وحدة الدراسات الأوروبية

هل يمكن التخطيط لعالم ما بعد (كوفيد-١٩)؟

جاءت أزمة (كوفيد-١٩) في عالم كان على عتب تغيرات جوهرية، تسببت الجائحة في الإسراع ببعضها، وفي تعطيل غيرها، وتسببت في إضعاف كل المجتمعات، ولكن بدرجات متفاوتة، مما يعني اختلالًا في موازين القوة. وهذا الضعف يحتم تغييرات ويعطل غيرها. وتسببت الجائحة في ظهور مشاكل جديدة تمامًا، وفي إبراز مشكلات كانت كامنة تحت السطح، وقد تكون تسببت في اختفاء غيرها.. إلخ. وهناك تغييرات ملموسة أو متوقعة من غير المعروف إن كانت شرًا كلها أم تحمل بعض الخير. وهناك أنواع من التكلفة يصعب قياسها، أبرزها عدم إمكانية تثمين الخبرات والمهارات الفردية التي ذهبت مع أصحابها، ولا ثمن الضرر النفسي الذي لحق بالعائلات التي…

د. توفيق أكليمندوس
رئيس وحدة الدراسات الأوروبية

جاءت أزمة (كوفيد-١٩) في عالم كان على عتب تغيرات جوهرية، تسببت الجائحة في الإسراع ببعضها، وفي تعطيل غيرها، وتسببت في إضعاف كل المجتمعات، ولكن بدرجات متفاوتة، مما يعني اختلالًا في موازين القوة. وهذا الضعف يحتم تغييرات ويعطل غيرها. وتسببت الجائحة في ظهور مشاكل جديدة تمامًا، وفي إبراز مشكلات كانت كامنة تحت السطح، وقد تكون تسببت في اختفاء غيرها.. إلخ.

وهناك تغييرات ملموسة أو متوقعة من غير المعروف إن كانت شرًا كلها أم تحمل بعض الخير. وهناك أنواع من التكلفة يصعب قياسها، أبرزها عدم إمكانية تثمين الخبرات والمهارات الفردية التي ذهبت مع أصحابها، ولا ثمن الضرر النفسي الذي لحق بالعائلات التي فقدت شخصًا أو شاهدت طلاقًا أو حوادث عنف أو انخفاضًا مفاجئًا للدخل.

ويمكن هنا طرح تساؤل مؤداه: هل نستطيع توقع كيف سيعيد الفاعلون الدوليون ترتيب أوراقهم بناء على ما نعرفه من نظامهم السياسي وشخصيات قادتهم وثقافتهم السياسية وقدراتهم الاقتصادية وسلوكهم السابق و”مزاج” رأيهم العام؟ أو على الأقل كيف يقرءون الأزمة وكيف سيحددون أولياتهم وما هي السياسات التي سيطبقونها وهل سينجحون في تطبيقها؟ وما هو تأثير سياسات غيرهم على سياساتهم هم وعلى النظام الدولي والعكس؟ هل سيحتفظ النظام الدولي بنفس الملامح أم ستتغير لدرجة تسمح أن نتحدث عن نظام عالمي جديد؟

للاقتصاديين رد على جانب هام من هذه التساؤلات، إذ يقولون إن آسيا ستكون الرابح الأكبر، لأنها أجادت إدارة الجائحة وتقليل الخسائر، وستكون أمريكا اللاتينية أكبر الخاسرين، لأدائها الكارثي، يليها أوروبا وإفريقيا، رغم عدم تأثر الثانية مباشرة بالجائحة؛ إلا أنها تعاني من انخفاض قيمة صادراتها وإيرادات السياحة. وفي أوروبا ستزداد الهوة بين ألمانيا وفرنسا اتساعًا نظرًا لرداءة إدارة الثانية لأزمة الجائحة، رداءة تطرح تساؤلات حول ملاءمة نموذج الدولة المركزية لمتطلبات العصر، أما الولايات المتحدة فسيعوض قوة اقتصادها وقدرته على التعافي السريع سوء أداء نخبها السياسية. 

ولكننا “التوقع” ليس من صميم عمل الاقتصاديين. فمن ناحية لا يستطيع أحد توقع سير أزمة الجائحة بدقة حتى لو ثبت أن المصل فعال، ومن ناحية أخرى فإن الجائحة وتأثيرها على الاقتصاد ظاهرة جديدة تمامًا وظاهرة حطمت نظرية الدورات الاقتصادية التي اعتمد عليها الاقتصاديون الذين اضطروا إلى ترك النماذج القياسية التقليدية وإلى ابتكار نماذج جديدة لم تختبر بعد. نسوق مثالين لشرح المعضلة، لم يعد ممكنًا ربط تطور النقل الجوي بارتفاع أو انخفاض دخل الأفراد، بل وجب تخيل تطور الرغبة في السياحة الخارجية وتطور ثمن التذاكر وما إلى ذلك. الاقتصاديون مدركون للمشكلة ولغيرها، فنحن لا ندعي اكتشاف العجلة، ولكن السؤال يبقى: هل يمتلكون الأدوات التي تسمح بالقياس؟ ثانيًا: هل يمكن تحديد تأثير (كوفيد-١٩) على الاحتجاجات الداخلية؟ هل سيزيد منها أم يقللها؟ وطبعًا الاتفاق على تشخيص تطور ودقة هذا التشخيص لا يعنيان الاتفاق على “روشتة العلاج” وعلى فعالية الخيارات. وبصفة عامة، تؤثر التوقعات على سلوك الفاعلين بطريقة قد تجعلها خاطئة: إن كانت متفائلة قد تدفع الفاعلين إلى الاقتراض المبالغ فيه مما يؤثر سلبًا على الاقتصاد.

كل هذا لا يعني عدم الاهتمام بالتوقع، وعدم أخذ التوقعات في عين الاعتبار، بل يعني وجوب رسم عدد كبير من السيناريوهات، وعدم الاكتفاء بثلاثية السيناريوهات الأمثل/الأرجح/الأسوأ. ويعني وجوب التحوط قبل الاندفاع في طريق ما والاحتفاظ دائمًا بخطط بديلة وخطوط عودة، أي بالعمل على الاحتفاظ بعدد معقول من الخيارات رغم صعوبة هذا بالنسبة لدولة محدودة الموارد كمصر.

والحقيقة هي أن العالم كان على أعتاب تغييرات كبيرة وجب التعامل معها يمكن التطرق لها كالتالي:

١. ثورة الذكاء الصناعي:

إلى جانب التغييرات الهائلة التي ستتسبب فيها هذه الثورة في المجالات العسكرية والمدنية والتي قد تؤثر على موازين القوى، فإنها قد تتسبب في إجبار ما بين ٤٠٠ إلى ٨٠٠ مليون نسمة على تغيير وظائفهم (بمعنى اكتساب مهارات جديدة، أو بمعنى تغيير شكل ومضمون علاقتهم برب العمل)، أو على الانضمام إلى صفوف العاطلين. ولا يتوقع أن يتم هذا بسلالة ودون اهتزازات عنيفة في المجتمعات. والصين والولايات المتحدة في مقدمة الدول التي قد تتأثر بقوة، وقد يؤثر هذا على شرعية أنظمة الحكم فيهما. ولا نعلم بالتالي إن كانت الصين ستواصل “المشوار” أم ستخاف من التكلفة الاجتماعية. السؤال مطروح بقوة فيما يخصها لأن الدولة (لا الشركات الكبرى) هي التي دفعت إلى تبني خيار تعميم استخدام الذكاء الصناعي، وتملك من الأدوات التي تسمح لها بالتدخل في عمل وخيارات الشركات الكبرى؟ ولأن شرعية النظام قائمة على قدرته على تحسين أحوال الصينيين، قد تتردد في اتّباع سياسة تؤدي إلى مضاعفة عدد العاطلين. الوضع أكثر تعقيدًا في الولايات المتحدة وأوروبا. هناك من يرى أن النظام الصيني لن يتردد في استخدام الذكاء الصناعي لإحكام قبضته الأمنية على المجتمع، وسيتردد قبل استخدامه في النشاط الاقتصادي، في حين أن الولايات المتحدة (وأوروبا) ستنتهج السلوك العكسي. ولكن هذا الرأي يتجاهل ضغط آليات المنافسة في النظام الرأسمالي من ناحية وحجم التحديات الأمنية من ناحية أخرى، ولا نعرف طبعًا كيف سيؤثر التحول إلى هذه التكنولوجيا على هيكل وتراتبية الشركات العملاقة. من سينجح في استخدامها، ومن سيختار تنميتها بمعرفته، ومن سيعتمد على شركات متخصصة فيها، ومن سيأخذ بها في مجال واحد دون غيره، ومن سيعممها على كل أنشطته. وطبعًا لا نعرف إن كان سؤال قدرة الإنسان على التحكم في أنشطة الذكاء الصناعي سؤالًا في محله أم لا. وأخيرًا لا نستطيع استبعاد فرض يبدو شبه مستحيل وهو وجود اتفاق دولي على منع استخدامها حاليًا خوفًا من تبعاتها الاجتماعية في مرحلة ما بعد كوفيد. 

٢. تغيير مصادر الطاقة والانتقال البيئي:

مع مرور الوقت سيكون الانتقال البيئي قضية أكثر إلحاحًا لمواجهة الاحتباس الحراري. وهذا الانتقال يتطلب إما تغيير أسس المجتمع والعلاقات بين مكوناته وتنظيم العمل فيه، وإما اختراعات تكنولوجية تضمن أساليب غير ملوثة لتوفير الطاقة وطاقة غير ملوثة. والقضية هي طبعًا تخفيض كم ثاني أكسيد الكربون الذي ينتجه النشاط البشري والذي يسمم الهواء ويتسبب في الاحتباس الحراري. والسؤال الرئيسي يتعلق بإمكانية تعميم اللجوء إلى الهيدروجين كمصدر للطاقة، أي بتكلفة الوسائل غير الملوثة لإنتاجه. ما منع إلى الآن اللجوء المكثف إلى الهيدروجين هو كون الوسيلة الأرخص والأكثر شيوعًا لإنتاجه ملوثة بشدة. ولكن التقارير تشير إلى استثمارات أوروبية ويابانية هامة لحل هذه المشكلة، وإيجاد وسائل رخيصة وغير ملوثة لإنتاجه ولتخزينه. صحيح أيضًا أن أغلب هذه التقارير ترى أن التغيير (الاعتماد المتزايد على الهيدروجين كمصدر للطاقة) سيكون تدريجيًا ولن يكون شاملًا، لن يكون الهيدروجين المصدر الوحيد للطاقة. ولكن الوضع قد يتغير، لا يتسع المجال هنا للتفصيل. نكتفي بالقول إن التوقعات الحالية ترى أن الهيدروجين الذي كان يمثل ٢٪ من الاستهلاك العالمي للطاقة سنة ٢٠١٧ سيمثل ٢٠٪ سنة ٢٠٥٠، وأن اليابان أكثر الدول تقدمًا في هذا المجال، الانتقال إلى مجتمع يستمد الطاقة من الهيدروجين، وأن العيب الرئيسي للهيدروجين هو حاليًا كلفة صناعته بطريقة غير ملوثة، وكلفة بناء محطات هيدروجين في بلد ما. وهو اعتبار مهم في مجتمعات أضعف كوفيد ماليتها. وفي المقابل، فإن مميزاته لا تحصى، أهمها النظافة البيئية وقابليته للتخزين. وهذا قد يدفع إلى الإسراع في عملية الانتقال إلى الهيدروجين. هذا الكلام لا يعني أن حقبة البترول انتهت، فالزيادة في الطلب العالمي على الطاقة تضمن أن الطلب على البترول سيظل يرتفع أو على الأقل لن يتراجع. ولكن الطلب الأوروبي والياباني قد يقل. وهذا يعني أن الوظائف التي سيخلقها قطاع الهيدروجين لن تقضي على وظائف في قطاع البترول. ويلاحظ أن الطاقة ومصادرها ليست إلا جانبًا واحدًا من جوانب مسألة الانتقال إلى مجتمع يحترم البيئة، ولا يساهم في زيادة نسبة ثاني أكسيد الكربون وفي الاحتباس الحراري. إجمالًا –أي على مستوى العالم- ستخلق عملية الانتقال البيئي ٢٤ مليون وظيفة خلال العقد الحالي، وفي المقابل ستدمر ٦ ملايين وظيفة، والشرق الأوسط وإفريقيا لن يكونا من المستفيدين ما لم يطرأ جديد. ويلاحظ أن ارتفاع درجات الحرارة يؤثر بالسلب على عدد ساعات العمل وعلى صحة العاملين وعلى المنظومة الصحية. وسيكون الفقراء والفئات المتواضعة أكبر الخاسرين. نشير أخيرًا إلى أن بعض الإجراءات المتعلقة بالبيئة (فرض ضرائب على ثاني إكسيد الكربون) لاقت مقاومة شديدة في فرنسا، أي إن عملية الانتقال قد تلاقي مقاومة. 

وقد تم إفراد فقرة للذكاء الصناعي لكونه مهددًا لعدد ضخم من الوظائف، ولكن التكنولوجيات التي ستؤثر على حياة المجتمعات وتنظيمها وعلى هياكل الدخل والمساعدات وعلى موازين القوى الاقتصادية والعسكرية وعلى النظام الدولي لا تنحصر فيه ولا في التكنولوجيات الضرورية للانتقال البيئي. يكفي مثلًا أن نقول إن “العمود الفقري” للاقتصاد العالمي كان البترول، وأصبح الآن المعلومات والبيانات كما أوضح الدكتور توماس جومار، مدير المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية. ويشير الدكتور جومار إلى تطور هام. الشركات البترولية الكبيرة كن سبعًا، أربع منها أوروبية (توتال، وبريتيش بترولوم، وإيني، وشل) وثلاث أمريكية. أما شركات المعلومات الكبرى فهن ٧ أو ٨. أربع أو خمس منها أمريكيات (جوجل، و”فيسبوك”، و”أبل”، و”أمازون”، و”نيتفليكس”) و”٣ صينيات”، ولا توجد شركة أوروبية بينها. وهذا لا يعود إلى تأخر العلوم في أوروبا، بل إلى عجز في تحويل الاكتشافات العلمية والتكنولوجية إلى مشروع رأسمالي فعال ورابح. وإلى جانب الذكاء الصناعي وقواعد المعلومات والبيانات يوجد ملف g5. انشغل الرأي العام بالصراع بين الولايات المتحدة والصين حول g5 (هواوي وشاومي)، وضغط واشنطن على جميع الفاعلين لكيلا يسمحوا باستخدام النسخ الصينية لهذه التكنولوجيا. وهو ضغط نجح -إلى حد كبير- ولكنه ليس كاملًا. ما يمكن إضافته أن g5 سيفتح آفاقًا جديدة، المعروف منها ربط السيارات الذكية ببعض، والقدرة على إجراء جراحات طبية بواسطة الروبوت، ولكنه لا يمكن حصر هذه الآفاق لأن التطبيقات الجديدة للـg5 لم تظهر بعد. الأمر يحتاج إلى سنة أو اثنتين. في هذا المجال الدولة الأكثر تقدمًا هي الصين، تليها الولايات المتحدة وأوروبا. والفارق بينهم ليس كبيرًا، وترتيبهم قد يتغير، لا سيما إن نجحت أمريكا في “خنق” هواوي وشاومي. ويمكن القول إن جائحة كوفيد عطلت أو أخرت بناء البنية التحتية اللازمة للـ g5من ناحية، وأبرزت الحاجة إليها من ناحية أخرى، نظرًا للاستعمال المكثف للإنترنت الذي ترتب على العمل المنزلي وشيوع الويبينار ونقاشات الزوم.. إلخ. ونشير أخيرًا إلى تكنولوجيا جديدة وهي الكمبيوتر الكوانتوم، وهو كمبيوتر قادر على إجراء الحسابات بسرعة تضاعف سرعة الكمبيوتر العادي آلاف المرات. وفي هذا المضمار، يبدو أن الصين متقدمة على باقي العالم بقليل، ولكن الأمر في بدايته. ويمكن الإشارة إلى تأخر روسيا النسبي في بعض هذه المجالات (الاستثناء قد يكون الذكاء الصناعي).

د. توفيق أكليمندوس
رئيس وحدة الدراسات الأوروبية