وحدة الدراسات الاقتصادية

“اسـتهداف التضـخـم”: سياسات الإنعاش الاقتصادي في مصر

يشهد الاقتصاد العالمي أسوأ أزمة اقتصادية منذ الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي في ظل انتشار جائحة فيروس كورونا المُستجد التي تسببت في ضرر بالغ لمستويات النشاط الاقتصادي في الاقتصادات المتقدمة والنامية على حد سواء، وهبطت بمستويات ثقة المستهلكين والمستثمرين ومستويات الإنتاج والاستهلاك والاستثمار والتجارة وتدفقات رؤوس الأموال الدولية إلى أدنى مستوياتها، وهو ما دفع العديد من الحكومات لاتخاذ مجموعة من الإجراءات للحد من التبعات الاقتصادية السلبية، في مقدمتها حزم تحفيز لتنشيط الطلب الكلي، ودعم الانتعاش الاقتصادي. وهنا يظهر تساؤل رئيسي: هل ستفشل البنوك المركزية في السيطرة على التضخم في ظل سياسات الانعاش الاقتصادي؟ فالحكومات تقف حائرة بين شقي رحى،…

سالي عاشور
باحثة متخصصة في قضايا التنمية الإقتصادية

يشهد الاقتصاد العالمي أسوأ أزمة اقتصادية منذ الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي في ظل انتشار جائحة فيروس كورونا المُستجد التي تسببت في ضرر بالغ لمستويات النشاط الاقتصادي في الاقتصادات المتقدمة والنامية على حد سواء، وهبطت بمستويات ثقة المستهلكين والمستثمرين ومستويات الإنتاج والاستهلاك والاستثمار والتجارة وتدفقات رؤوس الأموال الدولية إلى أدنى مستوياتها، وهو ما دفع العديد من الحكومات لاتخاذ مجموعة من الإجراءات للحد من التبعات الاقتصادية السلبية، في مقدمتها حزم تحفيز لتنشيط الطلب الكلي، ودعم الانتعاش الاقتصادي.

وهنا يظهر تساؤل رئيسي: هل ستفشل البنوك المركزية في السيطرة على التضخم في ظل سياسات الانعاش الاقتصادي؟ فالحكومات تقف حائرة بين شقي رحى، إما أن تدعم الانتعاش الاقتصادي خوفًا من الوقوع في فك الركود الاقتصادي بما قد يعرضها لخطر ارتفاع معدلات التضخم، خاصة إذا بالغت الحكومات والبنوك المركزية في تقدير الأضرار التي لحقت بسلاسل التوريد العالمية بسبب الوباء، وقدمت كثيرًا من الدعم للشركات والأسر لمواصلة الإنفاق، الأمر الذي سيسبب إفراطًا في الطلب لن يكون الاقتصاد العالمي قادرًا على التعامل معه، مما سيؤدي إلى قفزات ضخمة في أسعار المستهلكين.

استهداف التضخم:

تُعد سياسة استهداف التضخم أحد التطورات المهمة في نطاق السياسة النقدية التي حظيت باهتمام واسع من قبل البنوك المركزية على مستوى العالم منذ التسعينيات. وتشكل هذه الاستراتيجية التزامًا من قبل السلطات النقدية بتقليص معدلات التضخم عن طريق الوصول إلى معدلات مستهدفة للتضخم وتحقيق استقرار في أسعار الصرف وبالتبعية تحقيق الاستقرار الاقتصادي.

فمن خلال هذه السياسة يتحكم البنك المركزي في مسارات التضخم من خلال استخدام أدوات السياسة النقدية، وعلى رأسها أداة سعر الفائدة للإبقاء على معدلات التضخم ضمن الحدود المستهدفة، ذلك استنادًا إلى العلاقة العكسية ما بين معدلات التضخم وأسعار الفائدة، وهو ما يقود إلى زيادة مستويات الاستقرار الاقتصادي وفق مؤيدي هذه السياسة.

تجدر الإشارة إلى أن أول تطبيق لإطار الاستهداف الكامل للتضخم (Fully fledged inflation targeting) تم في نيوزيلندا عام 1990، أعقبه تبنيه في كل من كندا وبريطانيا في عامي 1991 و1992. ومنذ ذلك الوقت تحرص العديد من البنوك المركزية على تطبيقه إلى أن بلغ عدد الدول التي تتبع ذلك الإطار نحو 40 دولة، وتتنوع هذه الدول ما بين دول صناعية متقدمة ودول أخرى ناشئة أو نامية.

تتبنى مصر سياسة استهداف التضخم بهدف تحقيق استقرار سعر الصرف، وضمان تحرك معدلات التضخم في مستويات داعمة للنمو الاقتصادي، وذلك في أعقاب تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي نُفذ خلال الفترة (2016-2019) وساعد على زيادة مستويات مرونة سعر الصرف، ومكَّن من تبني سياسات مالية منضبطة.

سياسات استهداف التضخم في مصر

تبنت مصر سياسة استهداف التضخم منذ عام 2002-2003، واستتبع ذلك صدور قانون البنك المركزي لعام 2003. وتستهدف مصر من خلالها استقرار الأسعار، وتحقيق معدلات تضخم منخفضة. وفي إطار برنامج الإصلاح الاقتصادي المنفذ في مصر بالتعاون مع صندوق النقد الدولي عام 2016 تم تبني العديد من الإجراءات لاحتواء الآثار التضخمية لبرنامج الإصلاح في ظل تحرير سعر الصرف، في مقدمتها رفع أسعار الفائدة.

ومع تحسن أداء الاقتصاد المصري بنهاية عام 2017، بدأ البنك المركزي في اتباع سياسة لاستهداف التضخم 13% (+3%) بنهاية عام 2018 وهو ما نجح بالفعل في تحقيقه، حيث بلغت معدلات التضخم نحو 14.4% خلال عام 2018 مقابل نحو 30% عام 2017. ويستمر البنك المركزي المصري في استهداف خفض معدل التضخم إلى 9% بنهاية 2020.

يشير الشكل التالي لتطور معدلات التضخم في مصر (خلال الفترة 2016-2020)

المصدر: الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، معدل التضخم السنوي لحضر الجمهورية، متاح على الرابط: https://www.capmas.gov.eg/Pages/IndicatorsPage.aspx?Ind_id=2517 

وفق البيانات الرسمية الجديدة الخاصة بمعدلات التضخم، سجل معدل التضخم العام لإجمالي عام 2020 حوالي 5.1 % مقابل نحو 9.2 % خلال عام 2019، مما يشير إلى استمرار احتواء الضغوط التضخمية.

ويتوقع البنك المركزي أن يسجل متوسط معدل التضخم عام 2021 معدلات أحادية تحت مستوى 6% خلال الربع الأخير من عام 2021، اعتمادًا على درجة انخفاض أسعار السلع. كما حدد معدّل التضخم المستهدف في المتوسط حتى الربع الأخير من عام 2022 عند 7% (±2 في المئة)، مقارنة بنسبة تسعة في المائة (± 3 في المئة) في المتوسط حتى نهاية الربع الرابع من عام 2020.

وبهدف تحفيز نمو الاقتصاد المصري لتخطي الأزمة، أعلن البنك المركزي المصري عدة مبادرات لمواجهة التبعات الانكماشية لأزمة كورونا على الاقتصاد، والمحافظة على معدلات بطالة منخفضة، والتي تتمثل في خفض أسعار الفائدة لدى البنك بواقع 50 نقطة أساس في سبتمبر ونوفمبر (2020) الماضيين، بما يسهم في دعم النشاط الاقتصادي.

فى ضوء ما تم تناوله، يشير تقرير آفاق نمو الاقتصاد العالمي الصادر عن صندوق النقد الدولي لعام 2021 إلى أن معدلات التضخم ستبقى تحت السيطرة بشكل عام في الاقتصادات المتقدمة لتبقى أقل من 1.5 %، بينما قد تصل إلى نحو 4% في الأسواق الناشئة. حيث لا يُتوقع سد فجوات الإنتاج حتى بعد عام 2022، الأمر الذي يضع ضغوطًا إضافية على الحكومات، وخاصة البنوك المركزية، في تبني وتعديل سياسة استهداف التضخم في ظل الظروف الراهنة. 

وعلى الصعيد المصري، نجد أن الوضع سوف يكون أفضل حالًا نتيجة لتخفيف إجراءات الإغلاق واستمرار ارتفاع معدلات الطلب الاستهلاكي، الأمر الذي قد يتسبب في انتعاش اقتصادي مع الإبقاء على معدلات التضخم ضمن الحدود الآمنة. وجدير بالذكر هنا أن سياسات استهداف التضخم قد نجحت في تحقيق النتائج المرجوة منها من خلال التزام البنك المركزي بالشفافية في الإعلان الدوري عن مستهدفات التضخم للجمهور، ووجود ترتيبات مؤسسية لضمان مساءلة البنك المركزي عن تحقيق هذا الهدف، وضمان استقلالية البنك المركزي واستقلالية السياسة النقدية. كما يحتاج نجاح سياسة استهداف التضخم إلى وجود أسواق نقدية ومالية متطورة كي يتم من خلالها تمرير توجهات السياسة النقدية إلى القطاع الحقيقي. ويستلزم تبني هذه السياسة تطور أدوات السياسة النقدية وكفاءة قنوات انتقال أثر السياسة النقدية إلى القطاع الحقيقي Monetary policy transmission mechanisms. وأخيرًا فإن معظم البلدان تحبذ استهداف رقم فردي منخفض لمعدل التضخم Single low digit inflation target مثلما هو الحال في عدد من الدول المتقدمة، مثل: الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الأوروبي، واليابان، حيث يتم استهداف معدل للتضخم بحدود اثنين في المائة. 

سالي عاشور
باحثة متخصصة في قضايا التنمية الإقتصادية