وحدة الدراسات الأفريقية

توسيع دائرة الحركة: نشاط الدبلوماسية الإثيوبية في سياق مضطرب

بدأ نائب رئيس مجلس الوزراء الإثيوبي ووزير الخارجية “ديميكي ميكونين” جولة خارجية في الخامس عشر من فبراير 2021، اتجه في بدايتها للعاصمة التركية أنقرة في زيارة استغرقت يومين، تلتها زيارة للعاصمة الهندية نيودلهي استمرت أربعة أيام. وتأتي هذه الجولة الخارجية في وقت تمر فيه إثيوبيا بعدد من مظاهر الاضطراب، فعلى المستوى الداخلي، هناك تأزم للأوضاع الإنسانية في إقليم تيجراي، واستمرار المناوشات مع عناصر جبهة تحرير تيجراي، خاصة في مناطق وسط الإقليم الوعرة.  وقد اجتمعت تداعيات الحرب في تيجراي مع أزمة انتشار فيروس كورونا لتفرض العديد من التحديات على اقتصاد البلاد الذي شهد تراجعًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة. أما على المستوى…

د. أحمد أمل
رئيس وحدة الدراسات الإفريقية

بدأ نائب رئيس مجلس الوزراء الإثيوبي ووزير الخارجية “ديميكي ميكونين” جولة خارجية في الخامس عشر من فبراير 2021، اتجه في بدايتها للعاصمة التركية أنقرة في زيارة استغرقت يومين، تلتها زيارة للعاصمة الهندية نيودلهي استمرت أربعة أيام. وتأتي هذه الجولة الخارجية في وقت تمر فيه إثيوبيا بعدد من مظاهر الاضطراب، فعلى المستوى الداخلي، هناك تأزم للأوضاع الإنسانية في إقليم تيجراي، واستمرار المناوشات مع عناصر جبهة تحرير تيجراي، خاصة في مناطق وسط الإقليم الوعرة. 

وقد اجتمعت تداعيات الحرب في تيجراي مع أزمة انتشار فيروس كورونا لتفرض العديد من التحديات على اقتصاد البلاد الذي شهد تراجعًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة. أما على المستوى الخارجي، فتواجه إثيوبيا أزمة متصاعدة مع السودان نتيجة تأجج التوترات في منطقة الفشقة مع تبادل الجانبين التصعيد العسكري، ودخول مفاوضات سد النهضة مرحلة متقدمة من التعقيد في ظل الإخفاق المتكرر لمسار التفاوض. على هذا عولت الحكومة الإثيوبية على زيارة وزير خارجيتها لتركيا والهند في تحقيق أهداف متعددة تساعدها في تجاوز الأوضاع المضطربة التي تمر بها في الوقت الحالي.

مسار الجولة الخارجية

خلال لقاء وزير الخارجية الإثيوبي “ديميكي ميكونين” نظيرَه التركي “مولود جاوش أوغلو” عبر الجانبان عن قوة العلاقات الدبلوماسية بين الجانبين، والتي تمتد لأكثر من قرن من الزمان، وذلك على هامش حفل افتتاح المبنى الجديد للسفارة الإثيوبية في أنقرة. كما جرى خلال الزيارة بحث الاستعداد لقمة الشراكة الثالثة بين تركيا والاتحاد الإفريقي والتي ستعقد في تركيا خلال العام الجاري. ويأتي هذا الاهتمام الكبير من الجانبين بتعزيز العلاقات الثنائية في وقت ارتفع خلاله حجم التبادل التجاري بين تركيا وإثيوبيا خلال العامين الماضيين بقيمة 200 مليون دولار لتبلغ قيمته الإجمالية في العام الأخير 650 مليون دولار، فضلًا عن انخراط أكثر من مائتي شركة تركية في العمل في إثيوبيا، الأمر الذي جعل من تركيا المستثمر الثاني في إثيوبيا بعد الصين التي تبلغ استثماراتها الإجمالية في إثيوبيا نحو مليارين ونصف مليار دولار أمريكي، وذلك وفق تصريحات أعلنها مؤخرًا “بيرق آلب” السفير التركي في أديس أبابا. 

وبعيدًا عن الجانب الاقتصادي، تزيد أهمية الزيارة نتيجة التطورات السياسية الأخيرة التي تشهدها الصومال في ظل كون الرئيس الصومالي المنتهية ولايته “محمد عبدالله فرماج” حليفًا مشتركًا للنظامين التركي والإثيوبي، حيث افتتحت في عهده القاعدة العسكرية التركية في مقديشيو، بينما يعول عليه رئيس الوزراء الإثيوبي “آبي أحمد” في دعم مشروعه الإقليمي، الأمر الذي كشف عنه انخراط عناصر صومالية في المعارك التي دارت في إقليم تيجراي. لكن التوترات الحادة التي تشهدها العاصمة الصومالية مقديشيو مؤخرًا في ظل تصعيد المعارضة الضغط من أجل تنظيم الانتخابات قد تجعل مصالح البلدين في موضع الخطر حال اضطرار “فرماجو” لإجراء الانتخابات وخسارته إياها نتيجة السخط الشعبي المتنامي تجاه سياساته الداخلية والخارجية في سنوات حكمه الخمس.

كما كان للزيارة ارتباطات مهمة بملف العلاقات المتوترة بين إثيوبيا والسودان على خلفية النزاع الحدودي المتصاعد في منطقة الفشقة السودانية، وكذا المواقف الإثيوبية المتعنتة في مفاوضات سد النهضة. فخلال المؤتمر الصحفي الذي عقده “دينا مفتي” المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية في أديس أبابا، بالتوازي مع تواجد وزير الخارجية في أنقرة، صرح بأن بلاده سوف تستجيب لأي مبادرة للوساطة من جانب الحكومة التركية لتسوية النزاع الحدودي مع السودان. ولا تجد هذه التصريحات فرصة كبيرة للتحقق على أرض الواقع، حيث فقدت تركيا الكثير من نفوذها في السودان بسقوط نظام الرئيس السابق “عمر البشير” في أبريل من عام 2019، فضلًا عن تناقض تصريحات المسئول الإثيوبي مع ما كررته مصادر رسمية إثيوبية مرارًا بشأن تفضيلها الالتزام بمبدأ الحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية فيما يتعلق بنزاعها مع السودان.

وفي أعقاب اختتام زيارته لأنقرة توجه “ديميكي ميكونين” إلى العاصمة الهندية نيودلهي في زيارة طويلة نسبيًا امتدت لأربعة أيام قام خلالها بعقد لقاء مع وزير الشئون الخارجية الهندي “سوبراهاماتيام جاشانكار” وتبادل وجهات النظر بشأن عدد من القضايا محل الاهتمام المشترك. وقد شهد اللقاء إعراب الجانبين عن تقديرهما للنمو الذي يشهده حجم التبادل التجاري بين إثيوبيا والهند، والدور المتزايد للشركات الهندية في الاستثمار في قطاعات متعددة في إثيوبيا، خاصة في المجالات المتعلقة بنقل التكنولوجيا والمعرفة، وذلك بعد أن بلغ عدد الشركات الهندية العاملة في إثيوبيا أكثر من 600 شركة.

 وقد شهدت الزيارة افتتاح وزيري خارجية الهند وإثيوبيا مبنى السفارة الإثيوبية الجديد في نيودلهي، كما شهدت الزيارة مناقشة الاستعدادات الجارية لعقد قمة منتدى الهند-إفريقيا India-Africa Forum Summit  التي عُقدت دورتها الأولى في أبريل من عام 2008 في العاصمة الهندية نيودلهي قبل أن تعقد الدورة الثانية في العاصمة أديس أبابا في عام 2011 والثالثة في نيودلهي في عام 2015 والتي كانت دورة الانعقاد الأخيرة. وبعيدًا عن الجوانب البروتوكولية للزيارة، أشارت وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية Ethiopia News Agency (ENA) إلى أن الزيارة شهدت توقيع مذكرة تفاهم بين مجلس البحوث العلمية والصناعية في الهند و”مؤسسات عليا” في إثيوبيا.

دوافع متعددة

في ظل الندرة الملحوظة للنشاط الخارجي لإثيوبيا منذ اندلاع الصراع في إقليم تيجراي في نوفمبر الماضي، كان من المتوقع أن يتجه وزير الخارجية الإثيوبي في جولته الأخيرة لعدد من الدول الرئيسية الأكثر قدرة على مساعدة إثيوبيا في تجاوز مشكلاتها الداخلية والخارجية، كالولايات المتحدة أو أوروبا. لكن العديد من العوامل شكّلت دوافع كافية لأن يتوجه “ديميكي ميكونين” لأنقرة ونيودلهي في هذا التوقيت. ومن بين أبرز هذه العوامل:

1- العلاقات المتأزمة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي

تشهد إثيوبيا تراجعًا مطردًا لأهميتها النسبية للسياسة الأمريكية في القرن الإفريقي منذ سنوات. ففي مطلع عام 2016 أعلنت الولايات المتحدة إنهاء تواجد عناصرها في قاعدة أربا مينش Arba Minch في جنوب إثيوبيا، والتي كانت تعد مركزًا رئيسيًا لإطلاق هجمات الطائرات المسيرة على أهداف تتبع تنظيم “الشباب المجاهدين” داخل الصومال، وذلك مع اتجاه الولايات المتحدة للاعتماد بصورة أكبر على قواعدها في مواقع أخرى أكثر أهمية ككينيا وجيبوتي والصومال نفسها. وبمرور الوقت تجسد هذا التراجع في مظاهر متعددة كان أهمها إعلان إدارة الرئيس “ترامب” تعليق نسبة من المساعدات الأمريكية السنوية لإثيوبيا نظرًا لموقفها المتعنت في مفاوضات سد النهضة، في وقت عانى فيه الاقتصاد الإثيوبي من مشكلات متفاقمة. 

وعلى الرغم من تعويل الحكومة الإثيوبية على وصول إدارة جديدة للسلطة في الولايات المتحدة في تغيير مسار السياسات الأمريكية بصورة جذرية، جاءت تصريحات المتحدث باسم الخارجية الأمريكية “نيد برايس” في التاسع عشر من فبراير 2021 لتتبنى منطق “فك الارتباط” بين تعليق المساعدات الأمريكية لإثيوبيا وبين سياسة إثيوبيا تجاه مفاوضات سد النهضة، لكن مع إعادة تقييم عملية إنهاء تعليق المساعدات البالغ قيمتها 272 مليون دولار وفق عدد من العوامل التي سيتم مناقشتها مع حكومة أديس أبابا، وذلك في إشارة واضحة للأزمة السياسية والإنسانية التي تشهدها إثيوبيا منذ اندلاع الصراع في إقليم تيجراي في نوفمبر الماضي. 

وتضاف هذه الجهود للقانون رقم 128 الصادر في العاشر من أبريل من عام 2018 والذي يحمل اسم “دعم احترام حقوق الإنسان وتشجيع الحوكمة الشاملة في إثيوبيا” والذي صدر بالأساس لدعم حكومة “آبي أحمد” الجديدة بعد أيام من تنصيبها؛ إلا أنه يمكن تطبيقه في الوقت الحالي لمحاسبة المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان في إثيوبيا في أقاليم تيجراي وأوروميا وبني شنقول-جوموز، وفرض عقوبات دولية وفق قانون ماجنيتسكي للمساءلة بشأن حقوق الإنسان عالميًا، الأمر الذي تعززه توجهات الرئيس “بايدن”، وسيطرة الأغلبية الديمقراطية على الكونجرس.

ولم يقتصر الموقف الأمريكي على مجرد تعليق المساعدات، بل تعالت الأصوات في دوائر القرار الأمريكية المطالبة بتوقيع عقوبات مباشرة على الحكومة الإثيوبية، حيث قام اثنان من أعضاء مجلس الشيوخ في ديسمبر الماضي بمطالبة الحكومة الأمريكية بتوقيع عقوبات على أي مسئول إثيوبي مدني أو عسكري يثبت تورطه في انتهاكات حقوق الإنسان خلال الصراع في تيجراي، وهو الموقف الذي قد يحظى بدعم متزايد عابر للتباينات الحزبية بعد أن تقدم به السيناتور الديمقراطي “بن كاردين”، والجمهوري “جيم ريتش”. 

ولم تكن علاقات إثيوبيا مع الاتحاد الأوروبي أفضل حالًا، حيث أصدر في منتصف يناير 2021 قرارًا بتعليق مساعدات للحكومة الإثيوبية تبلغ قيمتها 107 ملايين دولار أمريكي لحين منح المنظمات الإغاثية الحق في دخول إقليم تيجراي للوقوف على الأوضاع بصورة مباشرة، وتقديم المساعدات للمتضررين من الصراع، ذلك بعد أن اعتبر “جوزيب بوريل” -الممثل السامي للاتحاد الأوروبي للشئون الخارجية- ما قامت به الحكومة الإثيوبية في إقليم تيجراي يتجاوز بصورة كبيرة كونه مجرد عملية لفرض القانون بعد أن شكل مصدرًا لتهديد استقرار الإقليم، مشيرًا لتلقيه تقارير بشأن عنف إثني وقتل جماعي قد ترتقي لمستوى جرائم الحرب. هذه التصريحات وغيرها تسببت في نشوب أزمة علنية بين الاتحاد الأوروبي والحكومة الإثيوبية بعد اعتبرت الخارجية الإثيوبية في بيان رسمي مواقف الاتحاد الأوروبي غير متوازنة ولا تعكس الواقع.

2- محاولة معادلة آثار التغير المحتمل في العلاقة مع الصين

يأتي الانفتاح الإثيوبي الأخير على الهند في ظل التنافس المحتدم بين الهند والصين في منطقة المحيطين الهندي والهادي Indo-Pacific Region الذي امتد إلى البحر الأحمر والقرن الإفريقي بعد حصول الهند على حق استخدام القاعدة العسكرية اليابانية في الوقت الذي تستضيف فيه جيبوتي قاعدة عسكرية صينية منذ عام 2017. هذا التنافس بين الهند والصين شكل فرصة جديدة للسياسة الخارجية الإثيوبية للتحرر من النفوذ الصيني المتنامي منذ نحو ثلاثة عقود، خاصة مع كون الصين الدائن الرئيسي لإثيوبيا بما تفوق قيمته 50% من إجمالي الدين الخارجي للبلاد، وهو الأمر الذي يحمل أهمية خاصة في ظل تذبذب مؤشرات العلاقة بين البلدين خاصة منذ اندلاع الصراع في إقليم تيجراي، الأمر الذي دفع الصين لسحب شركتيها China Gezhouba Group وكذلك China CAMC Engineering من إقليم تيجراي، والذي تعد المنطقة الصناعية الصينية في عاصمته ميكيلي مركزًا صناعيًا رئيسيًا على مستوى إثيوبيا بأسرها.

وفي العاشر من فبراير 2021 أجرى وزير الخارجية الصيني “وانج يي” اتصالًا هاتفيًا بنظيره الإثيوبي حمل رسائل مختلطة، بين الإعلان عن تقديم الصين مساعدات طبية لإثيوبيا في مجال مكافحة فيروس كورونا تضمنت كمية من اللقاحات المضادة للفيروس، وبين إصرار المسئول الصيني على التعبير عن تطلع بلاده لاستعادة السلم والاستقرار في إثيوبيا، و”توقعها” استعادة إقليم تيجراي الحياة والإنتاج بصورة طبيعية، مع التشديد على أهمية عقد حوار شامل للحفاظ على الوحدة الوطنية في وقت مبكر، وهي المطالب التي سبق وأن أعلنت السلطات الإثيوبية رفضها الانصياع لها مرارًا عبر العديد من المسئولين في مقدمتهم رئيس الوزراء ووزير الخارجية. هذا التأكيد المتجدد من جانب الصين على أهمية احتواء التوترات في إقليم تيجراي يأتي نتيجة للدور المهم الذي لعبته جبهة تحرير تيجراي في تعزيز العلاقات الإثيوبية الصينية على مختلف الأصعدة، الأمر الذي يفاقم من استيائها من بعض الممارسات تجاه “أصدقائها القدامى”، مثل مقتل “سيوم مسفين” وزير الخارجية الإثيوبي بين عامي 1991 و2010، والذي تولى منصب سفير إثيوبيا في بكين بين عامي 2011 و2017.

3- الضغوط المتزايدة لأزمة الديون

تُعد زيارة نائب رئيس الوزراء الإثيوبي ووزير الخارجية لكل من تركيا والهند الإجراء العملي الأول التالي على إعلان إثيوبيا تقدمها لإعادة هيكلة ديونها الخارجية وفقًا للإطار الذي أعلنته مجموعة الدول العشرين في نوفمبر الماضي، والذي يسمح للدول المدينة بطلب المساعدة من صندوق النقد الدولي من أجل تعزيز اقتصادها، والسماح بإعادة التفاوض بشأن ديونها الخارجية المستحقة لدى الدائنين من الدول والهيئات الخاصة. لكن اللافت أن هذه الدعوة الإثيوبية لإعادة هيكلة ديونها لم تلقَ استجابة تُذكر من أي طرف دولي في ظل المخاوف الدولية من مشكلات هيكلية تتعلق بسوء إدارة الاقتصاد، وتعثر برنامج الخصخصة لأسباب سياسية بالأساس، فضلًا عما يعانيه الاقتصاد الإثيوبي من انعدام في الشفافية في ظل هيمنة الحكومة على تدفق المعلومات المتعلقة بالاقتصاد. 

على هذا لعبت أزمة الدين الخارجي التي تعاني منها الحكومة الإثيوبية دورًا رئيسيًا في اختيار أنقرة ونيودلهي كوجهتين للنشاط الخارجي، وذلك في ظل كون الدولتين أكبر دائنين للحكومة الإثيوبية من خارج نادي باريس بعد الصين. فقد بلغ حجم الديون الإثيوبية المستحقة لصالح تركيا قرابة 300 مليون دولار، بينما بلغت ديونها المستحقة لصالح الهند أكثر من 40 مليون دولار. هذا بالإضافة للأهمية الكبيرة للدولتين في تعزيز الاستثمار الأجنبي المباشر في إثيوبيا والذي يشهد تراجعًا مطردًا منذ عام 2016، بحيث تدنت القيمة الإجمالية للاستثمارات الأجنبية المباشرة في عام 2019 عنها في عام 2010 بأكثر من مليار دولار بعد أن تراجعت من 4.1 مليارات دولار إلى 3.01 مليارات دولار خلال هذا العقد.

4- تأثير تغيرات الداخل الإثيوبي

عكست الحرب التي أعلنتها الحكومة الفيدرالية الإثيوبية على جبهة تحرير تيجراي تحولات كبرى على مستوى التوازنات الداخلية في بنية الحكم في إثيوبيا. فمع وصوله للسلطة في أبريل من عام 2018، قدم “آبي أحمد” نفسه كقائد يتبنى مشروعًا سياسيًا لتجاوز الانقسامات الإثنية في البلاد بعد أن سيطرت جماعة تيجراي على الثروة والسلطة منذ مطلع تسعينيات القرن العشرين. لكن الصراع الذي بدأ في إقليم تيجراي في الرابع من نوفمبر الماضي جسد التغيرات الكبيرة التي طرأت على توجهات “آبي أحمد” الذي أصبح أكثر اعتمادًا على جماعة الأمهرة كظهير سياسي شبه حصري. فمع إعلان الحرب في تيجراي، اتخذت عدة قرارات ساهمت في تصعيد رموز النخبة السياسية الأمهرية للمواقع الأكثر حساسية في الحكومة الفيدرالية. ومن بين مظاهر هذا التوجه جمع “ديميكي ميكونين” بين منصبه كنائب لرئيس مجلس الوزراء وبين منصب وزير الداخلية، فضلًا عن تعيين “تيمسجين تيرونه” رئيس حكومة إقليم أمهرة مديرًا جديدًا لجهاز المخابرات والأمن الوطني. واللافت أنه منذ تعيينه وزيرًا جديدًا للخارجية، مارس “ديميكي ميكونين” صلاحيات موسعة جاءت على حساب الدور الخارجي النشط الذي كان يلعبه “آبي أحمد” في فترات سابقة.

فمن ناحية، لم يقم “آبي أحمد” بأي نشاط خارجي يذكر منذ اندلاع الصراع في تيجراي باستثناء زيارته لجيبوتي للمشاركة في قمة إيجاد التي خصصت لمناقشة ملفات عدة أبرزها ملف الصراع في تيجراي نفسه، فضلًا عن زيارته مدينة مويالي الكينية الواقعة على الحدود مع إثيوبيا لافتتاح طريق بري، وهي الزيارة التي كانت دوافعها داخلية بالأساس في ظل تنامي أعمال العنف في إقليم أوروميا الإثيوبي المجاور لكينيا. وفي المقابل، باشر “ديميكي ميكونين” منذ توليه مهام وزارة الخارجية استقبال عدد من الموفدين الدوليين لأديس أبابا، مثل “بيما هافيستو” وزير الخارجية الفنلندي ومبعوث الاتحاد الأوروبي، ومن قبله وزير الخارجية البريطاني “دومينيك راب”. 

على هذا النحو، جاء تولي “ديميكي ميكونين” لملف علاقات إثيوبيا الخارجية ليعكس شكلًا من أشكال الارتداد عن سياسات “آبي أحمد” في شهور حكمه الأولى والتي اتسمت بالأساس بالرغبة في تقديم نفسه للعالم الغربي كقائد إصلاحي يتبنى سياسات ليبرالية في شقيها السياسي والاقتصادي، مما يؤهل إثيوبيا للتوجه غربًا، الأمر الذي تجسد في زياراته المبكرة في عام 2018 للولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا. ونظرًا لكون “ميكونين” أحد القادة التقليديين للجبهة الديمقراطية الثورية بعد أن كان عضوًا دائمًا في الحكومات المتعاقبة منذ عام 2008 تحت رئاسة “ميليس زيناوي”، فقد عكست سياسات “ميكونين” محاولة لمحاكاة الخطوط العريضة للسياسة الخارجية الإثيوبية خلال العقدين الماضيين والتي أثبتت نجاحها في دعم التنمية في الداخل من دون تحمل التكلفة المرتفعة للمشروطيات السياسية التي قد تلزم الحكومة بإصلاحات قد تراها “غير ضرورية”. وفي ظل اضطراب العلاقة مع الصين مؤخرًا، مثلت تركيا والهند وجهتين منطقيتين تتسقان مع منطق تعزيز الشراكات الدولية المفيدة اقتصاديًا وغير المكلفة سياسيًا.

وإجمالًا، على الرغم من عدم تحقيق جولة وزير الخارجية الإثيوبي لتركيا والهند اختراقات كبرى في أي من القضايا الرئيسية التي تواجهها الحكومة الإثيوبية حاليًا في الداخل والخارج؛ تأتي أهمية هذه الزيارة لما تكشف عنه من انخراط الحكومة الإثيوبية في عملية جادة وعميقة لإعادة تقييم علاقاتها الخارجية بعد أن تصاعدت أزماتها في جوارها الإقليمي بصورة حادة بما أثر سلبًا على علاقاتها بأطراف دولية متعددة.

د. أحمد أمل
رئيس وحدة الدراسات الإفريقية