وحدة الدراسات الاقتصادية

“مدينة الذهب”: تعزيز موقع مصر على خريطة المعدن الأصفر عالميًا

يمثل قطاع الذهب أحد القطاعات الاقتصادية غير المستغلة بشكل كامل حتى الآن، فلم تتواجد مصر على خريطة إنتاج المعدن النفيس إلا بعد إعادة تشغيل منجم السكري عام 2010 الذي كان قد توقف عن الإنتاج منذ عام 1954، ويحتوي على حوالي 15.5 مليون أوقية من الذهب، وعلى الرغم من وجود 120 منجمًا للذهب في مصر، إلا أنه لا يعمل بشكل فعلي في الإنتاج سوى منجم السكري وبعض المناجم الصغيرة، وفقًا لتصريحات سكرتير شعبة الذهب بالغرفة التجارية بالقاهرة “نادي نجيب”.  وبناء على ذلك، اتخذت الحكومة المصرية خطوات حثيثة لتعزيز صناعة الذهب، وتثبيت مكانة البلاد على خريطة الذهب العالمية. وتتمثل أحدث تلك الخطوات…

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

يمثل قطاع الذهب أحد القطاعات الاقتصادية غير المستغلة بشكل كامل حتى الآن، فلم تتواجد مصر على خريطة إنتاج المعدن النفيس إلا بعد إعادة تشغيل منجم السكري عام 2010 الذي كان قد توقف عن الإنتاج منذ عام 1954، ويحتوي على حوالي 15.5 مليون أوقية من الذهب، وعلى الرغم من وجود 120 منجمًا للذهب في مصر، إلا أنه لا يعمل بشكل فعلي في الإنتاج سوى منجم السكري وبعض المناجم الصغيرة، وفقًا لتصريحات سكرتير شعبة الذهب بالغرفة التجارية بالقاهرة “نادي نجيب”. 

وبناء على ذلك، اتخذت الحكومة المصرية خطوات حثيثة لتعزيز صناعة الذهب، وتثبيت مكانة البلاد على خريطة الذهب العالمية. وتتمثل أحدث تلك الخطوات في توجيهات الرئيس “عبدالفتاح السيسي” في شهر يناير للحكومة بتوفير الموارد المالية لإنشاء مدينة متكاملة لصناعة وتجارة الذهب على نحو متكامل، من حيث توفير مستلزمات الصناعة والإنتاج، والمعارض، وتدريب العمالة لتعزيز قدراتهم.

دوافع وأهمية تشييد “مدينة الذهب” الصناعية

تخطط مصر لتشييد هذه المدينة لتطوير هذه الصناعة الحرفية الدقيقة التي تعكس تاريخ البلاد الحضاري العريق فيها، ومن المقرر أن تتضمن المدينة 400 ورشة فنية و150 مدرسة متخصصة لتعليم صناعة الذهب والعديد من المعارض، فضلًا عن وحدات للاستلام والتخزين، ومحلات لبيع الذهب، إلى جانب وجود مكونات داعمة، تتمثل في مبنى مصلحة الدمغة، ومتحف، ومركز لوجستي. كما ستضم أيضًا فندقًا، وأماكن لإقامة العمال، وفي منطقة الخدمات الخاصة بالمدينة سيتم إنشاء وحدة صحية، وناد رياضي واجتماعي، كما سيكون هناك عدد من المتنزهات، ومنطقة مخصصة لتناول الطعام.

ومن المتوقع أن يُساهم هذا المشروع (الأول من نوعه على مستوى العالم) في الارتقاء بمرتبة مصر العالمية في هذه الصناعة عن طريق زيادة صادرات المشغولات الذهبية بدلًا من تصديره كمادة خام أو سلعة نصف مصنعة، مما سيصب في نهاية المطاف في دعم الميزان التجاري والاحتياطي النقدي بالعملات الأجنبية لدى البنك المركزي.

وعلى المستوى المحلي، ستوفر المدينة الآلاف من فرص العمل، كونها إحدى الصناعات كثيفة العمالة، كما أنها ستساعد على دعم هذا المنتج، وعلى توزيعه بالطريقة المثلى. وبالإضافة إلى ذلك، من المُمكن أن تساعد في استغلال مناجم الذهب غير المستغلة، وتحقيق أفضل استقرار للأسعار في سوق الذهب بمصر، وزيادة نسبة مساهمة قطاع الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي، ودفع معدلات النمو الاقتصادي.

وأخيرًا، ستوفر المدينة المساحات الكبيرة والأساسات اللازمة لورش تصنيع الذهب، مما يمكنها من توفير جميع مستلزمات الإنتاج الحديثة واستخدامها في عملية التصنيع بدلًا من المعدات القديمة صغيرة الحجم، نظرًا لصغر حجم الورش المتواجدة حاليًا في سوق الصاغة.

صناعة الذهب في أرقام

يُمكن التعبير عن مكانة مصر الحالية في سوق الذهب العالمي عن طريق عرض بعض المؤشرات الاقتصادية خلال السنوات القليلة الماضية، التي يُمكن إجمالها على النحو التالي:

1. الصادرات:

شهدت صادرات الذهب والحُلي والأحجار الكريمة ارتفاعًا خلال العام الماضي بنحو 46.7% على أساس سنوي، كما هو موضح في الشكل الآتي:

الشكل (1): صادرات الذهب والحُليّ والأحجار الكريمة سنويًا (مليار دولار) 

المصدر: المجلس التصديري لمواد البناء، صادرات الحلى والأحجار الكريمة.

