وحدة الدراسات الاقتصادية

كيف أثّرت أزمة كورونا على ميزان المدفوعات المصري؟

أصدر البنك المركزي المصري تقريرًا بشأن أداء ميزان المدفوعات خلال الربع الأول من العام المالي 2020/2021، والذي يلخص مجمل معاملات الاقتصاد المصري مع العالم الخارجي خلال الفترة (يوليو/ سبتمبر 2020)، والتي شهدت بداية تعافي الاقتصاد المصري من الموجة الأولى لجائحة كورونا، وقد انعكس ذلك على بيانات البنك المركزي حيث أظهرت قدرة الاقتصاد على تجاوز صدمة جائحة كورونا، خاصة عند مقارنتها بالربع السابق مباشرة؛ إذ تبين تراجع عجز الميزان الكلي إلى 69.2 مليون دولار خلال الفترة من يوليو حتى سبتمبر 2020، مقارنة بعجز بلغ 3.5 مليارات دولار خلال الفترة من أبريل حتى يونيو 2020، والتي شهدت ذروة تأثر الاقتصاد المصري بالإجراءات…

أسماء رفعت

أصدر البنك المركزي المصري تقريرًا بشأن أداء ميزان المدفوعات خلال الربع الأول من العام المالي 2020/2021، والذي يلخص مجمل معاملات الاقتصاد المصري مع العالم الخارجي خلال الفترة (يوليو/ سبتمبر 2020)، والتي شهدت بداية تعافي الاقتصاد المصري من الموجة الأولى لجائحة كورونا، وقد انعكس ذلك على بيانات البنك المركزي حيث أظهرت قدرة الاقتصاد على تجاوز صدمة جائحة كورونا، خاصة عند مقارنتها بالربع السابق مباشرة؛ إذ تبين تراجع عجز الميزان الكلي إلى 69.2 مليون دولار خلال الفترة من يوليو حتى سبتمبر 2020، مقارنة بعجز بلغ 3.5 مليارات دولار خلال الفترة من أبريل حتى يونيو 2020، والتي شهدت ذروة تأثر الاقتصاد المصري بالإجراءات الاحترازية التي اتّبعتها الدولة للحد من انتشار فيروس كورونا.

ومن جهة أخرى، يلاحظ استمرار تأثير أزمة كورونا على قطاعات الاقتصاد المصري، لا سيما تلك التي تتعامل مع العالم الخارجي، ويتضح ذلك جليًا عند مقارنة بيانات ميزان المدفوعات خلال الربع الأول من العام المالي 2020/2021 بالربع المناظر له من العام المالي السابق 2019/2020 والذي سجل فائضًا بنحو 227 مليون دولار، ليعكس ذلك استمرار تأثير جائحة كورونا على بنود ميزان المدفوعات المصري.

وينقسم ميزان المدفوعات إلى قسمين رئيسين: ميزان المعاملات الجارية، والذي يشمل الصادرات والواردات في السلع والخدمات، بالإضافة لصافي عوائد الاستثمار وصافي التحويلات. والحساب الرأسمالي والمالي، والذي يشمل صافي الاستثمارات المباشرة واستثمارات محافظ الأوراق المالية، وكذلك صافي الاقتراض. وانطلاقًا من ذلك، يتناول المقال تحليلًا مقارنًا لمجمل معاملات الاقتصاد المصري مع العالم الخارجي ومدى تأثير أزمة جائحة كورونا على قطاعات المعاملات الخارجية خلال الربع الأول من العامين الماليين 2019/2020 و2020/2021. 

أداء ميزان المدفوعات المصري خلال الربع الأول من العام المالي 2020/2021

سجل الميزان الكلي خلال الربع الأول (يوليو/ سبتمبر 2020) عجزًا طفيفًا بلغ نحو 69.2 مليون دولار مقارنة بعجز بلغ نحو 3.5 مليارات دولار في الربع السابق مباشرة (أبريل/يونيو 2020) ومقارنة بفائض 227 مليون دولار عن الربع المناظر له من العام المالي السابق (يوليو/ سبتمبر 2019). ويوضح الشكل التالي البنود الرئيسية لميزان المدفوعات:

ويلاحَظ من الشكل السابق اختلاف واضح في الحساب الرأسمالي والمالي مقارنة بحساب المعاملات الجارية خلال الربع الأول من عام 2020/2021 والربع السابق له، والذي أدى إلى التأثير بشكل ملحوظ على الميزان الكلي، الأمر الذي يشير إلى استمرارية تأثير جائحة كورونا على حركة التجارة في السلع والخدمات، في مقابل تعافٍ سريع للاستثمارات المباشرة وغير المباشرة (استثمارات محفظة الأوراق المالية). وفيما يلي تناول لأبرز بنود كل حساب على حدة خلال الربع الأول من العام المالي 2020/2021 مقارنة بالربع المناظر من العام السابق (يوليو/ سبتمبر 2019).

حساب المعاملات الجارية خلال الربع الأول من العام المالي 2020/2021

سجّل حساب المعاملات الجارية تحسنًا في مستوى العجز بمعدل 27.2% مقارنة بالربع السابق (إبريل/ يونيو 2020)، مقابل تضاعف العجز بالنسبة للربع المناظر من العام السابق (يوليو/ سبتمبر 2019). ويشمل ميزان المعاملات الجارية ثلاثة بنود رئيسية تتمثل في: الميزان التجاري للمنتجات البترولية وغير البترولية، بالإضافة إلى ميزان الخدمات الذي يشمل المتحصلات والمدفوعات لخدمات السفر والنقل بما فيها رسوم المرور في قناة السويس، وأخيرًا ميزان دخل الاستثمار الذي يمثل الفرق بين العوائد المحصلة والمدفوعة عن كل من الاستثمارات المباشرة وغير المباشرة والودائع المصرفية والمديونيات الخارجية.

فأما بالنسبة للتجارة الخارجية في المنتجات غير البترولية، فقد ارتفع العجز بنحو 526 مليون دولار، فمع عودة حركة التجارة الخارجية تدريجيًا تراجعت الصادرات المصرية غير البترولية بصورة طفيفة؛ إلا أن الواردات السلعية غير البترولية ارتفعت قيمتها بدرجة كبيرة باستثناء مجموعة المواد الخام. وقد حد من هذا التراجع حصيلة التجارة في المنتجات البترولية، حيث تحول العجز إلى فائض بقيمة 143.7 مليون دولار مقابل عجز بنحو 606.2 مليون دولار خلال الربع المناظر من العام السابق. ويرجع ذلك إلى تراجع كمية الواردات من المنتجات البترولية نتيجة زيادة الإنتاج المحلي، وكذلك انخفاض أسعار البترول الخام العالمية إثر تراجع عمليات التصنيع عالميًا وانخفاض الطلب، الأمر الذي أدى إلى تراجع قيمة الواردات البترولية. 

ويلاحَظ هنا اعتماد ميزان التجارة المصري على الصادرات من السلع البترولية، وعلى الرغم من أهمية البترول كسلعة استراتيجية تقوم عليها مختلف الصناعات؛ إلا أن أسعارها شديدة التقلب وترتبط بحجم الإنتاج العالمي وقرارات منظمة الدول المصدرة للبترول “الأوبك”، الأمر الذي يستدعي ضرورة النظر إلى هيكل التجارة الخارجية في المنتجات غير البترولية. ومن جهة أخرى، يلاحظ أن النسبة الأكبر من الاستثمارات في قطاع النفط والطاقة في مصر استثمارات أجنبية، الأمر الذي يترتب عليه تحول جزء كبير من أرباح ذلك القطاع للخارج ليزيد من عجز ميزان المعاملات الجارية، ومن ثم ميزان المدفوعات.

وبالنسبة لميزان الخدمات، فقد تراجع الفائض بنسبة 78.3% ليسجل نحو 876.3 مليون دولار مقابل 4 مليارات دولار في الربع المناظر من العام الأسبق 2019/2020. ويرجع ذلك إلى ارتفاع تأثير جائحة كورونا بشكل ملحوظ على إيرادات قطاع السياحة، فبلغت 801 مليون دولار مقابل 4.2 مليارات دولار خلال الربع المناظر من العام السابق، ويرجع ذلك إلى استمرار انتشار فيروس كورونا في الأسواق التي تتجه منها السياحة لمصر، فضلًا عن تأثيرها على الأوضاع الاقتصادية في تلك الدول ودخولها في حالة ركود اقتصادي، بما أدى إلى انخفاض الإنفاق على السياحة والترفيه. وقد ساعد على تراجع فائض ميزان الخدمات تراجع متحصلات النقل والتي تراجعت بمقدار 524.5 مليون دولار نتيجة انخفاض متحصلات شركات الطيران بمقدار 328.1 مليون دولار.

أما ميزان دخل الاستثمار، فقد سجل عجزًا بمقدار 3.1 مليارات دولار مقابل 3.3 مليارات دولار خلال الربع المناظر من العام السابق؛ ويرجع ذلك إلى تراجع الأرباح المدفوعة للاستثمار المباشر وعلى رأسها أرباح شركات البترول الأجنبية العاملة في مصر نتيجة انخفاض أسعار البترول العالمية. وبالمثل فقد تراجعت تحويلات أرباح فروع الشركات المصرية الواردة من الخارج، إلا أن تراجع مدفوعات دخل الاستثمار كان أكبر من تراجع المتحصلات لينخفض العجز الإجمالي في ميزان دخل الاستثمار بمقدار 261.2 مليون دولار.

أما بالنسبة لصافي التحويلات الخاصة والرسمية، فقد ارتفعت تحويلات المصريين بالخارج بمعدل 19.6%، ويرجع ذلك إلى ثقة المصريين في اقتصادهم الوطني وقدرة الدولة على تحقيق معدلات نمو مرتفعة نسبيًا وسط تراجع عالمي، فضلًا عن تزامن تلك الفترة من العام مع الإنفاق الموسمي للمصريين في الخارج على المصروفات الدراسية، بالإضافة إلى عودة الكثير من المصريين العالقين بالخارج بعد إعادة فتح حركة الطيران الدولية وتحسبًا لإعادة غلقها مرة أخرى.

الحساب الرأسمالي والمالي خلال الربع الأول من العام المالي 2020/2021

ارتفع صافي التدفق للداخل في الحساب الرأسمالي والمالي ليحقق نحو 3.9 مليارات دولار مقابل 657.9 مليون دولار خلال الربع المناظر من العام السابق. ويشمل الحساب الرأسمالي والمالي: الحساب الرأسمالي، وصافي الاستثمارات المباشرة، وصافي الاستثمارات غير المباشرة، وصافي الاقتراض، وأصول البنوك والبنك المركزي. 

وعلى الرغم من تحسن الحساب الرأسمالي والمالي إلا أن صافي الاستثمارات المباشرة انخفض بنسبة 31.8%، وقد جاء ذلك نتيجة عدة عوامل من أهمها: تحول صافي الاستثمارات في قطاع البترول لصافي تدفق للخارج بلغ 75.3 مليون دولار مقابل صافي تدفق للداخل بلغ نحو 744.2 مليون دولار، ويرجع ذلك إلى تأثير جائحة كورونا وما ترتب عليها من إجراءات إغلاق كلية أو جزئية في كافة الدول، بما أدى إلى تراجع الطلب العالمي على المنتجات البترولية ومن ثم تراجع أسعار النفط وانخفاض أرباح قطاع البترول فتوجهت الاستثمارات لقطاعات أخرى بدول أخرى. ومن جهة ثانية، فقد تراجعت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الموجهة لقطاعات غير بترولية بمقدار 55.6 مليون دولار، وكذلك تراجعت الاستثمارات الواردة لتأسيس شركات جديدة بمقدار 27.7 مليون دولار، كما انخفضت تحويلات غير المقيمين لشراء عقارات في مصر بمقدار 3.2 ملايين دولار، في حين ارتفعت حصيلة بيع شركات وأصول إنتاجية لغير المقيمين لتصل إلى 24.5 مليون دولار. وأخيرًا فقد ارتفعت الأرباح المرحلة وفائض الأرصدة المدينة بمقدار 127.6 مليون دولار لتسجل نحو 1.3 مليار دولار.

وفي هذا السياق، يلاحظ أنه على الرغم من بذل الدولة للعديد من الجهود لجذب الاستثمارات، إلا أن جائحة كورونا كان من شأنها الحد من حركة رؤوس الأموال بين الدول، خاصة في ظل زيادة مخاطر الاقتصاد العالمي، وتصاعد نزعة الحماية التجارية. وعلى العكس من الاستثمارات المباشرة، فقد ارتفعت استثمارات محفظة الأوراق المالية، وتحسنت بشكل ملحوظ، إذ سجلت صافي تدخل للداخل بلغ نحو 6.7 مليارات دولار مقابل صافي تدفق للخارج بنحو 2 مليار دولار خلال الربع المناظر العام السابق، بما يعكس ثقة المستثمرين الأجانب في قوة الاقتصاد المصري وارتفاع أسعار الفائدة المصرية مقارنة بالعديد من الأسواق الناشئة والنامية.

أما صافي الاقتراض، فقد انخفض بمقدار 1.76 مليون دولار، الأمر الذي يعني انخفاض القروض التي حصلت عليها الدولة من المؤسسات المالية العالمية والاقتصادات الكبرى وكذلك انخفاض السندات (أدوات دين حكومية طويلة الأجل) المطروحة بعملات أجنبية بما يعني انخفاض الدين الخارجي لمصر. وبمراعاة الطبيعة الخاصة في تسجيل المعاملات بميزان المدفوعات، وهي النظر إلى اتجاه تدفق الأموال من الدولة أو خارجها دون النظر إلى طبيعة تلك الأموال، إلا أن انخفاض بند صافي الاقتراض له دلالات إيجابية على وضع الدين الخارجي للدولة.

ويتضح مما سبق، أنه على الرغم من تراجع العجز في ميزان المدفوعات، إلا أنه لا يزال لأزمة كورونا تأثير على الاقتصاد المصري، لا سيما القطاعات التي تتعامل مع العالم الخارجي، مثل: قطاع التجارة في المنتجات غير البترولية، والقطاعات الخدمية كالسياحة والنقل، والاستثمارات المباشرة وعوائدها.

أسماء رفعت