وحدة الدراسات الاقتصادية

كيف تأثّرت التجارة الخارجية بجائحة كورونا؟

تعد التجارة الخارجية من الركائز الأساسية للاقتصاد، ومن العوامل الأساسية للنمو الاقتصادي. وتساهم التجارة الدولية في تبادل الموارد والمعرفة والتكنولوجيا مما يساهم في النهاية في رفع كفاءة الإنتاج وتوفر المنتجات بجودة وأذواق مختلفة. وعلى الرغم من الدور الرئيسي الذي تلعبه التجارة الدولية للنمو الاقتصادي، إلا أنها من أول القطاعات تأثرًا بالأزمات في الدول الكبرى والتي تعد صانعة للسعر في الأسواق الدولية. وبالتأكيد كانت التجارة من أولى القطاعات تأثرًا بالجائحة مع تطبيق الصين والعديد من دول العالم سياسات الإغلاق الكلي، وتعطل حركة التجارة وسلاسل التوريد. ويناقش هذا المقال تداعيات الجائحة على التجارة الخارجية المصرية. أولًا- حجم التجارة المصرية وتداعيات الجائحة عليها:…

كَنزي سيرِج
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

تعد التجارة الخارجية من الركائز الأساسية للاقتصاد، ومن العوامل الأساسية للنمو الاقتصادي. وتساهم التجارة الدولية في تبادل الموارد والمعرفة والتكنولوجيا مما يساهم في النهاية في رفع كفاءة الإنتاج وتوفر المنتجات بجودة وأذواق مختلفة. وعلى الرغم من الدور الرئيسي الذي تلعبه التجارة الدولية للنمو الاقتصادي، إلا أنها من أول القطاعات تأثرًا بالأزمات في الدول الكبرى والتي تعد صانعة للسعر في الأسواق الدولية. وبالتأكيد كانت التجارة من أولى القطاعات تأثرًا بالجائحة مع تطبيق الصين والعديد من دول العالم سياسات الإغلاق الكلي، وتعطل حركة التجارة وسلاسل التوريد. ويناقش هذا المقال تداعيات الجائحة على التجارة الخارجية المصرية.

أولًا- حجم التجارة المصرية وتداعيات الجائحة عليها:

شكل 1: عجز الميزان التجاري (نوفمبر 2019 – نوفمبر 2020) (يناير/نوفمبر 2019 – يناير/نوفمبر 2020)

شكل 2: عجز الميزان التجاري

 المصدر: بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

يُعد عجز الميزان التجاري هو الفارق بين قيمة الصادرات (وهي قيمة ما تشتريه الدول الأخرى من مصر) والواردات (وهي قيمة ما تشتريه مصر من الدول الأخرى). وبناء على بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، انخفض العجز التجاري في بداية العام 2020، حيث هبط من 3 مليارات و454 مليون دولار في ديسمبر 2019 إلى مليارين و834 مليون دولار في يناير 2020 وإلى مليار و949 مليون دولار في فبراير 2020 مع اتجاه الدولة نحو تعزيز الصناعة والتصدير. ولكن مع بداية انتشار فيروس كورونا في الصين والعالم، وبداية تبني سياسات الإغلاق الكلي، وتوقف حركة التجارة وسلاسل التوريد، وخصوصًا تلك البلدان التي تعد شريكًا تجاريًا رئيسيًا، بدأت الصادرات والواردات المصرية بالتأثر بشكل ملحوظ وبأنماط مختلفة (أي إن درجة تأثير الجائحة على الصادرات والواردات كان مختلفًا وأيضًا اختلفت درجة وحجم التأثر من شهر إلى آخر) مما أدى إلى تذبذب حجم العجز التجاري المصري. هذا بالإضافة إلى توجيه الدولة حجمًا كبيرًا من السلع المصنعة محليًا إلى الأسواق المحلية، وحظر تصدير السلع الاستراتيجية (الغذائية على وجه الخصوص مثل الفول) لتجنب صدمات العرض ونقص المنتجات الأساسية.