يتبين من الشكل السابق ارتفاع صادرات الذهب والحُلي خلال السنوات محل الدراسة من 640 مليون دولار خلال 2015 إلى 2.98 مليار دولار بحلول نهاية 2020، وقد صُدرت خامات الذهب والحلي والأحجار الكريمة لنحو 35 دولة خلال العام الماضي، من بينها 5 دول جديدة، هي: كرواتيا، التشيك، النمسا، مدغشقر، كوريا الجنوبية، ويرجع ذلك إلى افتتاح مرحلة جديدة في منجم السكري، وتراجع مشتريات الذهب في مصر، وفتح المجال لتصدير كميات أكبر للخارج. أما عن صادرات الذهب –كسلعة نصف مصنعة- فيُمكن التعبير عنها كما يلي:

الشكل (2): صادرات الذهب (مليار دولار)

المصدر: البنك المركزي المصري، النشرة الإحصائية الشهرية.

يتضح من الشكل السابق أن الصادرات المصرية من الذهب قفزت بنحو 128.6% على أساس سنوي مسجلة 2.79 مليار دولار في العام المالي 2019/2020.

2. الاحتياطي الرسمي من الذهب:

أعلن مجلس الذهب العالمي أن مصر تحتل المركز السادس عربيًا والمرتبة الأربعين عالميًا في حيازة الذهب بحلول نهاية عام 2020؛ إذ تبلغ حيازتها من المعدن الأصفر حوالي 79.5 طنًا تقريبًا. 

3. إنتاج مصر من مناجم الذهب:

يصل معدل إنتاج مصر من الذهب إلى حوالي 13 طنًا سنويًا في المتوسط، حيث يتركز الإنتاج في منجم السكري، والذي يتراوح ما بين من 12 إلى 13 طن ذهب سنويًا، بالإضافة إلى أن هناك إنتاجًا للذهب من عدد من المناجم الصغيرة غير المعلن عنها، ليسجل الإنتاج الإجمالي 14.9 طنًا خلال عام 2019.

الشكل (4): إنتاج الذهب من المناجم المصرية (بالطن)

Source: World Gold Council, Gold Hub.

خريطة مناجم الذهب في مصر

يتركز إنتاج الذهب في مصر في ثلاثة مواقع بالصحراء الشرقية، وهي: جبل السكري، ومنطقة حمش، ووادي العلاقي. وفيما يلي قائمة بأبرز مناجم الذهب المتواجدة هناك:

‏ منجم السكري: يقع في منطقة جبل السكري في الصحراء الشرقية على مسافة 30 كم جنوبي مرسى علم، ويعد من أكبر 10 مناجم في العالم من حيث الاحتياطي والإنتاج، كما يستوعب حوالي 4500 فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة.

منجم حمش: يقع على بعد 100 كم غرب مدينة مرسى علم بالصحراء الشرقية بالقرب من محمية وادي الجمال – حماطة، ولكن عمليات الإنتاج من المنجم لا تتم بشكل منتظم.

منجم وادي العلاقي: يقع على بعد 250 كم جنوب شرق مدينة أسوان، في جنوب مصر، ويحتوي على كميات اقتصادية من الذهب بمعدلات تركيز مرتفعة تتراوح من 2 إلى 4 جرامات في الطن.

فضلًا عن بعض المواقع الأخرى التي تتمثل في: منجم عتود، ومنجم البرامية، ومنجم فاطيري، ومنجم أبو مروات، ومنجم سمنة، ومنجم العرضية، ومنجم حمامة، ومنجم أم عود، ومنجم أم سمرة، ومنجم ساموت، ومنجم دنجاش، وأخيرًا منطقة المثلث الذهبي التي تقع بمحافظة البحر الأحمر ما بين سفاجا والقصير ويوجد بها 94 موقعًا للذهب.

جهود الدولة للنهوض بقطاع التعدين

اتخذت الحكومة خطوات جادة لتعزيز قطاع التعدين من أجل استغلال ثرواته بالطريقة المثلى في ظل مساعيها لجذب استثمارات جديدة لزيادة إنتاجه، ورفع مساهمته في الناتج القومي إلى 7 مليارات دولار بحلول عام 2030. وترجع تلك الخطوات إلى ضآلة مساهمة قطاع التعدين في الناتج القومي والتي لا تتجاوز نصفًا بالمائة فقط، مقارنة مع مساهمة قطاعي البترول والغاز في الناتج القومي بنحو 27% خلال عام 2019، وحوالي 24% خلال عام 2020.

ولتحقيق أقصى استفادة من الثروات المعدنية، وخاصة البحث والاستكشاف عن الذهب والمعادن المصاحبة؛ فقد تحركت مصر في عدة مسارات لإنعاش مجال الاستثمار في الذهب، من أبرزها: إجراء تعديلات تشريعية بقانون الثروة المعدنية تشجع المستثمرين على ضخ استثمارات ضخمة في مجال الاستكشاف وإزالة المعوقات التي تهدد العائد على هذه الاستثمارات، وفي الوقت نفسه عكفت الحكومة المصرية على التوسع في الاستكشاف وطرح مناطق جديدة واعدة أمام الشركات من أجل وضع البلاد على خريطة التعدين العالمي. وتكليلًا لهذه الجهود، طرحت الحكومة أحدث مزايدة للتنقيب عن الذهب بداية من 15 مارس وحتى 15 يوليو الماضي، ثم تم مد فترة تلقي العروض حتى 15 سبتمبر بإجمالي 320 قطاعًا على حوالي 56 ألف كم في المنطقة الواقعة بين الصحراء الشرقية والبحر الأحمر. كما شهد وزير البترول والثروة المعدنية “طارق الملا” أوائل هذا العام التوقيع على 5 عقود للبحث والتنقيب عن الذهب لشركات كندية ومصرية مع الهيئة المصرية العامة للثروة المعدنية بإجمالي استثمارات يقدر بنحو 13 مليون دولار.

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة