وحدة الدراسات الأمريكية

الموقف التركي من عودة الاتفاق النووي الإيراني مع الولايات المتحدة

رحبت تركيا بصورة رسمية بالتوصل للاتفاق النووي مع إيران والاتحاد الأوروبي ومجموعة الدول (الولايات المتحدة – روسيا – الصين)، 14 يوليو 2015. حيث أصدرت الخارجية التركية -وقتئذ- بيانًا هنأت فيه الأطراف المعنية على جهودهم التي أدت إلى إمكانية التوصل إلى هذه النتيجة. وحينما انسحب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في مايو 2018، عارضت تركيا رسميًا هذا الانسحاب الأحادي، معتبرةً إياه “خطوة مؤسفة”. كما جاء في بيان الخارجية التركية “أن الاتفاق النووي مع إيران الذي تم التوصل إليه في عام 2015 أظهر أنه يمكن إيجاد حل لأصعب المسائل عبر المفاوضات، وأنه بمثابة خطوة مهمة اتُّخذت لمنع انتشار الأسلحة النووية”. وبعد وصول…

محمد حسن

رحبت تركيا بصورة رسمية بالتوصل للاتفاق النووي مع إيران والاتحاد الأوروبي ومجموعة الدول (الولايات المتحدة – روسيا – الصين)، 14 يوليو 2015. حيث أصدرت الخارجية التركية -وقتئذ- بيانًا هنأت فيه الأطراف المعنية على جهودهم التي أدت إلى إمكانية التوصل إلى هذه النتيجة. وحينما انسحب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في مايو 2018، عارضت تركيا رسميًا هذا الانسحاب الأحادي، معتبرةً إياه “خطوة مؤسفة”. كما جاء في بيان الخارجية التركية “أن الاتفاق النووي مع إيران الذي تم التوصل إليه في عام 2015 أظهر أنه يمكن إيجاد حل لأصعب المسائل عبر المفاوضات، وأنه بمثابة خطوة مهمة اتُّخذت لمنع انتشار الأسلحة النووية”. وبعد وصول إدارة بايدن للبيت الأبيض، عبّر وزير الخارجية التركي تشاووش أوغلو، عن أمله في عودة إدارة بايدن للاتفاق النووي مع إيران. وجاء ذلك في مؤتمر صحفي مع نظيره الإيراني في إسطنبول، 29 يناير الماضي. وقال أوغلو: “نأمل في عودة إدارة بايدن إلى الاتفاق النووي، ورفع إجراءات الحصار عن إيران الشقيقة”.

وقد عكست المواقف الرسمية التركية حيال التحولات في المسارات الإجرائية للاتفاق النووي تأييدًا عريضًا من صناع القرار في أنقرة للتوصل لاتفاق ملزم مع إيران لبرنامجها النووي، انطلاقًا من عدة دفوع متأصلة في العلاقات الثنائية بين أنقرة وطهران.

أسباب التأييد التركي

يمكن إجمال أبرز دوافع التأييد التركي لعودة العمل بالاتفاق النووي مع إيران فيما يلي

مخاوف تركيا من امتلاك إيران للسلاح النووي: حيث تخشى تركيا من اختلال موازين القوى بينها وبين جارتها التاريخية إيران، بما يدفع بتهديد الحفاظ على مكاسبها الاستراتيجية التي حققتها خلال العقد الماضي، وخاصة في الميدان السوري والتسلل لجنوب القوقاز عبر البوابة الأذرية والسعي الحثيث لامتلاك أوراق ضغط على إيران رغم أُطر التفاهم بينهما. فضلًا عن الانعكاسات السلبية على التوازن في المنطقة برمتها؛ إذ هدد الأمير محمد بن سلمان في مارس 2018، خلال لقاء مع شبكة “سي بي إس” الأمريكية، بامتلاك السعودية للسلاح النووي إذا توصلت إيران للقنبلة النووية.

تعطيل قنوات التنسيق الاستراتيجي مع إيران: إذ تتخوف أنقرة من عرقلة أو تعطيل قنوات التنسيق مع طهران في أهم الملفات الإقليمية “سوريا – العراق – ليبيا”. ففي ظل عقوبات أمريكية مفروضة على طهران، واستمرار مستويات التنسيق الاستراتيجي بين أنقرة وطهران، فقد يدفع ذلك العلاقات الأمريكية التركية نحو التدهور، وتباعًا قد تتأثر جهود رأب الصدع في أوروبا “الاتحاد الأوروبي – حلف الناتو”.

تأمين إمدادات الطاقة وتنويع مصادرها: حيث تحاول أنقرة الفكاك من الاعتماد على موارد الطاقة الروسية لتوسيع هامش مناورتها وحركتها في الملفات التي تتشابك مع موسكو ومصالحها. إذ تعتبر موسكو المزود الأول لتركيا لاحتياجاتها من الغاز الطبيعي، بنسبة 58% من إجمالي الواردات. فيما تعتبر إيران ثاني أكبر مصدر للغاز الطبيعي لتركيا بنحو 11 مليار متر مكعب سنويًا بما يمثل نحو 20% من إجمالي الواردات. 

تجدد النظرة الأمريكية

تلاقت وجهات النظر التركية مع نظيراتها الأمريكية في الاتفاق على العودة للاتفاق النووي الإيراني، بالرغم من تصاعد الأصوات الرسمية القائلة بضرورة العودة ضمن شروط إضافية محددة للاتفاق النووي، وكانت تصريحات أوغلو وآماله لا تختلف عن آمال الرئيس الأمريكي جو بايدن، حيث أعلن خلال حملته الانتخابية تمسكه بالاتفاق النووي مع إيران، كما عيّن بايدن “روبرت مالي” مبعوث الولايات المتحدة لإيران، في خطوة رحبت بها الدوائر السياسية في إيران، كون “مالي” قد لعب دورًا مهمًا عندما انضم إلى إدارة أوباما الثانية، في مفاوضات 2015 مع إيران، قبل أن يتنحى الشهر الماضي كرئيس لمجموعة الأزمات الدولية، وينشر ما يرقى إلى خارطة طريق للتفاوض مع طهران، وهو نهج يبدو أن فريق بايدن يتبناه الآن، ولكن الرغبة الأمريكية في التعامل مع إيران وفق خطة العمل المشتركة الموقعة 2015، لا تعكس سهولة مسار العودة، بل ثمة عراقيل واضحة أمام تحقيق ذلك، ويمكن عرضها كالتالي:

إصرار إدارة بايدن على عدم رفع العقوبات قبل التزام إيران بالشروط التي تعهدت بها في اتفاق عام 2015، حيث قال الرئيس جو بايدن في أحدث مقابلة تلفزيونية له، 7 فبراير 2021، لن نرفع العقوبات على إيران لإعادتها إلى طاولة المفاوضات.

تعنت إيراني، حيث حدد المرشد علي خامنئي شرط إيران للعودة عن خفض التزاماتها في الاتفاق النووي، وهو “إلغاء كافة العقوبات” المفروضة على إيران. وأكد هذا الشرط وزير الخارجية محمد جوار ظريف في لقائه التلفزيوني مع محطة “سي إن إن” الأمريكية، 7 فبراير. حينما قال إن الولايات المتحدة بحاجة إلى رفع العقوبات المفروضة على إيران من قبل إدارة دونالد ترامب، وليس التنازل عنها.

شروط إضافية، حيث لفت وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن أثناء جلسة استماع عقدها مجلس الشيوخ للمصادقة على تعيينه وزيرًا للخارجية في إدارة بايدن؛ إلى أن الولايات المتحدة قد تلجأ مع حلفائها وشركائها لإبرام اتفاق أقوى ويستمر وقتًا أطول مع إيران، معتبرًا أن هذا الأمر يفترض أن يشمل البرنامج الإيراني للصواريخ الباليستية كما أنشطتها المزعزعة للشرق الأوسط، في إشارة للمليشيات الموالية لإيران والمنتشرة بسوريا والعراق ولبنان واليمن، مما قد يعقد من مهمة التوصل لاتفاق شامل ويطيل أمد الوصول إليه، وخاصة بعدما باتت إيران تمتلك 12 ضعف كمية اليورانيوم المخصب التي كانت تملكها وقت توقيع الاتفاق النووي 2015.

ولكن بين الكرة التي يرميها كل طرف في ملعب الآخر، تراقب أنقرة في توجس إمكانات التوصل لاتفاق جديد بين إدارة بايدن وإيران، وخاصة بعد صعود الشخصيات البارزة التي كانت مطلعة على تفاصيل وتطورات الملف الإيراني في إدارة أوباما، لمناصب تنفيذية عليا في إدارة بايدن “وزارة الخارجية + وكالة الاستخبارات المركزية”.

انعكاسات محتملة على تركيا

في سياق العرض السابق، تشير الدلائل باحتمالية التوصل لاتفاق مع إيران خلال الفترة الأولى للإدارة الحالية، وخاصة بعدما أعلن وزير الخارجية الأمريكي عن أن الإطار الزمني الذي قد يفصل إيران عن امتلاك القدرة على إنتاج أسلحة انشطارية كافية لصنع سلاح نووي قد يبدو أسابيع معدودة. وتنظر تركيا لهذه التطورات بعين من التوجس والحذر. فعلى الرغم من الشراكة الاستراتيجية بين أنقرة وطهران في تقسيم المنطقة العربية ومواجهة العدائيات المشتركة “كالنشاط الكردي المسلح”؛ إلا أن ذلك لا يخفي التناقضات الكثيرة بينهما. إذ تختلف العاصمتان في كل شيء تقريبًا، ولديهما موروث من العداء التاريخي يصل لقرابة 13 حربًا مباشرة كان آخرها حرب عام 1823، التي دفعت لإبرام معاهدة سلام، فانتقلت المنافسة إلى تحت سقف عدم المواجهة المباشرة، واستمر التعايش حتى يومنا هذا بسبب خوف الطرفين من عواقب المواجهة المسلحة. وتبدو انعكاسات التوصل لاتفاق نووي بين إيران والمجموعة الأوروبية والولايات المتحدة على تركيا كالآتي:

تصاعد وتيرة التنافس الجيوبوليتيكي بين البلدين: على الرغم من أن المسئولين الأتراك يأملون في أن يؤدي التوصل لاتفاق مع إيران إلى استقرار إقليمي، فإن الانطباع العام السائد لدى الجانب التركي ومجتمع الاستخبارات هو أنه قد يعطي إيران دفعة إقليمية، ويعزِّز من توسع دوائرها الجيوسياسية دون كوابح كافية، لتثبيت الدائرة الحالية أو العودة بها للوراء.

تقليص قدرة المناورة لدى تركيا، وذلك بسبب التخفيف المحتمل للعقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران حال العودة لإطار اتفاق شامل ودائم. وذلك من شأنه أن يسلب من تركيا أهميتها كرئة للاقتصاد الإيراني، مما قد يؤثر على قدرة أنقرة في ممارسة ضغوطها على طهران في الملفات العالقة بينهما.

تطوير القدرات التقنية لسلاح الطيران المسير: تعتمد إيران مؤخرًا على إجراء تحديثات تقنية لقوات الحرس الوطني فيما يخص مهام الاستطلاع، والذخائر الذكية الجوالة، والطائرات المسيرة. وقد برهنت الضربات التي تعرضت لها المنشآت السعودية الحساسة منذ سبتمبر 2019، على تعاظم القدرة التقنية الإيرانية في الاستهداف الدقيق والفكاك من منظومات الدفاع الجوي المخصصة للتصدي لموجات الإغراق الصاروخي والأهداف شاهقة الارتفاع كالصواريخ الباليستية والطائرات الشبحية. وتحتاج هذه البرامج التطويرية لموارد مالية كبيرة تستطيع إيران توفيرها بسهولة إذا تم الإفراج عن المخصصات والأصول الإيرانية في البنوك الغربية ضمن الاتفاق الملزم والشامل. وعليه فإن مسار التطوير المحلي التركي للطيران المسير والصواريخ الذكية الجوالة قد يشهد انحسارًا بوجود مثيله الإيراني وبأسعار تنافسية.

تقويض أمن الطاقة: تعتبر إيران ثاني مورد للغاز الطبيعي لتركيا، وذلك من شأنه أن يقوض أمن الطاقة لصناع القرار في أنقرة، إذا ما اصطدم الجانبان في أي من الملفات الإقليمية المشتركة، فضلًا عن فشل تركيا في إطلاق برنامجها النووي للطاقة السلمية، وهو البرنامج الذي فشلت في إطلاقه مرارًا وتكرارًا منذ السبعينيات من القرن الماضي، وذلك لأسباب مالية في الغالب.

وأخيرا، يمكن القول إن احتمالات التوصل لاتفاق أمريكي إيراني للبرنامج النووي قد تحصر أنقرة في خيارين للتعامل مع طهران؛ الأول يتمثل في تفادي التصادم مع إيران في المنطقة وخاصة في سوريا (البادية السورية + حلب + ريف دمشق)، والثاني في تكوين شبكة مصالح وتحالفات استراتيجية لاحتواء إيران وأدوارها المستقبلية. كما أن الاعتماد على أحد هذه الخيارات لن يتوقف بطبيعة الحال على طريقة إدارة الجانب التركي وتصوراته لمستوى العلاقة مع إيران فحسب؛ بل على مجمل السياسات الإقليمية الإيرانية نفسها، وفي ظل انعدام وجود المعطيات الحاسمة الآن يصعب تحديد أي هذه الاختيارات، فضلًا عن احتمالية أن تلجأ تركيا لمزج الاختيارين معًا كاستراتيجية للتعامل مع إيران ما بعد الاتفاق النووي.

محمد حسن