تنمية ومجتمع

العمالة الأساسية أولًا: تغيّر أولويات التلقيح ضد كورونا حول العالم

قبيل الإعلان عن النتائج النهائية لفاعلية اللقاحات المُطورة ضد فيروس كورونا المستجد، تأهب صانعو السياسات الصحية في البلدان لوضع سياسات وخطط لتلقيح ما بين 70 و85% من مواطنيها؛ وذلك لخلق مناعة ضد فيروس كورونا، ومظلة من الحماية للدولة بكاملها. ونظرًا لمحدودية جرعات اللقاح التي سيتمكن كل بلد من توفيرها؛ تبنت تلك الخطط نماذج متباينة لأولويات عملية التلقيح، اتفقت جميعها على إعطاء الأولوية للأطقم الطبية في الخطوط الأمامية، جنبًا إلى جنب مع المستجيبين الأوائل للطوارئ الصحية، مثل العاملين في سيارات الإسعاف، ولكنها اختلفت في تحديد من سيكون التالي في الحصول على اللقاح. ووفقًا لخبراء الصحة العامة، فإن تحديد الأولويات في عملية…

ألاء نصار
باحثة ببرنامج السياسات العامة

قبيل الإعلان عن النتائج النهائية لفاعلية اللقاحات المُطورة ضد فيروس كورونا المستجد، تأهب صانعو السياسات الصحية في البلدان لوضع سياسات وخطط لتلقيح ما بين 70 و85% من مواطنيها؛ وذلك لخلق مناعة ضد فيروس كورونا، ومظلة من الحماية للدولة بكاملها. ونظرًا لمحدودية جرعات اللقاح التي سيتمكن كل بلد من توفيرها؛ تبنت تلك الخطط نماذج متباينة لأولويات عملية التلقيح، اتفقت جميعها على إعطاء الأولوية للأطقم الطبية في الخطوط الأمامية، جنبًا إلى جنب مع المستجيبين الأوائل للطوارئ الصحية، مثل العاملين في سيارات الإسعاف، ولكنها اختلفت في تحديد من سيكون التالي في الحصول على اللقاح. ووفقًا لخبراء الصحة العامة، فإن تحديد الأولويات في عملية التلقيح سيكون مرتبطًا بما إذا كان الهدف الرئيسي من عمليات التلقيح في البلدان هو وضع حد لحالات الوفاة بسبب الفيروس، فعندئذ يجب أن تميل اللقاحات أكثر للمواطنين الأكبر سنًا، أو وقف انتشار الفيروس وتقليل معدلات الإصابة، فحينها يجب أن تعطى الأولوية للعاملين الأساسيين.

العمالة الأساسية أولًا

في أواخر شهر يوليو من عام 2020، انطلقت أولى حملات التلقيح ضد فيروس كورونا المستجد في الصين، بموجب بروتوكولات الاستخدام الطارئ للقاحات، وذلك قبل الانتهاء من كافة مراحل التجارب السريرية للقاحات الصينية المطورة. وأعلن مسئولو الصحة الصينيون وقتها أنهم بدءوا في تلقيح العاملين في المجال الطبي وموظفي الشركات المملوكة للدولة بلقاح شركة “سينوفارم الصينية”، وأن هذا جاء بعد شهر من تلقيح الجيش الصيني بلقاح شركة “كانسينو الصينية”، فيما تم تحديد موظفي أسواق المواد الغذائية وأنظمة النقل والعاملين في المصانع بأنهم التالون في عملية التلقيح، ووصل إجمالي من تم تلقيحهم قبل إعلان نتائج فعالية اللقاحات إلى مليون شخص.

تبع ذلك في شهر ديسمبر 2020، إعلان الصين عن خطتها الشاملة لعملية تلقيح 50 مليون مواطن صيني قبل شهر فبراير الحالي، وذلك باستخدام 100 مليون جرعة من لقاحات شركتي سينوفارم وسينوفاك بيونتك. وحددت السلطات الصحية أن هذه المرحلة من التلقيح ستشمل العمال الأساسيين في الفئات العمرية من 18 إلى 59 عامًا، وأرجعت السبب في ذلك إلى أن نتائج فعالية اللقاحات على الفئات العمرية أكبر من 60 عامًا وأقل من 18 عامًا لم تصدر بعد، وبالتالي سيتم تأخير تلقيح تلك الفئات حتى إتمام الدراسات السريرية عليها، والذي أوضح الباحثون الصينيون أنها قد تُعلن بحلول منتصف شهر فبراير. وحتى الآن، وصل إجمالي عدد متلقي اللقاح في الصين حوالي 23 مليون مواطن صيني؛ وهو نصف عدد الأفراد الذي كان من المفترض تلقيحهم وفقًا للخطة الزمنية المعلنة.

وليست الصين وحدها التي اختارت وضع فئة العمالة الأساسية في مقدمة عملية التلقيح، إذ اتبعت إندونيسيا النهج نفسه في حملة التلقيح الشامل التي اعتزمت فيها تلقيح سكان البلاد البالغ عددهم 181 مليونًا هذا العام. وأوضحت وزارة الصحة الإندونيسية أن الهدف الأساسي من تلقيح الفئة العمرية من 18 إلى 59 عامًا هو تعزيز الاقتصاد الإندونيسي من خلال حماية الفئات الأكثر إنتاجية في البلاد، فبعد تلقيهم للقاح سيتمكنون من الذهاب إلى العمل. ذلك بجانب أن هذه الفئة العمرية هي الأكثر إصابة بعدوى كورونا دون ظهور أي أعراض، وبالتالي بعد حماية هذه الفئة من الإصابة من الممكن السيطرة على تفشي الفيروس. وأبرمت إندونيسيا صفقة للحصول على 125.5 مليون جرعة من لقاح سينوفاك الصيني، وسيكون اللقاح إجباريًا للمواطنين، بحيث سيتم تغريم أي شخص يرفض تلقي اللقاح، ويبلغ إجمالي من تم تلقيحهم منذ بدء الحملة في مطلع شهر يناير الماضي، حوالي نصف مليون إندونيسي.

كبار السن قبل العمال الأساسيين

على الجانب الآخر، اختارت البلدان الأخرى اتجاهًا مغايرًا لأولويات التلقيح؛ حيث وضعت دول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا والولايات المتحدة وبعض البلدان العربية، التي بدأت حملاتها للتلقيح الشامل، كبار السن على رأس القائمة. ويُرجع الباحثون السبب في ذلك إلى أن هذه الفئات كانت الأكثر تضررًا من فيروس كورونا المستجد، حيث شهدت دور رعاية المسنين في بريطانيا تفشيات مروعة للفيروس نتج عنها خسائر كبيرة في الأرواح، كما تعرضت العديد من الدول الأوروبية، وعلى رأسها إيطاليا، لعدد هائل من الوفيات من كبار السن بسبب الفيروس؛ لذا كان من الضروري أن يتم حمايتهم أولًا من خلال التلقيح.

ووضعت اللجنة الحكومية المشتركة للتطعيم في بريطانيا، تسع فئات ضمن المرحلة الأولى من عملية التلقيح، والتي بدأت في نهاية شهر ديسمبر الماضي وحتى شهر أبريل المُقبل، باستخدام لقاحات فايزر/بيونتك وأكسفورد/أسترازينيكا وموديرنا، على النحو التالي:

1- المقيمون في دور رعاية كبار السن والقائمون على رعايتهم.

2- الأفراد من سن 80 عامًا فأكثر، وعمال الرعاية الصحية والاجتماعية ممن يعملون في الخطوط الأمامية في مكافحة الفيروس.

3- الأفراد من سن 75 عامًا فأكثر.

4- الأفراد من سن 70 عامًا فأكثر، والمرضى المعرضون لمضاعفات خطيرة بسبب الفيروس.

5- الأفراد من سن 65 عامًا فأكثر.

الأفراد الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و64 عامًا، ويعانون ظروفًا صحية مزمنة تجعلهم أكثر عرضة للإصابة بمضاعفات خطيرة أو الوفاة.

الأفراد من سن 60 عامًا فأكثر.

الأفراد من سن 55 عامًا فأكثر.

الأفراد من سن 50 عامًا فأكثر.

كما أوضحت اللجنة البريطانية أن هناك فئات معينة لن تحصل على اللقاح، وهي النساء الحوامل أو اللاتي يخططن للحمل خلال 3 أشهر، والأطفال الأصحاء تحت سن 16 عامًا، وذلك لعدم توفر بيانات كافة حول سلامة اللقاح بالنسبة لهم، بالإضافة إلى أن معظم الأطفال يصابون بعدوى خفيفة من الفيروس دون ظهور أعراض، لذا قد لا يحتاجون اللقاح، ولكن سيتم تلقيح الأطفال المصابين بأي أمراض قد تعرضهم لمضاعفات خطيرة في حال إصابتهم بفيروس كورونا. ووفقًا لموقع our world in data، يبلغ إجمالي من تلقوا اللقاح في بريطانيا حوالي 8.5 ملايين شخص.

تبنت الولايات المتحدة الأمريكية الخطة نفسها لعملية التلقيح، على الرغم من بعض المطالبات من قبل المختصين في مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها CDC، بإعادة النظر في تخصيص نسب أكبر من اللقاحات للأقليات العرقية، والتي كانت الأكثر تضررًا من فيروس كورونا المستجد من حيث أعداد الإصابات والوفيات، دون تحديد العمر كمقياس أوحد للأولوية في الحصول على التلقيح، وذلك نظرًا لقلة التمثيل العرقي في تلك الفئات بسبب ضعف المؤشرات الصحية والفقر، اللذين يتسببان في وفاتهم المبكرة تحت سن الـ60 عامًا، ولكن قوبلت تلك الاقتراحات بالرفض. وتخطط الولايات المتحدة لتلقيح 100 مليون شخص قبل نهاية الربع الأول من عام 2021، و100 مليون آخرين قبل نهاية الربع الثاني، باستخدام لقاحي فايزر/بيونتك وموديرنا، فيما يبلغ إجمالي من تلقوا اللقاح حوالي 28 مليون أمريكي.

خطة التلقيح المصرية 

بدأت إجراءات تنفيذ خطة التلقيح المصرية من خلال إطلاق موقع إلكتروني لتسجيل الراغبين في تلقي اللقاح، مع تحديد أولوية التلقيح للعاملين في القطاع الطبي، ولكبار السن، وأصحاب الأمراض المزمنة مثل الفشل الكلوي والأورام، اعتمادًا على مبادرة الأمراض غير السارية عبر المستشفيات ومراكز العلاج الخاصة بهم. ووفقًا لبيانات وزارة الصحة، تلقى نحو 1315 من الأطقم الطبية الجرعة الأولى من لقاح سينوفارم الصيني، في 22 مستشفى عزل وحميات بعدد من محافظات الجمهورية، دون تحديد طبيعة أو عدد الأفراد داخل الفريق الطبي الواحد، وهو ما يُصعب حصر العدد الفعلي لمتلقي اللقاح داخل مصر.

ووفقًا للتصريحات الرسمية، تعتمد خطة التلقيح المصرية على توفير 100 مليون جرعة من اللقاحات، مما سيكون كافيًا لتلقيح حوالي 50 مليون مصري، وتشمل الخطة الحصول على 40 مليون جرعة من لقاح سينوفارم الصيني، و20 مليون جرعة من لقاح أسترازينيكا/اكسفورد، و40 مليون جرعة من تحالف جافي عبر منصة كوفاكس العالمية للقاحات. وحتى كتابة هذا المقال، يبلغ إجمالي اللقاحات التي وصلت مصر 100 ألف جرعة؛ نصفها من لقاح سينوفارم الصيني، والذي أصدرت له هيئة الدواء المصرية الحكومية الترخيص للاستخدام الطارئ في 3 يناير 2021، والنصف الآخر من لقاح أسترازينيكا/أكسفورد، والذي حصل على الموافقة بالاستخدام الطارئ بتاريخ 31 يناير 2021.

ألاء نصار
باحثة ببرنامج السياسات العامة