو أن التموضع الجديد لإيران محل رفض من إسرائيل والولايات المتحدة أيضًا، ولديهما الرغبة في إخراج إيران من سوريا تمامًا من خلال الضغط على النظام السوري من ناحية، ومحاولة الوصول معه لتفاهمات من ناحية أخرى، يمكن من خلالها تقديم تنازلات لها بخصوص تخفيف العقوبات والمساعدة في استعادة سوريا لمقعدها في الجامعة العربية، في مقابل العمل على تقويض نفوذ إيران في سوريا لأقصى مدى ممكن. ومن الواضح أن إيران بدأت الاستعداد مبكرًا لهذا السيناريو، حيث وضح من بعض التحركات الإيرانية أن فكرة مشروع الممر البري من إيران للمتوسط مرورًا بالعراق وسوريا تتراجع، نتيجة وجـــود مــشــاكــل كثيرة فــي الــتــجــارة مـع سـوريـا فيما يخص الشحن والـنـقـل، لـعـدم وجــود حـدود برية مشتركة، خاصة مع وجود مشاكل لوجستية مع العراق حاليًا في خطوط النقل البري، واستمرار تعرض هذا الخط الافتراضي لهجمات متكررة. لذا تتجه إيران لتغيير مسار الخط من البر للبحر، من خلال تـسـيـيـر خــط مـلاحـي بـحـري من بندر عباس إلى اللاذقية بواقع رحلتين في الشهر. وهذا التحول في الاستراتيجية الإيرانية يقتضي تفاهمات مع الولايات المتحدة التي تمنع بموجب قانون قيصر والعقوبات الاقتصادية الأمريكية المفروضة على طهران ودمشق أي تعامل تجاري أو عسكري معه، من دول وأفراد وكيانات.

٥. الموقف العربي (عودة دول الخليج للانخراط وتحركات مصرية فاعلة): الموقف العربي -في مُجمله- لم يتغير فيما يخص مسألة عضوية سوريا في الجامعة العربية (المُعلقة من 2011)، مع بعض التغيرات المحدودة في مواقف بعض الدول العربية من التعامل مع سوريا فيما يخص استعادة العلاقات وقنوات الاتصال الرسمية مع النظام السوري، منها الأردن والإمارات والبحرين وسلطنة عمان وموريتانيا، أسفرت عن إعادة فتح سفارات أو قنصليات تابعة لهذه الدول، وبعض الزيارات على المستوى الرسمي لوفود اقتصادية أو دبلوماسية. وهناك توقعات بأن تشهد الفترة المقبلة عودة للانخراط الخليجي المكثف في الملف السوري، بعد أن تراجع خلال العامين السابقين نتيجة للأزمة الخليجية وأسباب أخرى لا يتسع المجال لذكرها، وكان التطرق في بيان العلا للقضية السورية، كاشفًا عن هذه التوجهات عندما تم التأكيد على ضرورة تشكيل هيئة حكم انتقالي حسب تراتبية القرار 2254.

أما بخصوص مصر فلا بد أن نشير للجهود المصرية الحثيثة التي تبذلها الدبلوماسية المصرية منذ عام 2018 لاستعادة سوريا مقعدها في الجامعة العربية، لكن على ما يبدو أن هذه الجهود كانت تواجه بموقف أمريكي قوي في ظل إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق “دونالد ترامب” حول مسألة عزلة النظام السوري، وتعول سوريا على أن تنجح مصر في تحقيق اختراق في هذا الملف، كما فعلت في الملف الليبي، خاصة مع وصول إدارة أمريكية جديدة للبيت الأبيض، قد تتبنى مقاربات مختلفة، خاصة وأن مصر حافظت على خط سياسي واحد طيلة سنوات الصراع محوره الحفاظ على سيادة سوريا ووحدة أراضيها ورفض التدخلات الخارجية التوسعية على أراضيها خاصة من جانب تركيا، وهو موقف يحظى بدعم إقليمي ودولي.

السيناريوهات المستقبلية

السيناريو الأول: نجاح التفاهمات واستقرار التوازنات الجديدة. نجاح هذا السيناريو يتوقف على قدرة روسيا على تقوية الموقف الداخلي للنظام السوري وفق تفاهمات مع القوى الكردية وقوى المعارضة الأخرى لتجاوز استحقاق الانتخابات الرئاسية المقبلة، ولتجاوز العقبات الحالية أمام مسار اللجنة الدستورية، وللوصول لحلول لبعض القضايا المُلحة، مثل: اللاجئين، وإعادة الإعمار، وغيرها. كما أن نجاح هذا السيناريو يرتبط بقدرة الدبلوماسية السورية على التجاوب المرن مع المقاربات الجديدة والمتوقعة من بعض الدول المؤثرة خاصة الولايات المتحدة وتركيا، التي ربما تتجه لمقاربات دبلوماسية خلال الفترة المقبلة إزاء التعامل مع الملف السوري، كما أن نجاح هذا السيناريو سيظل مرتبطًا بالسياقات الإقليمية الخاصة بملف إيران النووي، واتجاهات العلاقات التركية الأمريكية خلال الفترة المقبلة، وكذلك بمدى إمكانية حدوث تحول كبير في الموقف العربي من سوريا، والذي يمكن أن تلعب مصر فيه الدور الأساسي.

السيناريو الثاني: فشل التوازنات والعودة للتصعيد العسكري. لا شك أن فرص التصعيد في الملف السوري تبقى قائمة، فالتوازنات الحالية سواء على مستوى الداخل السوري أو بين اللاعبين الإقليميين والدوليين تظل هشة، وقابلة للانهيار في أي وقت. وعليه يفترض هذا السيناريو أن التصعيد العسكري سيعاود الكرة مرة أخرى، نتيجة رغبة الولايات المتحدة في الضغط على النظام عسكريًا، من خلال ورقة “داعش” وربما من خلال الورقة الكردية، خاصة مع توقعات قوية بأن مسار العلاقات الأمريكية التركية سيستمر في إطار التوتر، وكذلك مع التوقعات الخاصة بأن الملف الإيراني لن يجد طريقًا قريبًا للحل، وسيحتاج الأمر من الإدارة الأمريكية وحلفائها أن تمارس ضغوطًا أكبر على الوجود الإيراني في بعض المناطق وعلى رأسها سوريا.
إجمالًا، يمكن القول إن سوريا التي دخلت في عشر سنوات من الصراع الدامي، باتت تتقاذفها القوى الدولية والإقليمية فيما بينها، بينما تكافح سوريا من أجل البقاء على الخريطة الدولية موحدة غير منقوصة السيادة، مُعولة في ذلك على ما تبقى لديها من قدرات وطنية شاملة، ومعولةً أيضًا على دور مصري قوي خلال المرحلة المقبلة، بإمكانه قيادة الموقف العربي باتجاه استعادة سوريا للحاضنة العربية، والوقوف ضد مشاريع التوسع والهيمنة، لصالح الأمن القومي العربي.

د. أكرم حسام
باحث متخصص في الشؤون العربية والإقليمية