ولكن على الرغم من تذبذب حركة التجارة، وبالتالي حجم العجز التجاري؛ إلا أن العجز التجاري في الفترة من يناير إلى نوفمبر 2020 انخفض مقارنة بالفترة نفسها في 2019 بحوالي 8.4% ليصل إلى 38 مليار و541 مليون دولار في الفترة من يناير إلى نوفمبر 2020 من 42 مليار و70 مليون دولار في الفترة نفسها في 2019، أي انخفاض بحوالي 3529 مليون دولار. ووفقًا لوزيرة التجارة والصناعة، فإن العجز التجاري انخفض خلال 2020 بحوالي 17% عن 2019 ليصل إلى 38 مليار و291 مليون دولار في 2020 من 46 مليار و225 مليون دولار في 2019. ويرجع ذلك الانخفاض في العجز أيضًا إلى جهود الدولة لزيادة تنافسية السوق المصرية، وتحسين بيئة الأعمال لزيادة الإنتاج المحلي، وإلى جهود تخفيض تكلفة التجارة. بينما يرجع الانخفاض في الواردات أيضًا إلى اتجاه الدولة نحو تعزيز الصناعات المحلية، تماشيًا مع مستهدفات البرنامج القومي، وتشبيك سلاسل التصنيع.

وبسبب تأثر المصدرين بالجائحة والانخفاض الشديد في السيولة، قامت الدولة بالعديد من المبادرات لمساندة الشركات العاملة في القطاع التصديري، وشملت المساهمات الإعفاءات الضريبية وسداد المستحقات المتأخرة للمصدرين للحفاظ على السوق التصديري والعاملين بالقطاع، الأمر الذي زاد من أهمية منظومة رد أعباء المصدرين أيضًا.

ووفقًا لرئيس الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات، فقد تمكّنت العديد من القطاعات التصديرية من النمو خلال الجائحة، والتي شملت صادرات قطاع مواد البناء، حيث بلغت 6 مليارات و149 مليون دولار في 2020 ارتفاعًا من 5 مليارات و140 مليون دولار في 2019 (أي زيادة بحوالي 19.6% على أساس سنوي).

شكل 3: التوزيع النسبي للصادرات طبقًا لدرجة التصنيع (يناير/نوفمبر 2019 – يناير/نوفمبر 2020)

 المصدر: بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

ووفقًا للنشرة الشهرية للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في شهر نوفمبر 2020، بلغ حجم الصادرات خلال الفترة يناير/نوفمبر 2020 نحو 24 مليارًا و675 مليون دولار انخفاضًا من 27 مليار و738 مليون دولار في يناير/نوفمبر 2019 (أي انخفاض بحوالي 11% أو 3 مليارات و63 مليون دولار). وبخصوص التوزيع النسبي للصادرات طبقًا لدرجة التصنيع، فقد اختلفت هذه النسبة في الفترة من يناير/نوفمبر في 2020 عن الفترة نفسها من العام الماضي، حيث انخفض حجم صادرات الوقود من إجمالي الصادرات إلى 13.3% في يناير/نوفمبر 2020 من 24.2% في يناير/نوفمبر 2019، وهو انخفاض بحوالي 10.9%. بينما ارتفع حجم السلع نصف المصنعة من إجمالي الصادرات بأكبر نسبة، حيث بلغت نسبتها 28% من إجمالي الصادرات في يناير/نوفمبر 2020 من 23.2% في يناير/نوفمبر 2019، وتليها السلع تامة التصنيع لتصل إلى 47.6% في يناير/نوفمبر 2020 من 43.3% في يناير/نوفمبر 2019، ثم المواد الخام لتصل إلى 10.3% في يناير/نوفمبر 2020 من 8.6% في يناير/نوفمبر 2019.

شكل 4: التوزيع النسبي للواردات طبقًا لدرجة الاستخدام (يناير/نوفمبر 2019 – يناير/نوفمبر 2020)

 المصدر: بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

أما بالنسبة للواردات فقد بلغت قيمة الواردات في يناير/نوفمبر 2020 (63) مليارًا و216 مليون دولار انخفاضًا من 69 مليارًا و808 ملايين دولار (أي انخفاض بحوالي 9.4% أو 6 مليارات و592 مليون دولار). وأيضًا انخفض حجم واردات الوقود من إجمالي الواردات طبقًا لدرجة الاستخدام لتصل نسبته إلى 9% في يناير/نوفمبر 2020 من 12.9% في يناير/نوفمبر 2019. وانخفضت قيمة السلع الوسيطة أيضًا بنسبة ضئيلة، بينما ارتفعت قيمة السلع الاستهلاكية المعمرة، والمواد الخام، والسلع الاستثمارية، وأخيرًا السلع الاستهلاكية غير المعمرة.

