وحدة الدراسات الأفريقية

مهام صعبة: القضايا الملحّة في قمة (إيكواس) الثامنة والخمسين

في الثالث والعشرين من يناير 2021، عَقد رؤساء دول وحكومات الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) مؤتمرًا عبر تقنية الفيديو كونفراس خلال الدورة العادية الثامنة والخمسين برئاسة الرئيس “نانا أكوفو أدو”، رئيس دولة غانا، لمُناقشة عدد من القضايا المهمة في مقدمتها الوضع الأمني في الساحل الإفريقي وتداعيات جائحة “كورونا” من خلال وضع الأجندة الأمنية لعام ٢٠٢١ بعد التصعيد الأمني في مالي والنيجر وبوركينافاسو ونيجيريا، وانتهاكات القرصنة في خليج غينيا، والوضع السياسي في مالي خلال المرحلة الانتقالية، والحديث عن العملة المُوحدة للجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس)، وضرورة دفع الالتزامات للصندوق المُخصص لمُكافحة الإرهاب بالمنطقة. وقد جاءت قمة إيكواس في ظروف…

نسرين الصباحى
باحث بوحدة الدراسات الأفريقية

في الثالث والعشرين من يناير 2021، عَقد رؤساء دول وحكومات الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) مؤتمرًا عبر تقنية الفيديو كونفراس خلال الدورة العادية الثامنة والخمسين برئاسة الرئيس “نانا أكوفو أدو”، رئيس دولة غانا، لمُناقشة عدد من القضايا المهمة في مقدمتها الوضع الأمني في الساحل الإفريقي وتداعيات جائحة “كورونا” من خلال وضع الأجندة الأمنية لعام ٢٠٢١ بعد التصعيد الأمني في مالي والنيجر وبوركينافاسو ونيجيريا، وانتهاكات القرصنة في خليج غينيا، والوضع السياسي في مالي خلال المرحلة الانتقالية، والحديث عن العملة المُوحدة للجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس)، وضرورة دفع الالتزامات للصندوق المُخصص لمُكافحة الإرهاب بالمنطقة.

وقد جاءت قمة إيكواس في ظروف سياسية صعبة أكدتها تصريحات محمد بن شمباس، الممثل الخاص للأمين العام ورئيس مكتب الأمم المتحدة لغرب إفريقيا (UNOWAS)، في الحادي عشر من يناير 2021، في إحاطته لمجلس الأمن الدولي بِأن التطورات الأخيرة في غرب إفريقيا ومنطقة الساحل الإفريقي والتي أكد خلالها وجود مشكلة حقيقية تخص ملف الانتخابات والديمقراطية والحكم بالمنطقة بعد إجراء خمسة انتخابات رئاسية عالية المخاطر في الربع الأخير من عام 2020.

أولًا: تنامي نشاط التنظيمات الإرهابية 

اتسع انعدام الأمن عبر منطقة غرب إفريقيا والساحل ليشمل مناطق كانت تُعتبر آمنة في السابق مع استمرار الجماعات المُسلحة في شن هجمات مميتة، حيث حاولت دول الحدود الثلاثة (مالي، والنيجر، وبوركينافاسو) تنفيذ نهج أكثر شمولًا للأمن، لكن هذه الجهود لم تُوفر السلامة والأمن للسكان المحليين. كما تزايدت وتيرة الهجمات الإرهابية ضد السكان المدنيين التي تتخذ شكل عمليات انتقامية، ولا تزال تسبب نزوحًا للسكان، وتؤدي إلى الإغلاق المُستمر للبنية التحتية الصحية والتعليمية، مثل الهجوم الذي شنته جماعة “بوكو حرام” في نيجيريا في التاسع والعشرين من نوفمبر 2020، بالقرب من مايدوجوري في ولاية بورنو، التي قُتل فيها عشرات المزارعين والصيادين. وفي الثاني من يناير 202، قتل مُسلحون حوالي 100 شخص في هجمات على قريتين في منطقة تيلابيري بغرب النيجر على طول الحدود مع مالي. 

وأمام هذا التحدي، شدد قادة إيكواس خلال القمة الأخيرة على ضرورة تنفيذ خطة العمل 2020-2024 للقضاء على الإرهاب في المنطقة، وهو ما يشكل ضرورة حتمية في ظل مُساهمة دولتي غانا ونيجيريا بنسبة كبيرة في الصندوق المُخصص للخطة الذي تبلغ قيمته مليار دولار أمريكي، حيث ناشد قادة إيكواس جميع الدول الأعضاء بدفع تعهداتها للقضاء على الإرهاب. وفي ضوء ذلك، تم تعيين رئيس غانا “نانا أكوفو أدو”، ورئيس جمهورية النيجر “محمد إيسوفو”، لقيادة جهود تعبئة الموارد المالية والتقنية خلال الفترة المُقبلة. 

