الاتحاد الأوروبي وتفوّق المصالح على اعتبارات احترام حقوق الإنسان

مساعد وزير الخارجية السابق

أثارت الزيارة التي قام بها “جوزيب بوريل” الممثل السامي للاتحاد الأوروبي للشئون الخارجية لموسكو، موجة من ردود الأفعال الأوروبية الغاضبة بعد أن بدا المسئول الأوروبي عاجزًا عن الرد على وزير خارجية روسيا “سيرجي لافروف” خلال المؤتمر الصحفي، عندما وصف الاتحاد الأوروبي بالشريك غير الموثوق به، الأمر الذي دفع مجموعة من أعضاء البرلمان الأوروبي إلى المطالبة بإقالة “بوريل”، بسبب رحلته المثيرة للجدل التي جاءت بعد أيام من اعتقال المعارض للكرملين “أليكسي نافالني”، حيث وصفوا الزيارة “بالكارثة الدبلوماسية المهينة”، خاصة وأنه تخللها إعلان وزارة الخارجية الروسية عن طرد ثلاثة من الدبلوماسيين من ألمانيا والسويد وبولندا بسبب مشاركتهم في مظاهرات دعمًا للمعارض الروسي.…

السفير عمرو حلمي
مساعد وزير الخارجية السابق

أثارت الزيارة التي قام بها “جوزيب بوريل” الممثل السامي للاتحاد الأوروبي للشئون الخارجية لموسكو، موجة من ردود الأفعال الأوروبية الغاضبة بعد أن بدا المسئول الأوروبي عاجزًا عن الرد على وزير خارجية روسيا “سيرجي لافروف” خلال المؤتمر الصحفي، عندما وصف الاتحاد الأوروبي بالشريك غير الموثوق به، الأمر الذي دفع مجموعة من أعضاء البرلمان الأوروبي إلى المطالبة بإقالة “بوريل”، بسبب رحلته المثيرة للجدل التي جاءت بعد أيام من اعتقال المعارض للكرملين “أليكسي نافالني”، حيث وصفوا الزيارة “بالكارثة الدبلوماسية المهينة”، خاصة وأنه تخللها إعلان وزارة الخارجية الروسية عن طرد ثلاثة من الدبلوماسيين من ألمانيا والسويد وبولندا بسبب مشاركتهم في مظاهرات دعمًا للمعارض الروسي.

وعلى الرغم من تركز الانتقادات على أداء المسئول الأوروبي خلال الزيارة، وعلى عدم قدرته على التصرف، وعلى مدى مناسبة إتمام تلك الزيارة في هذا التوقيت؛ إلا أنها فتحت المجال أمام إثارة العديد من التساؤلات حول القدرة الحقيقية للاتحاد الأوروبي على الالتزام بمعايير الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان في نسيج علاقاته الخارجية في ظل الأولوية المتقدمة التي تحظى بها المصالح الاقتصادية لعدد من الدول الأوروبية بدرجة تفوق اهتمامها بضرورة الالتزام بمعايير الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان المنصوص عليها في معاهده الاتحاد الأوروبي ذاتها، وما تضمنته الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان وخطة العمل الأوروبية لحماية الديمقراطية وحقوق الإنسان وما شمله نظام العقوبات الذي أقره الاتحاد الأوروبي مؤخرًا والمعروف بـ European Magnitsky Act على الدول التي تنتهك حقوق الإنسان وجاءت مجموعة المقالات التي صدرت عن “كارنيغي يوروب” Carnegie Europe في ٤ فبراير تحت عنوان “هل الاتحاد الأوروبي على استعداد للدفاع عن حقوق الإنسان عالميًا؟”، وفي ٩ فبراير تحت عنوان “لماذا لا يستطيع الاتحاد الأوروبي تشكيل سياسة خارجية موحدة؟”، لتُلقي الضوء على نظرة بعض القوى العالمية، ومنها روسيا والصين، إلى الاتحاد الأوروبي وكيفية تعاملها معه وتقديراتها للحدود القصوى التي يمكن لأوروبا أن تذهب إليها في علاقاتها الخارجية في ظل الصعوبات التي تواجه عملية بناء توافق في الآراء فيما بين الدول الأعضاء حيال إمكانية تشكيل سياسة خارجية استراتيجية أوروبية موحدة، إذ تركز روسيا على التعامل بشكل منفصل مع كل دولة عضو، وهي الصيغة التي تدير بها سياستها الخارجية والاقتصادية تجاه ألمانيا على وجه التحديد، حيث لم تنتقل “أنجيلا ميركل” في عدد من الحالات من مرحلة الدفاع عن مصالح ألمانيا الوطنية الخالصة إلى مرحلة الدفاع عن المصالح الأوروبية المتكاملة.

فعلى الرغم من العقوبات الأوروبية المفروضة على روسيا إثر قيامها بضم شبه جزيرة القرم ونزاعها مع أوكرانيا، فقد بقيت المرحلة الثانية من مشروع نقل الغاز الطبيعي الروسي إلى ألمانيا المعروف بـNorth Stream 2، والذي تقدر نفقات إقامته بـ١١ بليون دولار بعيدًا عن نطاق تلك العقوبات، حيث يتولى مستشار ألمانيا الاتحادية السابق “جيرهارد شرودر” الإشراف على تنفيذ هذا المشروع الذي فرضت إدارة الرئيس “ترامب” عقوبات على كافه الشركات المشاركة في تنفيذه، والتي ستكون ضمن القضايا الخلافية التي ستواجه إدارة الرئيس “بايدن” في ظل توجهاتها لتعزيز العلاقات الأمريكية الأوروبية، إذ تنعكس عدم القدرة على الدفاع الجماعي عن المصالح والقيم داخل الاتحاد الأوروبي على إمكانية تشكيل سياسة خارجية أوروبية موحدة بما يعطي الفرصة لدول مثل روسيا والصين لمتابعة مصالحها الاقتصادية من خلال التعامل مع كل دولة أوروبية بشكل منفرد، فقادة مؤسسات الاتحاد الأوروبي لم يتمكنوا من مواجهة منتدى 17 + 1، الذي تجتمع فيه بكين بانتظام مع مجموعة من دول وسط وشرق أوروبا ودول البلقان لتعزيز مصالحها السياسية والاقتصادية، وهو الأمر الذي يعكس قدرة بكّين على تجاهل الاتحاد الأوروبي ككتلة متماسكة كلما اقتضت حاجتها إلى ذلك.

إن القلق العميق الذي أعرب عنه الاتحاد الأوروبي بشأن الحكم بالسجن على زعيم المعارضة الروسية “أليكسي نافالني”، أو محاولة قتله بمادة كيماوية سامة، أو الهجمات الإلكترونية الروسية على البرلمان الألماني، أو تهديدات الصين بفرض حظر على دول الاتحاد الأوروبي التي تنتقد علنًا حملتها القمعية فيما يتعلق بالديمقراطية في هونغ كونج؛ لم يتم ترجمته إلى سياسات أوروبية مؤثرة، وحتى بالنسبة للقرار الذي صدر عن البرلمان الأوروبي بشأن أوضاع حقوق الإنسان في الصين فإن ذلك لم يمنع الاتحاد الأوروبي من التوصل إلى اتفاقية للاستثمار مع الصين، إذ تمت إزاحة المعايير الأخلاقية والقيم الأوروبية المشتركة المتصلة باحترام حقوق الإنسان في سبيل تحقيق المصالح الاقتصادية للدول الأوروبية التي لا تزال تتمسك بضرورة الاستمرار في الاستفادة من المزايا النسبية والتنافسية والطاقة الاستيعابية الهائلة للسوق الصينية بعد كل ما قيل طوال العام الماضي حول ضرورة تعديل مسارات العولمة بما لا يسمح للصين بمواصلة السيطرة على سلاسل العرض المتصلة بمنتجات فائقة التطور، كما لم تعد البيانات في شأن أوضاع حقوق الإنسان في عدد من الدول الصادرة من قبل بيروقراطية الاتحاد الأوروبي في بروكسل تمثل بواعث قلق حقيقي لتلك الدول في ظل قدرتها على متابعة مصالحها الخاصة مع عدد من الدول الأوروبية بشكل منفرد وبأسلوب يتجاوز ما يأتي في تلك البيانات من انتقادات لأوضاعها.

ونظرًا لأن الاتحاد الأوروبي لا يزال بعيدًا تمامًا عن إمكانية اعتباره قوة عظمى قادرة فعليًا على التنافس على المسرح الدولي مع كل من الصين وروسيا، إذ إنه يُعد بمثابة تجمع اقتصادي له نجاحات ملحوظة ولكن ليست له سياسة خارجية موحدة أو سياسة دفاعية مشتركة، وليست هناك مؤشرات كافية توحي بقدرته على القيام بدور فاعل لدعم الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان على المستوى الدولي، لذا فإن كل ما يقال عن توجهه لفرض عقوبات جديدة على روسيا خلال اجتماع وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي الذي سينعقد يوم ٢٢ فبراير ثم خلال القمة الأوروبية التي ستنعقد في مارس القادم، بعد أن ذكر “جوزيب بوريل” أن الحوار السياسي مع موسكو يمر بحالة من الركود، وبعد أن أكدت روسيا أنها لا تنوي خوض أي مفاوضات تشمل قضايا حقوق الإنسان، إلا أن توجهات فرض عقوبات أوروبية جديدة على روسيا من المتوقع أن تصطدم بواقع الانقسام الراهن فيما بين دول الاتحاد الأوروبي حيال كيفية التعامل مع روسيا، حيث تعتمد الدول الأوروبية على الغاز الطبيعي الروسي بنسب تتراوح بين ٤٠ إلى ٧٠٪؜، كما ستصطدم أيضًا بالاعتبارات المتصلة بالنفوذ الروسي في التعامل مع عددٍ من القضايا المعقدة التي يدخل في إطارها تركيا أردوغان، والطموحات النووية الإيرانية، والأوضاع في كلٍّ من سوريا وليبيا، وأيضًا أمن البحر المتوسط، الأمر الذي قد يجعل مشروع الـNorth Stream 2 مجددًا خارج نطاق العقوبات الأوروبية المحتملة، إذ إن هذا المشروع قد يتأثر بالعقوبات الأمريكية إذا ما استقرت إدارة الرئيس بايدن على ما سبق وأن فرضته إدارة الرئيس ترامب حيال هذا المشروع من عقوبات، وذلك في ظل غياب الإرادة الأوروبية والألمانية تحديدًا على الإضرار بهذا المشروع.

ونظرًا لأن اهتمام الاتحاد الأوروبي بدعم الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان على المستوى الدولي يأتي استنادًا إلى العديد من الصكوك الأوروبية ذات الصلة، إلا أنه لا يمكن تجاهل الأضرار التي لحقت بسمعة الاتحاد الأوروبي بتوصله إلى اتفاق مع تركيا عام ٢٠١٦ بشان اللاجئين، وهو الاتفاق الذي يمثل انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني، فضلًا عن التقاعس الأوروبي عن فرض عقوبات على تركيا في ظل الانتهاكات المتواصلة لحقوق الإنسان التي تشهدها البلاد منذ محاوله الانقلاب في يوليو ٢٠١٦، وهو الأمر الذي يتزامن مع السياسات التي تُطبقها مجموعة من الدول الأوروبية لمنع وصول اللاجئين إلى أراضيها والتي تخالف الالتزامات المنصوص عليها في اتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بوضع اللاجئين لعام ١٩٥١، يضاف إلى ذلك أن المفوضية الأوروبية التزمت الصمت ورفضت حتى إدانة الاعتقالات العشوائية التي شهدتها بلغاريا عام ٢٠٢٠، أو الاعتراض على قيامها بترحيل أتباع حركه جولن المعارضة إلى تركيا. وتعد حالات الصين وروسيا وتركيا، وإسرائيل بطبيعة الحال، بمثابة أمثلة على استثناءات صارخة في تعامل الاتحاد الأوروبي مع قضايا الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، إذ تتفوق الاعتبارات المتصلة بالمصالح الاقتصادية وبتوازنات القوى عن القيم الأوروبية المشتركة الداعمة للديمقراطية واحترام حقوق الإنسان على المستوى الدولي.

السفير عمرو حلمي
مساعد وزير الخارجية السابق

مقالات أخرى للكاتب