كلاشنكوف كورونا

عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

عندما يأتي الحديث عن أشهر منتج يرتبط بروسيا، فكثيراً ما يقفز إلى الذهن اسم كلاشنكوف، وهي البندقية التي قام بتصميمها ميخائيل كلاشنكوف في أربعينات القرن الماضي، وأصبحت سلاحاً أساسياً في عديد من جيوش العالم وحركات التحرير، وما تزال موجودة في أسواق السلاح العالمي، ويتم الآن عرض نسخة مطورة منها في معرض الأسلحة الذي يقام حالياً في أبو ظبي بدولة الإمارات العربية. العالم يتحدث الآن عن منتج روسي جديد، يرى البعض أنه سوف يكون له نفس شهرة الكلاشنكوف، ولكن في مجال الطب والدواء، وهو لقاح سبوتنيك في، للوقاية من فيروس كورونا، والذي تم تطويره في مختبر حكومي، بدعم من صندوق الثروة…

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

عندما يأتي الحديث عن أشهر منتج يرتبط بروسيا، فكثيراً ما يقفز إلى الذهن اسم كلاشنكوف، وهي البندقية التي قام بتصميمها ميخائيل كلاشنكوف في أربعينات القرن الماضي، وأصبحت سلاحاً أساسياً في عديد من جيوش العالم وحركات التحرير، وما تزال موجودة في أسواق السلاح العالمي، ويتم الآن عرض نسخة مطورة منها في معرض الأسلحة الذي يقام حالياً في أبو ظبي بدولة الإمارات العربية.

العالم يتحدث الآن عن منتج روسي جديد، يرى البعض أنه سوف يكون له نفس شهرة الكلاشنكوف، ولكن في مجال الطب والدواء، وهو لقاح سبوتنيك في، للوقاية من فيروس كورونا، والذي تم تطويره في مختبر حكومي، بدعم من صندوق الثروة السيادية الروسي، وتشير الأبحاث الطبية الى تمتعه بدرجة كفاءة عالية، وأعلن التلفزيون الروسي الحكومي أن لقاح سبوتنيك “بسيط وموثوق فيه مثل بندقية كلاشينكوف الهجومية”.

اللقاح الروسي يتميز بسعره المنخفض والقدرة على تخزينه في درجات حرارة ما بين 2 و8 درجة حرارة مئوية، وهو ما يعطيه ميزة تنافسية على العديد من اللقاحات الغربية. وفي هذا الإطار ذكر أحد العلماء الروس في جامعة سكولتيك في موسكو أن بساطة وحساسية لقاح سبوتنيك تجاه درجة الحرارة تعني أنه يستطيع الفوز دائما، كما فعلت بندقية كلاشينكوف.

روسيا أعلنت عن لقاح سبوتنيك في نوفمبر الماضي، وقد تم استقباله بتشكك كبير من جانب الأوساط العلمية والطبية وخاصة في ظل السرعة الكبيرة التي تم بها انتاج اللقاح، ولكن خلال ثلاثة أشهر حدث تحول جذري بخصوص هذا الأمر، وخاصة بعد أن نشرت المجلة الطبية البريطانية المرموقة المعروفة باسم لانست، أن الدراسات أثبتت أن لقاح سبوتنيك يتمتع بدرجة فاعلية تصل إلى نسبة 92%، وهي نسبة أعلى من بعض اللقاحات التي انتجت في الغرب. وبدأت الطلبات تنهال على روسيا من العديد من دول العالم للحصول على لقاح سبوتنيك.

تطوير لقاح سبوتنيك في روسيا أحدث هزة في الأوساط العلمية والاستراتيجية في العالم، وأظهر جانباً من التقدم الروسي لم يكن معروفاً لدى الكثيرين، ومخالف لما تردده وسائل الإعلام الغربية عما تسميه بحالة التردي الشاملة التي تشهدها روسيا، وتراجع مكانتها العالمية.

وأتذكر إنني شاركت منذ شهور قليلة في ندوة كان ضيفاً فيها أحد الخبراء الاستراتيجيين الكبار بالولايات المتحدة الأمريكية، وفي إجابته عن سؤال بشأن مكانة روسيا في الشرق الأوسط والعالم وهل الولايات المتحدة تعتبرها منافساً استراتيجياً، ذكر أن الولايات المتحدة تركز على الصين كمنافس استراتيجي، وأن روسيا لم تعد تملك إمكانيات القوى الكبرى.

اكتشاف لقاح سبوتنيك جعل العديد من المحللين يقومون بمراجعة وجهة نظرهم بشأن روسيا، وخاصة إمكانياتها البحثية والعلمية. وبدأت وسائل الإعلام الغربية تفتح هذا الملف مرة أخرى، وبدلاً من التركيز على الأزمات التي تواجهها روسيا، بدأت تنشر مقالات وتحليلات حول جانب من التقدم الروسي، والذي قد يكون له تأثير على التوازنات الاستراتيجية في العالم.

أحد التقارير الإعلامية الغربية والذي نشر حديثا في مجلة الإكسبريس الفرنسية، أشار الى أن روسيا تكافح لاستعادة مكانتها كقوة علمية كبرى بعد الأزمة التي تعرضت لها في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي، وتدنى رواتب العلماء التي وصلت إلى حوالي عشرة دولارات شهريا، مما تسبب في مغادرة عشرات الآلاف من العقول إلى الخارج.

ويقتبس التقرير حديثا لأحد العلماء الروس يقول فيه “لقد تحسنت الكثير من الأشياء في السنوات الأخيرة”. في التسعينيات، كان تمويل الأبحاث قريبًا من الصفر، أما الآن فيمكن مقارنته مع فرنسا أو إنجلترا، كما زادت رواتب الباحثين لدرجة أن بعضهم يكسبون الآن أكثر من نظرائهم الفرنسيين.

ويشير التقرير الى أن نقطة التحول حدثت تحت قيادة الرئيس فلاديمير بوتين. ففي عام 2016، أعاد الرئيس الروسي تحديد أولويات العلماء، وطلب منهم مضاعفة عدد براءات الاختراع والمقالات التي تنشر عالميا. ومن جانبها، تعهدت الدولة بتخصيص 635 مليار روبل للبحث وتعزيز عودة العقول المهاجرة الى روسيا.

وأصبح الهدف المعلن هو أن تصبح روسيا واحدة من أعظم خمس قوى علمية في العالم. ويشير التقرير الى أن العديد من دول العالم تشككت في قدرة روسيا على تحقيق ذلك، ولكن نجاح المعامل الروسية في تطوير لقاح سبوتنيك، هو دليل نجاح هذه السياسة.

التقرير الفرنسي يتحدث أيضا عن قيام روسيا باستثمارات ضخمة فيما يعرف بكمبيوتر الكم، وعلى سبيل المثال، أنشأت مؤخرا مركز أبحاث بالقرب من موسكو يضم 300 شخصًا مخصصًا بالكامل لهذه التكنولوجيا التي من المفترض أن تحدث ثورة في الحوسبة.

وتراهن روسيا أيضًا على مجال الذكاء الاصطناعي، وتسعى للبناء على الشهرة الدولية التي تتمتع بها في مجال الرياضيات، والتي ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالذكاء الاصطناعي. وفي السنوات الأخيرة، أحرزت روسيا بالفعل تقدمًا كبيرًا في مجال المركبات ذاتية القيادة، وأصبحت تحتل المرتبة الثالثة في هذا المجال، بعد الولايات المتحدة والصين. وأصبح سير هذه المركبات ذاتية القيادة في شوارع موسكو أمرًا شائعًا. كما تعمل الدولة الروسية على الاستفادة من سجلها التاريخي في تطوير مجالات مثل الطاقة النووية والفضاء، بالإضافة لصناعة السلاح والأمن السيبراني.

باختصار لقاح سبوتنيك، كشف أن روسيا ما تزال موجودة على خريطة تفاعلات الدول الكبرى، وأن الاستثمار في البحث العلمي كفيل بتعزير مكانة الأمم.

نقلا عن “جريدة الأهرام”، ٢٤ فبراير ٢٠٢١.

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

مقالات أخرى للكاتب

img

رأي

خبراء مصر

img

رأي

التوك شو

img

رأي

مكانة مصر