وحدة الدراسات العربية والإقليمية

محطة حاسمة: قانون الانتخابات التشريعية الجزائرية

في أعقاب عودة الرئيس الجزائري “عبدالمجيد تبون”، نهاية ديسمبر 2020، بعد غياب دام قرابة الشهرين لتلقي العلاج في ألمانيا، أُعيد طرح قانون الانتخابات الجديد مرة أخرى وذلك في إطار التحضيرات المختلفة لإجراء انتخابات تشريعية ومحلية مبكرة، وهو الأمر الذي يُمثل ركنًا رئيسيًا في خارطة الطريق التي وضعتها الإدارة الحالية نتاجًا لمسار التحول الديمقراطي وتحقيقًا لمطالب الحراك الشعبي الجزائري. وتحقيقًا لهذا الغرض فقد كَلّف الرئيس “تبون” في التاسع عشر من سبتمبر 2020 لجنة وطنية برئاسة السيد أحمد لعرابة، العضو في لجنة القانون الدولي بالأمم المتحدة، لإعداد مشروع مراجعة القانون المتعلق بالنظام الانتخابي. واستكمالًا لهذا المسار وفي أعقاب الانتهاء من إعداد القانون…

عبد المنعم على
باحث بوحدة الدراسات العربية والإقليمية at

في أعقاب عودة الرئيس الجزائري “عبدالمجيد تبون”، نهاية ديسمبر 2020، بعد غياب دام قرابة الشهرين لتلقي العلاج في ألمانيا، أُعيد طرح قانون الانتخابات الجديد مرة أخرى وذلك في إطار التحضيرات المختلفة لإجراء انتخابات تشريعية ومحلية مبكرة، وهو الأمر الذي يُمثل ركنًا رئيسيًا في خارطة الطريق التي وضعتها الإدارة الحالية نتاجًا لمسار التحول الديمقراطي وتحقيقًا لمطالب الحراك الشعبي الجزائري.

وتحقيقًا لهذا الغرض فقد كَلّف الرئيس “تبون” في التاسع عشر من سبتمبر 2020 لجنة وطنية برئاسة السيد أحمد لعرابة، العضو في لجنة القانون الدولي بالأمم المتحدة، لإعداد مشروع مراجعة القانون المتعلق بالنظام الانتخابي. واستكمالًا لهذا المسار وفي أعقاب الانتهاء من إعداد القانون الانتخابي، صدق “تبون” في منتصف يناير 2021 على توزيع تلك المسودة على الأحزاب السياسية لإثرائها بالنقاش المجتمعي، وإبداء الرأي والمقترحات فيها، وذلك في مدة تبلغ 10 أيام قبيل التصديق عليها من مجلس الوزراء وغرفتي البرلمان.

أبرز ملامح قانون الانتخابات

شهد قانون الانتخابات تعديلات جذرية بلغت نحو 188 تعديلًا من بين 313 مادة تضمنها ذلك القانون، وطغى على تلك التعديلات بُعد المبادئ والقيم العامة التي تستهدف بصورة رئيسية محاربة الفساد من خلال ما تضمنه من بنود رئيسية تتعلق بمراقبة تمويل الحملة الانتخابية وعملية التصويت، وبرز ذلك بصورة كبيرة في تضمين نص القانون الجديد للمرة الأولى نصًا لتشكيل لجنة مستقلة تتبع هيئة الانتخابات تتجلى مهامها في مراقبة الأخلاق العامة والتسيير الشرعي للدولة.

غير أن هناك عددًا من البنود التي لاقت جدلًا واسعًا في خضم هذا الملف، تمثلت في إبقاء قانون الانتخابات المقترح على عتبة 4% من الأصوات المعبر عنها للأحزاب السياسية المختلفة أو التي لا تمتلك 10 منتخبين في البرلمان أو المجالس المحلية. وفي الحالة التي لا يتوافر فيها هذا الشرط يتوجب على الأحزاب جمع 50 توقيعًا عن كل مقعد مطروح في العملية الانتخابية. وفي الإطار ذاته حدد القانون الجديد نسبة 5% (بدلًا من 7% في القانون القديم) على الأقل من الأصوات المعبر عنها في الاقتراع عند توزيع المقاعد وإقصاء القوائم التي لا تجتاز تلك النسبة، وذلك لتحقيق قدر من التماسك والانسجام بين الكتل المختلفة داخل المجالس النيابية.

وقد ظهرت أبرز ملامح قانون الانتخابات الجديد في أربعة متغيرات رئيسية، تمثل أولها في إشراف لجنة مستقلة للانتخابات على قوائم المرشحين، وإبداء الرأي في تلك القوائم، سواء أكان بالموافقة أو الرفض، مع إتاحة ضمانات في حال رفض الترشح من جانب تلك الهيئة، وذلك عبر تقديم طعن أمام المحاكم الإدارية، وهذا أول تحول نوعي في ضوء الحديث عن القانون المنظِّم للعملية الانتخابية، يستهدف بصورة كبيرة نقل ملف إدارة العملية الانتخابية من وزارة الداخلية إلى تلك اللجنة المستقلة. بينما ظهر المتغير الثاني في هذا القانون في متن المادة (87) التي تستهدف بصورة كبيرة وضع حد كبير للتمويلات المختلفة للحملات الانتخابية في كافة الاستحقاقات الدستورية، حيث نصت تلك المادة على حظر تلقي أي هبات نفدية أو عينية أو أي مساهمة أخرى بصفة مباشرة أو غير مباشرة من أي دولة أجنبية أو شخص طبيعي أو معنوي من جنسية أجنبية.

أما المُتغير الثالث في هذا القانون فقد تمثّل في العودة للاقتراع النسبي مرة أخرى، وإلغاء العمل بنظام القائمة المفتوحة، وعدم إلزام الناخب باختيار قائمة بعينها، بل فتح المجال واسعًا أمام الناخب الجزائري للتصويت على أي مرشح في القائمة الانتخابية أو ما يُعرف باسم “التصويت التفضيلي” وهي إحدى المواد الخلافية التي لاقت اعتراضًا واسعًا من جانب عدد من الأحزاب السياسية أبرزها حزب “جبهة التحرير” الحاكم سابقًا إبان الرئيس “بوتفليقة”.

وظهر المتغير الرابع بصورة كبيرة فيما يتعلق بتضمين القانون نصًا للمناصفة بين الرجال والنساء في العملية الانتخابية، إلى جانب تخصيص نسبة للشباب في تلك العملية، حيث ألزم القانون الأحزاب وكذلك المستقلين بالمناصفة بين الرجال والنساء خلال إعداد القوائمة الانتخابية، باستنثاء البلديات التي يقل فيها عدد السكان عن 20 ألف نسمة، كما حملت التعديلات نصًا إلزاميًا بأن يكون ثلث المرشحين من الشباب دون سن 35 عامًا داخل القوائم الانتخابية.

أهداف متعددة

يحمل قنون الانتخابات الجديد في طياته جملة من الأهداف التي يسعى النظام الجزائري الجديد لتحقيقها، تتمثل في الآتي:

ضخ دماء جديدة في المؤسسة التشريعية: وذلك من خلال تخصيص كوتة للشباب داخل القوائم الانتخابية تتمثل في الثلث، علاوة على النص الرامي إلى تحقيق المساواة والمناصفة بين الرجال والنساء في تلك القوائم، وهو الأمر الذي يُعد مكسبًا سياسيًا هامًا للشريحة العريضة داخل المجتمع من الشباب، ويعد كذلك وسيلة نحو تمكين المرأة الجزائرية، ويحقق قدرًا من الخيارات الأوسع للناخبين كبديل لنظام المحاصصة السابق، علاوة على الارتقاء بمستوى التمثيل من خلال اشتراط القانون حتمية الحصول على مؤهل جامعي للانخراط في العملية الانتخابية في المجالس النيابية.

تحفيز مشاركة الشارع الجزائري: إن المتأمل لطبيعة التعديلات التي تضمنها قانون الانتخابات يجد أنها ارتكزت بصورة كبيرة على الجانب التعبوي للشارع السياسي من خلال المواد الجديدة التي تساهم في تحفيز المواطنين على التصويت أو الترشح، وذلك كهدف رئيسي لكسر حالة انعدام الثقة بين السلطة السياسية والمواطنين، والتي برزت بصورة كبيرة في حالة العزوف التي شهدها الاستحقاق الماضي في الاستفتاء على الدستور مطلع نوفمبر 2020، والذي شهد حالة عزوف غير مسبوقة وسجلت حينها أدنى نسب المشاركة بموجب 23% من إجمالي الناخبين، وهو ما يُجسد حالة من الفتور والتخبط حيال مسار الإصلاح الذي أطلقه الرئيس “عبدالمجيد تبون”.

ضبط العمل السياسي: وإحداث قطيعة كاملة مع ممارسات النظام السابق، وذلك من خلال القضاء على عملية الفساد وتغلغل المال السياسي، حيث إن أحد المتغيرات في ذلك القانون الرغبة الحقيقية لدى إدارة الرئيس “تبون” لتلاشي الأخطاء السابقة، وعلى رأسها وضع حد للفساد السياسي والمالي داخل العملية الانتخابية، وبرز ذلك بصورة كبيرة في التحول إلى فكرة الاقتراع النسبي كما أشرنا إليه أعلاه، والتي تقلل بصورة كبيرة من الفساد الانتخابي وبيع المراكز في قوائم الترشح مثلما حدث في انتخابات عام 2017، إلى جانب تقويض تغلغل المال السياسي في العملية الانتخابية، وتُفرز في نهاية المطاف مؤسسات ديمقراطية ذات مصداقية وكفاءة.

مواقف حزبية متباينة

منذ طرح القانون الجديد للنقاش الحزبي والمجتمعي، لإبداء الملاحظات المختلفة حول مشروع قانون الانتخابات الجديد خلال عشرة أيام قبل المصادقة عليه من مجلس الوزراء وغرفتي البرلمان، ومن ثم حل البرلمان والمجالس المحلية والدعوة لانتخابات مبكرة؛ تباينت ردود الأفعال الحزبية بشأن ذلك القانون وما تضمنه من تعديلات مختلفة، يمكن توضحيها في الآتي:

التأييد: أيّد عدد من الأحزاب مسودة المشروع الجديد، ويأتي على رأسها أحزاب الموالاة الداعمة لرئيس الجمهورية، التي رأت أن النمط الانتخابي الجديد يحقق قدرًا من النزاهة والشفافية، ويفتح المجال واسعًا أمام المشاركة والتنافس بين التكتلات السياسية والحزبية المختلفة، وهو ما يتسق مع توجه الجبهة الوطنية للحريات التي رفضت بصورة كبيرة المساعي المختلفة الرامية لتوحيد مطالب الأحزاب فيما يتعلق بإزالة المادة المتعلقة بالعتبة الانتخابية. ومن المفارقة في هذا الشأن، موقف حركة مجتمع السلم الذي يُعتبر أكبر الأحزاب الإسلامية في المشهد السياسي الجزائري والذي اتسق مع مواقف أحزاب الموالاة في تحول نوعي مستجد داخل البيئة السياسية، وذلك في ضوء اعتبار الحزب مشروع القانون بمثابة الفرصة الحقيقية للتنافس النزيه.

القبول الجزئي: أيدت نسبة كبيرة من الأحزاب الجزائرية القانون الجديد، إلا أنها تحفظت على البند الخاص بتحديد “العتبة الانتخابية” والتي كانت مصدرًا لإحداث تقارب بين عدد من الأحزاب، وبرز ذلك بصورة كبيرة في حالة التقارب بين حزب “جبهة التحرير الوطني” الحاكم سابقًا، وعدد آخر من الأحزاب من بينها حركة “البناء الوطني” و”التجمع الوطني الديمقراطي”، وذلك للمطالبة بإلغاء شرط العتبة الانتخابية وفتح باب المشاركة السياسية لكافة التيارات السياسية على قدم المساواة، مع حذف المادة المتعلقة بالمناصفة بين النساء والرجال في القوائم الانتخابية. وعلى الرغم من السابق فإن اللجنة المعنية بصياغة قانون الانتخابات قد وضعت هامشًا من المرونة للخروج من مأزق الرفض الحزبي لتلك المادة، وتمثلت في بدائل تتيح للأحزاب تجاوز عقبة “العتبة الانتخابية” والمتمثلة في حيازة الحزب عشرة منتخبين في المجالس المحلية والولائية في الولايات التي يُرشح فيها الحزب القوائم الخاصة به.

ولعل التطور الأهم هو انضمام بعض الأحزاب ذات الخلفية الإسلامية لقائمة الأحزاب المؤيدة جزئيًا للقانون، وتجلى ذلك في تقديم “حركة النهضة” مقترحاتها حول مسودة القانون، وتمثلت تلك المقترحات في وضع قانون واحد للسلطة الوطنية المستقلة والانتخابات معًا إلى جانب تقليل انخراط المال السياسي في العملية الانتخابية، مع إعادة النظر فيما يتعلق باشتراطات المناصفة بين الرجال والنساء في القوائم، وكذلك إلغاء فكرة العهدة السابقة في المجالس المنتخبة.

الرفض: تبنت العديد من القوى السياسية موقفًا متشددًا رافضًا لمشروع قانون الانتخابات الجديد، وبرز ذلك بصورة كبيرة في حالة التحفظ لدى التشكيلات السياسية المختلفة، والرفض في المشاركة حول المشاورات المختلفة لإثراء تلك المسودة، وجاء على رأس تلك القوى حزب “التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية” و”حزب العمال” و”جبهة القوى الاشتراكية”، وترى تلك القوى الحزبية أن تلك المسودة تُعتبر أحادية الجانب، ولم تستند إلى حالة توافق وطني، بجانب حزب “الحكم الراشد” الذي يرى في ذلك المشروع إجهاضًا لمسار التحول الديمقراطي، خاصة وأنه قد تضمن عددًا من المواد التي تتيح الفرصة مرة أخرى للأحزاب التقليدية بالتواجد على الساحة السياسية، والعودة مرة أخرى للوضع كما كان عليه إبان حكم الرئيس السابق “عبدالعزيز بوتفليقة”.

مجمل القول؛ يُعد تعديل قانون الانتخابات وما يتبعه من حل البرلمان والمجالس المحلية تمهيدًا لإجراء انتخابات تشريعية ومحلية مبكرة أبرز الأولويات المطروحة خلال العام الثاني من ولاية الرئيس “عبدالمجيد تبون” والتي تشكل محطة حاسمة، يُحدد من خلالها معالم الدولة الجزائرية الجديدة التي جمعت بين طموح ومتطلبات الحراك الشعبي، وكذلك الوعود الانتخابية التي أطلقها “تبون” خلال حملته الانتخابية، بحيث تعد فرصة حقيقية نحو استعادة الاستقرار السياسي بصورة كاملة.

عبد المنعم على
باحث بوحدة الدراسات العربية والإقليمية at