شكل 5: أكبر خمس دول مستوردة للصادرات المصرية (يناير/نوفمبر 2019 – يناير/نوفمبر 2020)

 المصدر: بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

إضافة إلى ذلك، بلغت نسبة الصادرات المصرية لأكبر خمسة مستوردين لها 27.4% في يناير/نوفمبر 2020 من 29% في يناير/نوفمبر 2019 من إجمالي الصادرات المصرية. وتمثل الصادرات المصرية للسعودية 6% من إجمالي الصادرات، ومن أهم المنتجات المصدرة إليها الحديد والصلب والفولاذ، والوقود والزيوت المعدنية ومنتجات تقطيرها، والفواكه والثمار. أيضًا بلغ حجم الصادرات المصرية لتركيا 6% من إجمالي الصادرات في يناير/نوفمبر 2020، ومن أهم هذه المنتجات اللدائن ومصنوعاتها، والآلات والأجهزة الكهربائية وأجزاؤها، والأسمدة. إضافة إلى ذلك، تمثل الصادرات المصرية لأمريكا 5.6% من إجمالي الصادرات في يناير/نوفمبر 2020، ومن أهم هذه المنتجات الملابس وتوابعها، والسجاد وأغطية الأرضيات الأخرى من المواد النسجية. علاوة على ذلك، بلغت قيمة الصادرات لإيطاليا 5.2% في الفترة نفسها، ومن أهم الصادرات المصرية لها الألومنيوم ومصنوعاته، والوقود والزيوت المعدنية ومنتجات تقطيرها، والحديد والصلب والفولاذ. وأخيرًا، بلغت نسبة الصادرات المصرية للهند 4.6% من إجمالي الصادرات في الفترة نفسها. ومن أهم الصادرات المصرية للهند الوقود والزيوت المعدنية ومنتجات تقطيرها، والملح والكبريت والأتربة والأحجار والأسمنت، والمنتجات الكيماوية غير العضوية.

جدير بالذكر أن الانخفاض في الصادرات كان الأشد في الصادرات للولايات المتحدة من بين هذه الدول الخمس، حيث انخفضت إلى مليار و391 مليون دولار في يناير/نوفمبر 2020 من 2 مليار و68 مليون في يناير/نوفمبر 2019. وجاء هذا بسبب السياسات الاحترازية، وأيضًا سياسات التوطين التي اتخذتها الدولة، الأمر الذي أثر بشدة في حجم الصادرات المصرية.

شكل 5: أكبر خمس دول مصدِّرة لمصر (يناير/نوفمبر 2019 – يناير/نوفمبر 2020)

 المصدر: بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

بالانتقال إلى أكبر خمس دول مصدرة لمصر، بلغ حجم الواردات المصرية من هذه الدول 38.8% في يناير/نوفمبر 2020 ارتفاعًا من 38.1% في الفترة نفسها من العام السابق. وتستحوذ الصين على 16.6% من إجمالي الواردات المصرية في يناير/نوفمبر 2020، ومن أهم المنتجات التي تستوردها مصر: الآلات والأجهزة الكهربائية وأجزاؤها، والمراجل والآلات والأجهزة الآلية وأجزاؤها، والشعيرات التركيبية أو الاصطناعية. وتليها أمريكا، حيث تستحوذ على 6.8% من إجمالي الواردات في يناير/نوفمبر 2020، ومن أهم هذه المنتجات الحبوب والثمار الزيتية والنباتات الطبية والعلف، والمراجل والآلات والأجهزة الآلية وأجزاؤها، والوقود والزيوت المعدنية ومنتجات تقطيرها. إضافة إلى ذلك، فإن حجم الواردات المصرية من ألمانيا بلغ 5.7% من إجمالي الواردات في الفترة نفسها، ومن أهم هذه المنتجات: السيارات والجرارات والدراجات وأجزاؤها، والمراجل والآلات والأجهزة الآلية وأجزاؤها، والمنتجات الصيدلانية. علاوة على ذلك، تستحوذ السعودية على 5.3% من إجمالي الواردات في الفترة نفسها، ومن أهم هذه المنتجات الوقود والزيوت المعدنية ومنتجات تقطيرها، واللدائن ومصنوعاتها، والألومنيوم ومصنوعاته.

وأخيرًا، تستحوذ إيطاليا على 4.4% من إجمالي الواردات في الفترة نفسها، ومن أهم هذه المنتجات: المراجل والآلات والأجهزة الآلية وأجزاؤها، والمصنوعات من الحديد أو الصلب أو فولاذ، والآلات والأجهزة الكهربائية وأجزاؤها. 

جدير بالذكر أن الانخفاض في الواردات المصرية كان الأشد في الواردات من السعودية، حيث انخفضت إلى 3 مليارات و343 مليون دولار في يناير/نوفمبر 2020 من 4 مليارات و655 مليون دولار في الفترة نفسها من 2019.

كَنزي سيرِج
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة