وحدة الدراسات الاقتصادية

أزمة شركة “جيم ستوب” والتداول في البورصة الأمريكية

في أواخر يناير 2021، حدث ضغط قصير على أسهم شركة جيم ستوب GameStop الأمريكية لألعاب الفيديو بالتجزئة، مما تسبب في عواقب مالية كبيرة على بعض صناديق التحوط وخسائر كبيرة للبائعين على المكشوف. حيث تم بيع ما يقرب من 140% من الطرح العام لشركة جيم ستوب على المكشوف، وأدى الاندفاع لشراء الأسهم لتغطية تلك المراكز مع ارتفاع السعر إلى ارتفاعها أكثر. وكان السبب الرئيسي والشرارة الأولى هم بعض هواة المضاربين المستخدمين لأحد منتديات الإنترنت الشهيرة ريديت Reddit، حيث تبادلوا الحديث حول خطتهم داخل أحد الموضوعات الفرعية المتعلقة بالمضاربة في وول ستريت. وجاءت ذروة الأحداث في 28 يناير، إذ تسبب الضغط القصير…

د. عمر الحسيني
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

في أواخر يناير 2021، حدث ضغط قصير على أسهم شركة جيم ستوب GameStop الأمريكية لألعاب الفيديو بالتجزئة، مما تسبب في عواقب مالية كبيرة على بعض صناديق التحوط وخسائر كبيرة للبائعين على المكشوف. حيث تم بيع ما يقرب من 140% من الطرح العام لشركة جيم ستوب على المكشوف، وأدى الاندفاع لشراء الأسهم لتغطية تلك المراكز مع ارتفاع السعر إلى ارتفاعها أكثر. وكان السبب الرئيسي والشرارة الأولى هم بعض هواة المضاربين المستخدمين لأحد منتديات الإنترنت الشهيرة ريديت Reddit، حيث تبادلوا الحديث حول خطتهم داخل أحد الموضوعات الفرعية المتعلقة بالمضاربة في وول ستريت. وجاءت ذروة الأحداث في 28 يناير، إذ تسبب الضغط القصير في وصول سعر سهم بائع التجزئة إلى قيمة ما قبل السوق بأكثر من 500 دولار أمريكي للسهم الواحد، أي ما يقرب من 30 ضعف التقييم في بداية الشهر والبالغة 17.25 دولارًا. كما ارتفع سعر العديد من الأوراق المالية الأخرى المكشوفة بشكل كبير.

وفي 28 يناير 2020، أوقفت بعض شركات السمسرة، مثل روبن هوود Robinhood، شراء جيم ستوب وغيرها من الأوراق المالية، مشيرة لاحقًا إلى عدم قدرتها على نشر ضمانات كافية في غرف المقاصة لتنفيذ أوامر عملائها. وهو القرار الذي نتج عنه انتقادات واتهامات بالتلاعب بالسوق من سياسيين ورجال أعمال بارزين من مختلف الأطياف السياسية. كما تم رفع العشرات من الدعاوى القضائية الجماعية ضد روبن هوود في المحاكم الأمريكية. وأعلن ماكسين ووترز، رئيس لجنة الخدمات المالية بمجلس النواب الأمريكي، عن جلسة استماع في الكونجرس بشأن الحادثة بتاريخ 18 فبراير، ردًا على شركات السمسرة التي أوقفت شراء الأوراق المالية.

بداية الأزمة ما قبل 28 يناير

بدأت بوادر الأزمة بمنتصف يناير 2021 داخل أحد الموضوعات الفرعية بمنتديات ريديت، وهو موضوع متعلق بالتداول على وول ستريت اسمه Wallstreetbets وول ستريت بيتس، تم إنشاؤه بواسطة رواد الموقع. حيث بدأ من خلال مشاركات المستخدمين داخله تأسيس الخطة لعمل ضغط قصير على جيم ستوب، مما أدى إلى ارتفاع سعر السهم بشكل كبير. حدث هذا بعد فترة وجيزة من تعليق من Citron Research سيترون ريسيرش توقع فيه انخفاض قيمة الأسهم. ومن ثم ارتفع سعر السهم بمقدار 1500 في المائة بحلول 27 يناير، وتسبب تقلبه الكبير في توقف التداول عدة مرات. إذ وفقًا لبيانات السوق من داو جونز، تم تداول أكثر من 175 مليون سهم من جيم ستوب في 25 يناير فقط، متجاوزًا متوسط حجم التداول في 30 يومًا البالغ 29.8 مليون سهم. ولوحظ وقتها أن نسبة كبيرة من المضاربين المشاركين مستثمرون مراهقون صغار. وبالتزامن مع عمليات التداول، أدت الزيادة الناتجة في حجم الخيارات إلى حدوث ضغط نتيجة لحاجة صانعي السوق إلى شراء الأسهم تحوطًا.

وبعد إغلاق سهم جيم ستوب في 26 يناير بزيادة في سعره بلغت نسبتها 92.7% عن سعره في 25 يناير، قام رجل الأعمال إيلون ماسك بالتغريد على حسابه بتويتر بكلمة جيم ستونك Gamestonk، وهي تلاعب لفظي يعني قصف شركة جيم ستوب. كما أضاف رابط الموضوع الفرعي المسئول عن خطة المضاربين طوال الأيام الفائتة. وبسبب كثرة عدد المتابعين لإيلون ماسك الذي يتعدى الملايين، نتج عن هذه التغريدة ارتفاع قصير وحاد في سعر السهم إلى أكثر من 200 دولار.

وفي 27 يناير، تم حظر خاصية المراسلة والاتصال لبرنامج Discord ديسكورد الخاصة بالموضوع الفرعي بصورة مؤقتة. وذلك بسبب انتهاكه قيود الشركة المتعلقة بخطاب الكراهية. ومع ذلك، سرعان ما لجأ المستخدمون لاستخدام برامج أخرى لاستكمال الحديث والمناقشة حول استكمال المشاركة في عملية التداول. كما تسببوا في ضغط قصير مشابه على أسهم شركات AMC “إيه إم سي” وشركات أخرى لها وضع مماثل لشركة جيم ستوب، وهو ما زاد من قيمتها جميعًا بشكل كبير وفجائي.

ووفقًا لـBloomberg بلومبرج، تجاوزت أحجام التداول في الولايات المتحدة (حسب عدد الأسهم) في 27 يناير الذروة التي حدثت في أكتوبر 2008 أثناء الأزمة المالية. وأدى هذا تباعًا إلى الإبلاغ عن الاضطرابات والقيود التي تحدّ من التجارة في العديد من شركات السمسرة، مثل شركة Charles Schwab تشارلز شواب، وشركتها الفرعية تي دي أميري تريد TD Ameritrade، وكذلك شركة روبن هوود. 

وقف شراء الأسهم

واعتبارًا من 28 يناير 2021، كان أعلى سعر سهم خلال اليوم لجيم ستوب هو 483.00 دولارًا، أي ما يقرب من 190 ضعف أدنى سعر وصل إليه قبل 9 أشهر في أبريل 2020 بقيمة 2.57 دولارًا. وهو ما دفع شركة روبن هوود لوقف شراء أسهم شركات جيم ستوب ومسارح إيه إم سي  AMC Theaters، وبلاك بيري BlackBerry Limited المحدودة، ونوكيا Nokia Corporation، وغيرها من الأسهم المتقلبة من منصة التداول الخاصة بها. وسرعان ما حذت شركات السمسرة الأخرى حذوها. ثم قررت السماح بعمليات شراء محدودة للأوراق المالية المتأثرة اعتبارًا من اليوم التالي، على الرغم من أنه لم يكن من الواضح ما الذي تنطوي عليه تلك العمليات. ودفعت هذه التطورات العديد من المتداولين الغاضبين للدعوة إلى رفع دعاوى قضائية جماعية في العديد من مواضيع ريديت المنشورة بالمنتدى.