ثانيًا: الأمن والسلامة البحرية في خليج غينيا 

تُساهم الأنشطة البحرية بنسبة كبيرة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية لدول غرب إفريقيا التي تتعرض للخطر بسبب تزايد عدد الأنشطة غير القانونية في البحر، بما في ذلك القرصنة البحرية، وإلقاء النفايات السامة، والصيد غير القانوني، من خلال التنفيذ الكامل للإجراءات المُعتمدة على المستويات الوطنية والقارية لضمان الأمن والسلامة البحرية في خليج غينيا.

ووفقًا للمكتب البحري الدولي، شهد خليج غينيا 84 هجومًا على السفن، مع اختطاف 135 بحارًا للحصول على فدية خلال عام 2020. كما شهد زيادة بنسبة 50٪ تقريبًا في عمليات الاختطاف من أجل الحصول على فدية بين عامي 2018 و2019، وزيادة بنسبة 10٪ تقريبًا بين عامي 2019 و2020. وتُمثل المنطقة الآن ما يزيد قليلًا على 95٪ من جميع عمليات الاختطاف مُقابل الفدية في البحر، حيث خطف قراصنة خليج غينيا 130 بحارًا في 22 حادثًا منفصلا عام 2020، وهو ما يُمثل جميع من اختطفوا في البحر في جميع أنحاء العالم باستثناء خمسة حوادث في أماكن أخرى.

وفي هذا الشأن، شدد قادة إيكواس على دعوة الدول الأعضاء للتصديق على إعلان لومي للأمن والسلامة البحرية الذي تم اعتماده في الخامس من أكتوبر 2016، وتعزيز التعاون فيما بينهما، كما حث بيان قادة إيكواس البلدان المضيفة لمراكز التنسيق البحري المُتعددة الجنسيات، بما في ذلك مركز الأمن البحري الإقليمي لغرب إفريقيا من خلال وضع الترتيبات الإدارية واللوجستية اللازمة التي من شأنها ضمان التشغيل الكامل للمراكز، وتوفير أماكن الإقامة للموظفين الدوليين في المراكز البحرية في بلدانهم. 

ثالثًا: الوضع السياسي 

شهدت الانتخابات في غرب إفريقيا خلال عام 2020 إعادة انتخاب الرئيس “روش مارك كريستيان كابوري” في بوركينافاسو، والرئيس “الحسن واتارا” في كوت ديفوار، والرئيس “نانا أكوفو أدو” في غانا، والرئيس “ألفا كوندي” في غينيا، وأيضًا الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية في النيجر. وتستعد عدة دول أخرى لانتخابات مختلفة خلال الأشهر المُقبلة من عام 2021 بما في ذلك الانتخابات الرئاسية في بنين والنيجر (الجولة الثانية)، والانتخابات التشريعية في كابو فيردي (الرأس الأخضر) وكوت ديفوار، والاستفتاء الدستوري في جامبيا. 

واتصالًا بالسابق، دعا رؤساء دول إيكواس جميع أصحاب المصلحة السياسيين في جامبيا إلى بناء توافق في الآراء بشأن مشروع مسودة الدستور، والحوار لحل القضايا الخلافية، وضرورة تولي الرئيس “أداما بارو” القيادة السياسية من أجل الحفاظ على الحوار، واعتماد الدستور والامتثال للجدول الزمني الانتخابي للجنة الانتخابية المُستقلة. ومن المقرر إجراء استفتاء على مسودة الدستور في يونيو 2021 قبل الانتخابات الرئاسية في ديسمبر 2021. ولذا، جاء قرار جماعة إيكواس بتمديد بقاء مجموعة المراقبة التابعة للجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (ECOMIG) لحماية البيئة الأمنية قبل اعتماد الدستور والانتخابات الرئاسية. وسيتم حشد قوات هذه المجموعة التي ستشكل وحدات الشرطة بأفراد من كوت ديفوار وغانا والسنغال وتوجو بعد الموافقة على المساهمة في الولاية الجديدة. 

كما أولت القمة اهتمامًا برصد ومُتابعة المرحلة الانتقالية في مالي عن طريق مُواصلة جهود الوساطة للحفاظ على الحوار بين الماليين من أجل ضمان انتقال ناجح ضمن الإطار الزمني المُحدد، حيث أشاد قادة إيكواس بالتقدم والالتزامات التي تعهدت بها مالي لإدارة المرحلة الانتقالية من خلال الاطلاع على تقرير وسيط إيكواس حول الوضع في مالي من خلال تشكيل الهيئات الانتقالية، وتسهيل تنفيذ الإصلاحات وتفعيل الحوار السياسي مع كافة الفاعلين وأصحاب المصلحة. 

رابعًا: الوضع الصحي والاقتصادي 

أثرت جائحة “كورونا” على الحياة السياسية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية لدول غرب إفريقيا، حيث أعلنت جماعة إيكواس عن إنشاء صندوق متجدد للقاحات “كورونا” لتأمين 240 مليون جرعة من لقاح “كورونا”، ويأتي إطلاق هذا الصندوق في الوقت الذي تُسارع فيه البلدان في جميع أنحاء العالم للحصول على اللقاحات مع تأخر البلدان الإفريقية في الحصول على اللقاحات، حيث تُعدُّ غرب إفريقيا رابع أكثر المناطق تضررًا من جائحة “كورونا” في إفريقيا، فيما أعربت كوت ديفوار ونيجيريا عن نيتها المُشاركة في مفاوضات مع موردي اللقاحات الدوليين، ليس فقط كجزء من مُبادرة كوفاكس (Covax) التي تقودها منظمة الصحة العالمية ولكن أيضًا في إطار استراتيجيات وطنية.

ووفقًا لبيان قمة إيكواس، سيستخدم هذا الصندوق لضمان توافر لقاحات “كورونا” في المنطقة من خلال التوريد المُشترك على المدى القصير والتصنيع الإقليمي على المدى المتوسط ​​إلى الطويل، داعيًا إلى تقديم مُساهمات من الحكومات الوطنية وبنوك التنمية والقطاع الخاص والشركاء الدوليين. وعلاوةً على ذلك، أعلن قادة جماعة إيكواس عن وضع تعريفة مُوحدة لفحوصات فيروس “كورونا” في المنطقة COVID-19 PCR. وبذلك، لن يضطر مواطنو الجماعة إلى دفع أكثر من 50 دولارًا (27000 فرنك إفريقي) للحصول على اختبارات فيروس “كورونا” عند السفر في إطار منطقة غرب إفريقيا بشأن حركة الأشخاص والسلع عبر الحدود أثناء الجائحة. 

وفيما يتعلق بالعملة المُوحدة (ECO)؛ أكد قادة إيكواس على سياسة التقارب وضرورة الوفاء بمعايير التقارب لإنشاء نظام المدفوعات والتسوية من خلال إنشاء آلية مُتعددة الأطراف، وتكون العملات الوطنية بمُوجبها تستخدم لدفع وتسوية المعاملات داخل المجتمع لتعزيز التوسع السريع في التجارة والاستثمار، حيث شهد هذا المؤتمر وضع مبادئ توجيهية جديدة فيما يتعلق بالعملة المُوحدة، وتم التشديد على المُوعد النهائي لهذا المشروع، الذي تم تأجيله عدة مرات، ومن المتوقع تنفيذ اتفاق تقارب واستقرار اقتصادي كلي جديد بين الدول الأعضاء بحلول 1 يناير 2022، ويمكن أن تؤدي ذلك إلى خريطة طريق جديدة للعملة المُوحدة بحلول عام 2025. 

وعلى صعيد منطقة التجارة الحرة القارية (AFCFTA)؛ في الأول من يناير 2021 قامت 12 دولة من أصل 15 دولة عضوًا في جماعة إيكواس بالتصديق على اتفاقية التجارة القارية الإفريقية، ودعا قادة إيكواس الدول التي لم تصدق بعد على للتصديق على الاتفاقية لتعزيز حرية التجارة في المنطقة والحفاظ على سلامة التعريفة الخارجية المُشتركة لجماعة إيكواس، وإصدار تعليمات للمفوضية بشأن مُواصلة دعم الدول الأعضاء في تطوير وتنفيذ استراتيجيات وطنية للتكيف مع قواعد منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية لضمان اتساقها مع الاستراتيجية الإقليمية. 

من كل ما سبق، كشفت قمة إيكواس الثامنة والخمسون عما تواجهه دول غرب إفريقيا من أوضاع صعبة، سواء على الصعيد السياسي والاقتصادي والأمني من تنامي الهجمات الإرهابية وتحديدًا ضد المدنيين بدول الساحل الأوسط (مالي، النيجر، وبوركينافاسو)، وتزايد حدة أعمال القرصنة البحرية واختطاف السفن في خليج غينيا. بالإضافة إلى عملية انتقال السلطة والتحولات السياسية في منطقة الساحل. وبينما جاءت استجابة دول إيكواس لتعكس تفهمها العميق لما تواجهه المنطقة من تحديات جسيمة، يظل أمام المنظمة الإقليمية مهمة صعبة في مُتابعة تنفيذ قرارات الدورة العادية الثامنة والخمسين وعلى رأسها تنفيذ خطة العمل 2020-2024 للقضاء على الإرهاب، ودعوة الدول الأعضاء للتصديق على إعلان لومي للأمن والسلامة البحرية، وتمديد بقاء مجموعة المراقبة التابعة للجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا في جامبيا، وتفعيل تعريفة مُوحدة لفحوصات فيروس “كورونا، وتسريع خطوات إصدار العملة المُوحدة، وتصديق باقي الدول الأعضاء في جماعة إيكواس على اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية.

نسرين الصباحى
باحث بوحدة الدراسات الأفريقية