وفي 29 يناير، صرحت العديد من شركات السمسرة بأن القيود المنفذة كانت نتيجة قيام غرف المقاصة بجمع الضمانات المطلوبة لتنفيذ التداولات. إذ نظرًا لوجود فجوة مدتها يومان بين اللحظة التي يشتري فيها المستثمرون ورقة مالية ولحظة تبادل النقد والأوراق المالية فعليًا، يتعين على شركات السمسرة نشر الضمانات في غرف المقاصة لضمان التسوية المناسبة لأوامر عملائها. كما يجب أن يكون لدى غرف المقاصة ضمانات كافية في متناول اليد لتسوية المعاملات المعلقة للعضو في حالة فشل أي شركة عضو معينة، لمنع الفشل المتتالي للأعضاء الآخرين. ويمكن أن تطلب ضمانات إضافية من الأعضاء إذا بدأ تقلب السوق في الزيادة. وادعت شركات السمسرة أنه لا يمكن تقديم الضمانات المتزايدة في الوقت المناسب، ونتيجة لذلك، كان لا بد من وقف التداول.

واعتبارًا من 29 يناير، كانت شركة روبن هوود ما زالت تفرض قيودًا على تداول أسهم جيم ستوب وإيه إم سي وبلاك بيري مع زيادة تلك القيود في 30 يناير، أعلنت شركة روبن هوود أنها زادت القيود المفروضة على 13 سهم إلى 50 سهمًا. وشملت تلك الأسهم الجديدة شركات مثل رولز رويس القابضة Rolls-Royce Holdings، وستار باكس Starbucks Corporation. ولكن في يوم 31 يناير انخفض عدد الشركات المقيد التداول عليها إلى 8 فقط.

التأثير على أسواق وول ستريت وتداعيات الأزمة

مع بداية شهر فبراير، انخفض سعر سهم جيم ستوب بشكل كبير، حيث فقد أكثر من 80 في المائة من قيمة سعر الذروة خلال أول أسبوع بفبراير 2021. كما فقدت الأسهم 60 في المائة من قيمتها في 2 فبراير تحديدًا، لتغلق دون 100 دولار لأول مرة منذ بداية الأزمة. وقدرت التقارير أن حوالي 27 مليار دولار قد تم محوها. كما انخفضت قيمة الأصول الأخرى التي تأثرت بالضغط القصير ووضعت تحت قيود تداول الشركة، مثل أسهم إيه إم سي وبلاك بيري. وكان الانخفاض جزئيًا بسبب القيود التي فرضتها روبن هوود ووسطاء آخرون على عدد الأسهم التي يمكن لعملائهم شراؤها دفعة واحدة. وعلى الرغم من هذا التراجع، احتشد بعض مستخدمي الموضوع وول ستريت بيتس لإقناع المستخدمين الآخرين بالتمسك بالأسهم، بحجة إما أنها ستزيد في القيمة أو أن مثل هذا الإجراء سيرسل رسالة سياسية اعتراضية. ومع استمرار انخفاض أسعار الأسهم، عانى المستثمرون الذين احتفظوا بأسهمهم من خسائر كبيرة.

ويبدو أن الأضرار التي أصابت المضاربين الصغار من ناحية وشركات السمسرة الكبرى من ناحية أخرى، قد أدت إلى تراجع الثقة بصورة كبيرة في مجال الاستثمار بالبورصة الأمريكية، وذلك حسبما تشير الدراسات. ومن المتوقع أن تؤثر القضايا العديدة المرفوعة من جميع الأطراف على سوء الوضع الذي لم يتم السيطرة عليه بصورة كلية بعد، وسط حالة من الاحتقان السياسي الواضحة في محيط الولايات المتحدة الأمريكية. كما أنه من الممكن أن يتكرر هذا الموضوع مع عدم قدرة الكيانات المعنية بالتحكم أو وقف أي محاولة شبيهة مستقبلًا تجري من خلال وسائل التواصل الاجتماعي.

د. عمر الحسيني
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة